تغيرات إقليمية تلوح في سماء منطقة الشرق الأوسط، وأحاديث عن جولات حوار تمهد لتسوية سياسية بين طرف عربي جديد هو سوريا ودولة الكيان الصهيوني، ومواجهة عسكرية مع إيران يتصاعد الحديث عنها حتى لتكاد تتصور أنها ستقع غدا ثم تتباعد لتحل محلها أحاديث عن صفقة بين الغرب وإيران تلعب الأخيرة بمقتضاها دورا إقليميا وأمنيا مختلفا، وكل ذلك وغيره يثير التساؤلات والتكهنات بشأن مستقبل القضية المحورية المتمثلة في اغتصاب فلسطين من قبل الكيان الصهيوني وبدعم لانهائي من الولايات المتحدة الأمريكية، ذلك المستقبل الذي صارت ترسم ملامحه أحداث إقليمية وعربية ودولية ومن قبل ذلك وبعده أحداث تقع في الداخل الفلسطيني، وهي ملامح لا تبدو مطمئنة أو مبشرة حتى الآن . تلك كانت خلاصة مناقشة ساخنة شهدها مؤتمر دعا إليه المركز الدولي للدراسات المستقبلية والاستراتيجية بالقاهرة قبل أيام بالتعاون مع جامعة القدس وشارك فيه خبراء وأكاديميون وسياسيون من مصر وفلسطين المحتلة وحمل عنوان: مستقبل القضية الفلسطينية في ظل المتغيرات الراهنة: المحلية والإقليمية وتطور الأوضاع الفلسطينية الداخلية .
قال رئيس دائرة العلوم السياسية بجامعة القدس الدكتور عيسى أبو زهيرة: إنه كان يمكن للمرحلة الانتقالية ولاتفاقياتها أن تنطلق من مسارها الطبيعي والصحيح، لولا استنكاف الحكومة الليكودية السابقة برئاسة بنيامين نتانياهو، عن تنفيذ الاتفاقات الموقعة والاستخفاف بالعملية السياسية كله، إذ ضربت تلك الحكومة عرض الحائط بما تم التوقيع عليه من اتفاقيات . . وعرضت مشروع السلام برمته للخطر والتبديد والإهمال والغطرسة .
معتبرا أن الخطوة الأولى للانطلاق مجددا في المسيرة السلمية تبدأ من وفاء الطرف الإسرائيلي الكامل بما تم الاتفاق عليه، والتزامه بتنفيذ كل استحقاقات المرحلة الانتقالية بما في ذلك مذكرة واي ريفر الموقعة في الولايات المتحدة أواخر عام ،1998 والتي أعيد التوقيع عليها معدلة في شرم الشيخ بعد ذلك .
وأضاف أن الوصول للسلام الشامل والعادل والدائم يستدعي التمسك بقرارات الشرعية الدولية وما تنطوي عليه من حقوق تعبر عنها المبادئ العامة للأمم المتحدة والتي تشدد على حق الشعوب في تقرير مصيرها، إضافة إلى القرارات الدولية المعنية بالحقوق الثابتة وغير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني على أرضه، وحقه في العودة إلى أرض وطنه، وحقه في إنهاء احتلال وبناء دولة مستقلة وعاصمتها القدس، الأمر الذي يقضي بضرورة الرفض الحازم لجميع الإجراءات والممارسات والوقائع التي تفرضها إسرائيل بقوة الاحتلال كالاستيطان والضم وتهويد القدس والسيطرة على مصادر المياه، كما يقضي الأمر أيضا بعدم التسليم لعناصر القوة المحتلة لمصلحة إسرائيل حاليا، ودعا أبو زهيرة إلى ضرورة تدعيم عناصر القوة الفلسطينية وتحريكها وتثويرها حتى يمكن استثمارها في المفاوضات، وأضاف أن التسوية المطلوبة يجب أن تضمن إزالة شبح الاحتلال نهائيا عن الأراضي الفلسطينية بما فيه المستوطنات التي أقامها على الأراضي الفلسطينية، وإيجاد حل نهائي لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يقوم على مبدأ حقهم في العودة إلى وطنهم والتعويض وإعادة القدس عاصمة لدولة فلسطين كونها تشكل عاصمتها التاريخية والسيطرة الفلسطينية على المصادر الطبيعية، مشيرا إلى أنه يجب الفصل التام بين تنفيذ المرحلة الانتقالية ومفاوضات الوضع الدائم والتمسك بوقف الاستيطان مع بدء مفاوضات الوضع النهائي على كل الأراضي الفلسطينية المحتلة من عام 1967 بما فيها القدس .
وأضاف يجب أن يكون الاتفاق النهائي وفق نصوص واضحة ومحددة لا غموض فيها ولا مجال للاجتهاد والاختلاف مستقبلاً على تفسيره، مؤكدا على ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة القائمة على نظام سياسي ديمقراطي تعددي يحمي حقوق الإنسان وكذلك التأكيد على أن دولة فلسطين هي جزء لا يتجزأ من الأمة العربية والعمل على وضع البرامج والخطط التنموية التي تضمن إنهاء مظاهر التبعية الاقتصادية .
انهيار
من جانبه دعا الدكتور عزمي أبوالسعود أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس إلى العمل على إنهاء ما وصفه بالشلل في النظام السياسي الفلسطيني ومظاهر ذلك الشلل النظرية والعملية، مشيرا إلى أن شلل النظام وفقدان حيويته إنما هو واقع فعلي يصل إلى حالة الخطورة القصوى بما يواكبه من انهيارات مجتمعية كبيرة، وبما يرافقه من نتوءات بارزة كتدليل على الانهيار الخطير المستمر ومظاهرها في التعميم والتصاعد . وأكد أبوالسعود أنه لا مقاومة مع رفض الحلول السياسية قابلة للنجاح وفي الوقت نفسه لا يجب أن تكون هناك مراهنة على أن التسويات السياسية والتفاوض من دون المقاومة يمكن أن يقود إلى تسوية مقبولة، وقال إن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى حركة إنقاذ تستند فعليا إلى الدعم الجماهيري والإسناد الشعبي في داخل البلاد والشتات .
وقال سفير فلسطين بالقاهرة نبيل عمرو إن القضية الفلسطينية في تراجع رغم مرور 60 عاما عليها بفعل المدخلات التي طرأت على الساحة الإقليمية والمحلية والدولية، مبديا تخوفه من أن تأتي الاتصالات الإسرائيلية السورية عبر الوسيط التركي بشأن تسوية هضبة الجولان على حساب استحقاقات التسوية الفلسطينية .
وأضاف أن الأزمة الفلسطينية الداخلية أدت إلى تراجع في الاقتصاد الفلسطيني وكذلك التراجع في المقاومة وهو الأمر الذي كانت تعتبره حماس أمرا مستحيلا، ودعا السفير الفلسطيني حركة حماس إلى الدخول في حوار وطني شامل يجمع كل الفصائل الفلسطينية تحت رعاية ومراقبة عربية للخروج من مأزق الانقسام في السلطة .
ورأى د . عز الدين شكري، مدير برنامج الصراع العربي الإسرائيلي بمجموعة الأزمات الدولية، أن التأييد التلقائي الذي كانت المواقف الفلسطينية تتمتع به من جانب الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة آخذ في الانحسار وهو أمر يتضح من مقارنة نسب التأييد التي تحصل عليها مشروعات القرارات العربية في السنوات الأخيرة بسابقاتها، مطالبا بمراجعة التعامل العربي مع النظام الدولي فيما يتعلق بشأن الصراع العربي الإسرائيلي وعدم الارتكاز فقط إلى عدالة القضايا العربية أو إلى وجود قرارات دولية أو قواعد قانونية تدعم المواقف العربية لم تنجز الحق العربي، كما دعا إلى إعادة رسم السياسات العربية إزاء الأطراف الدولية وفق تقييم واقعي للوضع الدولي، وما يمكن للعرب قبوله وتحديد الأهداف المراد تحقيقها في إطار زمني منظور .
تراجع صهيوني
أما نقيب الصحافيين المصريين مكرم حمد أحمد فيؤكد أن دولة الكيان الصهيوني تمر بحالة تراجع وانهيار للقوى رغم ما تملكه من ترسانة عسكرية، لافتا إلى أنها لم تحقق نصرا عسكريا على العرب منذ يونيو/حزيران ،1967 فقد لحقت بها الهزائم بداية من حرب الاستنزاف في عام 1969 وأكتوبر/تشرين الأول 1973 ولبنان الأولى ولبنان الثانية في الوقت الذي لم تمتلك فيه الأمة العربية استراتيجية أو رؤية توافقية لاستغلال حالة التراجع الصهيوني . وأضاف أن المفاوضات الإسرائيلية السورية التي ترعاها تركيا لا يمكن لها أن تتم بمعزل عن تفاهم عربي بشأنها بل وتداخل فيها، متسائلا كيف وإلى متى تستمر سوريا معزولة إلى حد ما عربيا؟ وكيف يمكن للدول العربية أن تكون لاعبا رئيسيا في العلاقات مع سوريا وبديلا لإيران؟
فيما لفت سمير غطاس مدير مركز مقدس للدراسات إلى أن الحركة الصهيونية العالمية تمكنت من تأسيس دولة إسرائيل استنادا إلى وعيها بأهمية العامل الدولي، معتبرا أنه يجب الاستفادة من ذلك عربيا بالعمل على تدويل القضية الفلسطينية وفرض الوصاية الدولية عليها خاصة بعد فشل خيار الدولتين ورفض خيار الدولة الواحدة ذات القوميتين (حسب قوله) .
وأضاف أن العامل الإقليمي بات مؤثرا للغاية في مسار التسوية الفلسطينية الإسرائيلية ليس فقط في ظل الانقسام في السلطة الذي تطور وأصبح انقساما ديموغرافيا وثقافيا يمس الهوية الفلسطينية وهو الانقسام الأخطر على القضية الفلسطينية .
وأضاف أن المفاوضات السورية الإسرائيلية الجارية قد تؤثر أيضا في مسار التسوية الفلسطينية كونها شأنا إقليميا لافتا إلى أن مسار التسوية السورية بشأن الجولات الذي ظل معطلا منذ 29 يوليو/تموز 1994 بفعل العراقيل التي وضعتها الولايات المتحدة الأمريكية سيطول أمده ولا يمكن التوصل إلى تسوية في الفترة الآتية كون سوريا تتطلع أيضا لدور إقليمي وفق الصراع الدائر في المنطقة وهو ما لا تقبله الولايات المتحدة إلا حال تخلي سوريا عن إيران وغل يد سوريا عن حزب الله وقوى المقاومة الفلسطينية .
ورأى مساعد مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية د . حسن أبوطالب أن القضية الفلسطينية تتعرض في الآونة الراهنة لاختبار حاد، ومتعدد الزوايا والمداخلات خاصة أن أصحاب القضية أنفسهم باتوا في وضع الفرقة والانقسام وتعدد زوايا الرؤية وتباين الحلفاء وغياب المشروع الوطني الجامع، وابتعاد الأشقاء العرب وغيابهم في بعض الأحيان عن القيام بالحد الأدنى من التضامن ومن ثم بات الأصحاب الأصلاء أضعف الحلقات في القضية الفلسطينية .
وأضاف أن حالة الإقليم أصبحت في حالة سيولة، ومعرضة لتغيرات كبرى سواء بطريقة عنيفة وعبر مواجهة عسكرية كبرى، أو من خلال تسويات سياسية كبرى قد تعيد خلط الأوراق والتوازنات على نحو غير مسبوق، لافتا إلى أن الحديث الجاري الآن بين خياري صفقة كبرى يقيمها الغرب مع إيران تتضمن دورا إقليميا وأمنيا وانفتاحا غربيا غير مسبوق على الدولة الإيرانية، أو مواجهة عسكرية لتدمير البرنامج النووي الإيراني جزئيا أو كليا، ما قد يتبع ذلك من رد انتقامي إيراني غير محدد بدقة، يعني أن مستقبل الإقليم مفتوح على خيارات وسيناريوهات شتى ستفرض أعباء جمة على الأطراف العربية . . وأضاف أن تلك السيولة الإقليمية قد تفتح الباب أمام تشكيل توازنات وتحالفات جديدة وانهيار التحالفات القائمة أو على الأقل تغييرها جزئيا بما قد يوفر فرصا للقضية الفلسطينية تستدعي فيه عقابات وصعوبات جديدة غير تلك القائمة بالفعل وقد تهز الكثير من الثوابت التي قامت عليها القضية الفلسطينية لتجعل منها أطراف إقليمية مجرد آلية للحصول على نفوذ مضاف سياسي أو أيديولوجي، أو وسيلة للحصول على مكاسب في قضايا وصراعات أخرى .
وقال إن أهم المدخلات الراهنة هو الحركية الإيرانية المتمثلة في العلاقة الاستراتيجية الخاصة مع سوريا، والعلاقة الخاصة مع حزب الله اللبناني، والدعم السخي لبعض الفواعل الفلسطينية المحلية الرئيسية كحركة حماس والجهاد الإسلامي، وغيرها من منظمات المقاومة العسكرية المسلحة، بالإضافة إلى الوساطة التركية بين سوريا وإسرائيل . وتوقع مساعد مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام أن تعمل سوريا على استهلاك عنصر الزمن إلى أن يأتي رئيس أمريكي جديد، لعل ذلك يساعد في حدوث انفتاح أمريكي نسبي عليها، مضيفا في ناحية أخرى أن لبنان غير مؤهل لكي يكون أحد أطراف التفاوض المباشر أو غير المباشر مع إسرائيل بفعل الإشكاليات التي تحيط به من استحقاق دولي بشأن قتلة رفيق الحريري ومصير سلاح حزب الله والنفوذ الإيراني الذي سيحاول الإمساك بالورقة اللبنانية لحين اتضاح مسارات الأحداث سواء بالنسبة لسوريا أو بالنسبة للصفقة مع الغرب بشأن البرنامج النووي الإيراني .
تفاعلات
فيما قال الخبير بمركز دراسات الأهرام الدكتور عماد جاد في دراسة بعنوان السيناريوهات الإسرائيلية وتطور الموقف الداخلي وانعكاساتها المستقبلية: إن تفاعلات الداخل الإسرائيلي لن يترتب عليها تطور جديد في القضية الفلسطينية حيث سيمر العام الحالي من دون حدوث التطور الذي سبق وتعهد به الرئيس الأمريكي جورج بوش بشأن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، لافتا إلى أن المفاوضات التي تجري بين الجانبين تستهدف التوصل إلى اتفاق إطار بشأن أسس التسوية، وبالتالي فلن تشهد هذه المفاوضات تطورا بارزا في الفترة القادمة، وأضاف أن تفاعل إسرائيل مع حركة المقاومة الإسلامية حماس، جاء في صالح إسرائيل كونها تريد التوصل إلى التهدئة القائمة على وقف متبادل للعمل المسلح من دون ارتباط بتسوية سياسية، مما يعزز تثبيت حماس لأركان سلطتها في القطاع، وهو الأمر الذي سوف تساعد فيه إسرائيل التي من مصلحتها استمرار الانقسام الفلسطيني والتهام ما تريد من أراضي الضفة الغربية عبر التوسع المتواصل في الاستيطان، فضلا عن أن مصلحة الحكومة الإسرائيلية وأولمرت هي في الحفاظ على التهدئة التي تضمن وقف إطلاق الصواريخ التي تسببت في السخط على الحكومة وأدت إلى تراجع شعبية رئيس وزرائها كثيرا لاسيما بعد الإخفاق في الحرب مع مقاتلي حزب الله، مضيفا لذا يبدو واضحا أن تفاعلات الداخل الإسرائيلي تدفع باتجاه الحفاظ على التهدئة مع حركة حماس وعدم المبادرة بالخروج عليها عسكريا في حال اختراقها من جانب فصائل فلسطينية صغيرة في قطاع غزة كما حدث بعد إطلاق صواريخ من قبل حركة الجهاد الإسلامي، حيث ردت إسرائيل بالتراجع عن عملية فتح المعابر، ولم ترد عسكريا في القطاع، وتوقع أن يستمر الأمر هكذا في الفترة المقبلة ما لم تحدث تطورات غير متوقعة .
وعرج د . عماد جاد بحديثه إلى المفاوضات مع سوريا وقال إنه لا جديد يفسر التحول في الموقف الإسرائيلي، فلم تحدث تطورات دولية تدفع إسرائيل إلى القبول بالانسحاب الشامل من الجولان في الوقت الذي لا تزال فيه الولايات المتحدة على موقفها من سوريا وتراها دولة ضمن محور الشر، كما أن العلاقات السورية مع الدول العربية الرئيسية ليست على ما يرام خاصة مصر والسعودية، وأبدى جاد مخاوف من أن التحول في الموقف الإسرائيلي يأتي في إطار الاستعداد للقيام بعمل عسكري ضد البرنامج النووي الإيراني كون إسرائيل وفق تقديرات أمريكية سياسية تقف وراء التصعيد الأمريكي ضد إيران وأنها لا ترغب في القيام بهذا العمل في ظل شبكة التحالفات الإقليمية القائمة .