أكثر الأشخاص الذين نحبهم في حياتنا ونهتم بهم، لهم القدرة أكثر من غيرهم على دفعنا إلى الجنون .
فهناك أناس نلتقيهم، ونقع في محبتهم، وربما يتفق طرفان على زواج يستمر إلى الأبد، إلى أن يفرق الموت بينهما، وبالرغم من ذلك لا ينطق أحدهما بكلمة مودة للطرف الآخر .
وغالباً ما يصف أحد الطرفين الآخر بأنه أغلى ما في حياته، وفي الوقت نفسه أنه أكثر الأشخاص إزعاجاً، فيا له من تناقض عجيب .
السيناريو التالي يتكرر ملايين المرات في حفلات العشاء في كل أنحاء العالم، وهو يعكس قصة اختلافات لا نهاية لها .
مشهد يتكرر كثيراً لأربعة أزواج يجلسون حول مائدة الطعام في أحد المطاعم، يبدأ أحد الرجلين في إلقاء نكتة، فتقاطعه زوجته قائلة من فضلك لا تلقي هذه النكتة، فيرد عليها إنهما لم يسمعاها من قبل . فتقول ولكنني سمعتها آلاف المرات . ويحتدم النقاش إلى أن يصل إلى ذروته، بالرغم من إمكان الزوج عدم إلقاء النكتة التي من شأنها أن تثير حفيظة زوجته .
ويستمر النقاش المستعر حتى بعد وصولهما إلى المنزل فيبادر الزوج قائلاً لماذا تتعمدين مقاطعتي دائماً كلما هممت بإلقاء نكتة، وقد كنت تحبين نكاتي في أول زواجنا؟ .
وترد الزوجة هذا ما تفعله دائماً في كل مناسبة نحضرها، لا تهتم إلا بإلقاء النكات، وكنا نتناقش في أمور مهمة وقاطعتنا بنكاتك .
ويرد الزوج ألا يمكنك إعطائي الفرصة أبداً لإكمال شيء بدأته، ألا تتركين الآخرين يقررون ما يودون أو لا يودون سماعه؟ .
وهكذا ينخرط الزوجان بنقاش عقيم لا ينتهي، إلا إذا كانا بقدر من الحكمة تجعلهما يخرجان من مثل تلك النقاشات العقيمة . وربما كانت نكتة بسيطة سبباً مبرراً لرسم نهاية مأساوية لحياتهما معاً .
ديان فيلملي، أستاذة علم الاجتماع في جامعة كاليفورنيا في دافيس، بحثت في الأسباب والظروف التي يمكن أن تصل بالزوجين إلى هذا المأزق الصعب، الذي صادفت مثله في الثمانينات عندما بدأت حياتها العملية في جامعة إنديانا في لومنغتوم .
وتتذكر فيلملي اليوم بتفاصيله، فأثناء تناولها الغذاء مع صديقاتها من المتزوجات، تطرقن حول علاقاتهن الزوجية، فشكت إحداهن من غياب زوجها في عطلات نهاية الأسبوع بصفة مستمرة، بسبب عمله المرهق، وعبرت عن أمنيتها بأن يكون معها .
ألقت فيلملي على الزوجة سؤالاً وماذا يجذبك إليه إذن؟، فأجابت أنهما كانا زملاء في المدرسة الثانوية نفسها، وجذبها إليه جده واجتهاده الدائبان أثناء الدراسة، ما جعلها تتوقع نجاحه في المستقبل .
وقالت امرأة ثانية إن زوجها لم يلق على مسامعها كلمة لطيفة واحدة أثناء فترة خطوبتهما، فسألتها فيلملي عن سبب إعجابها به فأجابت بغرابة شديدة أن سلوكه البارد كان أكثر ما أعجبها فيه، لاعتقادها بأن الرجال ذوي المشاعر المتبلدة نادراً ما ينفعلون .
واستخلصت فيلملي أن الصفات التي تشد أحد الطرفين تجاه الآخر في البداية هي نفسها التي تعصف بحياتهما الزوجية فيما بعد .
الجاذبية القاتلة
بعد ما شهدت فيلملي من مفارقات غريبة في عدد من العلاقات الاجتماعية، قررت التوسع في أبحاثها، وكانت تحاضر آنذاك في إحدى الجامعات، واعتقدت أن طلاب وطالبات الجامعة دائما ما يكونون التربة الخصبة لتجريب النظريات النفسية، لذا قررت أن تكون المجموعة التي تدرسها حقل تجاربها .
وطلبت إلى طلابها إخراج قطعة صغيرة من الورق، والتفكير في أصدقائهم، وتسجيل الصفة المحببة التي كانت السبب في ارتياح كل منهم للطرف الثاني الصديق .
وكانت على يقين بأنه عندما يلقي المدرس الأسئلة على طلابه ، فإنهم يميلون إلى تقديم الإجابات التي ستروق إلى معلميهم، لذا أدخلت عدداً من الأسئلة غير المتعلقة بالموضوع لتضليل الطلبة، وتشكيكهم فيما كانت ترمي إليه بأسئلتها .
وبعد ذلك سألتهم عن الصفات الرديئة التي يمقتونها في الصديق، وعن سبب انتهاء العلاقة بينهما إذا كانت قد انتهت .
وجاءت إجابات الطلبة مؤكدة شكوكها التي كانت تساورها قبل إجراء التجربة، إذ وجدت أن سبب قطع العلاقة بين صديقين هو السبب نفسه الذي بنى عليه كل منهما اختياره للآخر كصديق مفضل .
وأجرت فيلملي دراسات عدة خلال السنوات الماضية شملت أزواجاً وزوجات لاستكشاف المشكلة التي سمتها الجاذبية القاتلة .
عندما سألت فيلملي إحدى المشاركات عن السبب الذي شجعها لاختيار زوجها (الذي انفصلت عنه فيما بعد)، قالت إنه أعجبها في البداية لروحه المرحة، ولكن تغيرت خريطة شخصيته تماماً بعد الزواج . وتشير فيلملي إلى أنه قد تتغير نظرة الإنسان لصفة ما في الطرف الآخر مع مرور الوقت، فما تراه الفتاة ميزة الآن قد ينقلب إلى عيب، فقد ترى الإنسان الذي تمنت أن يكون شريك حياتها مرحاً وخفيف الظل في البداية، وبمرور الوقت تتغير النظرة تماماً فترى خفة الظل حالة من السطحية وعدم النضج .
وأشارت إحداهن إلى أنها انجذبت إلى زوجها لبشاشته، وبعد ذلك اتضح لها أنه لا يأخذ مشاعر الآخرين مأخذ الجد، ولا يهمه سوى إلقاء النكات .
وإظهار الرعاية والاهتمام من الصفات الإيجابية، التي يشوبها أيضاً بعض السلبيات .
أوردت فيلملي تقارير أظهرت فيها أن إحدى السيدات تزوجت رجلاً لما أبداه تجاهها من عطف ومجاملة، ولكنهما انفصلا بعد ذلك، عندما اكتشفت أنه أصبح يكبح جماح عواطفه .
ووصفت امرأة أخرى زوجها السابق بالحساسية الشديدة، ورقته واهتمامه الشديد بها، وبالاستماع إليها دائماً . ولكنها كرهت غيرته الدائمة، إذ كان سريع الانفعال والغضب، خاصة إذا أبدت رغبتها في قضاء الوقت مع بعض الأصدقاء .
فأي صفة إيجابية لابد أن تنقلب إلى شيء يثير السخط . فمثلاً:
* الأشخاص الذين يتصفون بالطيبة والعطف، يمكن أن يراهم الطرف الثاني فيما بعد أشخاصاً سلبيين .
* الشخص قوي العزيمة، ربما تتغير نظرة الآخر له ليراه فيما بعد شخصاً عنيداً صعب المراس .
* الطرف الذي يبدي اهتماماً مفرطاً تجاه الشريك، غالباً ما يتحول إلى إنسان مفرط في التعلق بالآخر، غير قادر على الاستغناء عنه .
* الشخصية المغامرة ربما تتغير ليراها الآخر غير مسؤولة .
* الشخص مفتول العضلات الرشيق، قد يراه الآخر فيما بعد مغالياً في الاهتمام بصحته . بينما تتغير النظرة للشخص الهادئ ليراه الطرف الآخر إنساناً كسولاً .
والجاذبية القاتلة تشبه إلى حد ما المفهوم المعكوس لما يعرف بالمتعة المتناقضة، كالتي يجدها الإنسان عند تناوله الفلفل الحار .
ودائماً ما نبحث عن صفة محببة في الشريك، ولكن بعد العثور عليها تتحول بمرور الوقت إلى منغص يحول الحياة إلى جحيم .
وأجرت فيلملي بعض الاختبارات على عدد من الأشخاص من أماكن مختلفة في العالم، وكانت النتائج واحدة . وتوصلت إلى أنه كلما كانت الصفة قوية كان تحولها بالقوة نفسها .
فلماذا تتحول مواطن القوة المتمثلة في المميزات، إلى نقاط ضعف يمكن أن تقوض العلاقة بين الزوجين أو الصديقين؟
إنها خيبة الأمل أو التحرر من الوهم، كما تفسره فيلملي، فالأمر كما تراه يتعلق بتبدل النظرية الاجتماعية، فالمميزات تتحول إلى نقائص مع مرور الأيام .
فعلى سبيل المثال، فيمكن للزوجة أن تعجب بالاستقلالية التي يتسم بها زوجها، ولكن إذا كانت الاستقلالية مفرطة، فيعني ذلك أنه ليس في حاجة إلى زوجته، مما يعرض العلاقة للخطر .
ودرست فيلملي كيف يمكن للزوجين الالتفاف حول بعض من هذه المشكلات، التي ينفع فيها كثيراً الوعي النفسي .
وتتذكر فيلملي أحد الأشخاص الذي اشتكى من عناد زوجته الشديد، بالرغم من أن قوة شخصيتها كان سبب انجذابه إليها وارتباطه بها في البداية، للدرجة التي وعدها بألا يتخلى عنها في يوم من الأيام، ومثل هذا الشخص يعي تماماً ما للصفات الإيجابية من آثار جانبية سلبية، كما يعي ما فيه من عيوب، إذ أشار إلى أنه يتسم بالعناد، وعليها تحمل سلبياته .
الحساسية الاجتماعية
مهما كان لأحد الطرفين، الزوج أو الزوجة من عيوب، فتعايشهما معاً لفترة من الوقت يخلق فرصاً وفيرة للتغلب على تلك العيوب أو حتى التأقلم معها .
إيلين هاتفيلد، عالمة النفس في جامعة هاواي في مانوا، تشير إلى أن ذلك هو واقع الحال في كل الزيجات، فما من أحد منزه من العيوب التي تتسع دائرتها مع مرور الوقت طبقاً لما يعرف في الطب النفسي بنظرية العدالة .
الفكرة تتلخص في أن المعايير الاجتماعية تحفز المجموعات والأفراد على التصرف تجاه الشريك بنوع من العدل، وأن الناس يشعرون بارتياح عندما يشعرون بتلقيهم معاملة عادلة من قبل الشريك .
وبحسب نظرية العدالة، إذا أحس أحد الطرفين بأن علاقته بالشريك غير متوازنة، فإنه حاول إجراء تغيير ما من خلال أحياء أو ترميم روح العدالة النفسية، أو بفض العلاقة . وإذا اتصف أحد الطرفين بمزيد من العدالة، يمكنه تجاهل صفات الشريك السلبية .
مايكل كننغهام، أستاذ علم النفس في جامعة لويزفيل في ولاية كنتاكي بالولايات المتحدة، أشار إلى أن هناك أربع صفات بسيطة سماها بالحساسيات الاجتماعية، والتي لا تلق رد فعل مهماً في بداية العلاقة الزوجية، ولكن تكرارها ربما يدمرها في نهاية المطاف .
فالسلوك الفظ ربما لا يسبب أي منغصات في البداية، ولكن تظهر له مؤثرات مزعجة فيما بعد، وكذلك الادعاءات الكاذبة، والتطفل .
وبحسب كننغهام، فالتصرفات غير المعقولة تزعج الطرف الآخر، بالرغم من أنها لا تكون متعمدة في أغلب الأحيان، كأن يتطوع أحد الزوجين بإحضار الملابس من المغسلة، ونسي ذلك، وتكرر هذا النسيان مرات ومرات .
أما إذا كان الشخص لديه فضول ويحب التدخل في شئون الآخرين، فهذا بالطبع متعمد، ولديه إصرار لفرض رأيه على غيره .
فانتهاك المعايير الاجتماعية لا يستهدف شخصاً بعينه ولكنه أيضاً يؤثر في ما لديه من معايير . فعلى سبيل المثال، شخص لا يدفع ما عليه من ضرائب، فبالرغم من أن هذا لا يضيرك في شيء، لكنه يزعجك إلى حد ما .
وإذا توافرت هذه المنغصات الأربع البسيطة في شخص واحد فالعيش معه يرقى إلى درجة التحدي .
ويوضح كننغهام أنه في بدء العلاقة بين الزوجين، يحلم كل منهما بعالم وردي ويرى شريكه من منظور مفعم بالأمل، ولا يعني ذلك أن الطرفين يجهلان ما لديهما من عيوب، لكنهما يميلا إلى عدم تضخيمها، ولكن بعد انقضاء فترة الأحلام الوردية تتبخر رغبة الطرفين في التغاضي عن عيوبهما .
ويختلف الرجل عن المرأة في ما لديه من مسببات الحساسية الاجتماعية، كما يختلف تأثره بها .
فالرجل على مدار الحياة الزوجية ينظر للمرأة على أنها دائماً متهورة، ومتطفلة، ومستبدة، وعلى الجانب الآخر ترى المرأة أن تصرفات الرجل خرقاء .