الإمارات دولة كبرت حين صَغُر العالم وصار مجرد قرية كبيرة، نَمَتْ بأفكار حكامها الإنسانية السامية، ورؤية قياداتها ومشاريعهم اللامتناهية، اتسعت لدرجة أن ظلها صار يغطي العالم، كل العالم بلا مبالغة، فهي حلم الناس من كل بلاد الدنيا بلا استثناء بأن يحصلوا على مساحة تحت ظلها البارد، وذلك ببساطة لأنها دولة مثالية، يضرب بها المثل من قِبل المقيم والزائر .
دولة الإمارات حتى الآن الدولة العربية الوحيدة القائمة على الاتحاد، على اتحاد ناجح ومستمر لإمارات صغيرة تآلفت على الود، وبالرغم من صغرها غلب اتحادها اتحاد دول كانت - في ذلك الوقت - متقدمة عليها علمياً وفكرياً ومساحة وقوة دولة الإمارات الدولة الوحيدة - في المنطقة - الآمنة من كل الشرور وأنواع الإرهاب وحتى الجرائم الصغيرة .
إن لم تكن دولة الإمات قدوة في كل شيء لِمَ تحاول بقية الدول العربية الاحتذاء بها، والاستفادة من تجاربها الاقتصادية والتعليمية والأمنية وغيرها من التجارب الأخرى؟ إن لم تكن مثالية في إنسانيتها، فلِمَ صارت دولتنا حلم كل شخص بالعالم بأن يكون أحد مواطنيها، أو على الأقل أن يقيم ويعمل فيها، ليس لتوافر فرص العمل فقط، وليس لأننا كإماراتيين نمتلك صفات أصيلة نكرِّم بها القريب والبعيد فقط، ولكن لعرف عندنا بالتواضع وحفظ حقوق الفقير والضعيف والغني والقوي، لدرجة أن تجد أولئك المحظوظين الذين يقيمون فيها يقسمون أيمان الله كلها ويحمدون نعمته على الأمان الذين يعيشون به على أرضها، وحين أقول #187;المحظوظين#171; أخص بهم القادمين من الغرب، المعتادين على الفزع وعدم الاستقرار الأمني اليومي ببلدانهم؟
إذاً، أي مواطن يمكنه أن يضر بدولة كهذه، يضرب بها المثل في كل شيء، بدءاً بالتجربة الاتحادية وانتهاء بالتجربة الأمنية؟ أي وطني يطيعه ضميره على الضرر بالدولة النموذج والمثل والقدوة؟ أي إماراتي يطيعه قلبه الضرر بدولة حتى الجغرافيا تدخلت لتجعلها بعيدة عن فروض دول أكبر منها قوة ومساحة لِما حباها الله به من سواحل قصيرة لكن مفتوحة على المحيط الهندي بأكمله، تبطل مفعول أي نوع من أنواع الحَجْر قد يُفرض عليها في مياه الخليج؟ من ينتمي إلى بلد آمن مثل بلدنا كيف يمكنه أن يفكر بأن أن ينقلب عليها؟
#187;بلاد زايد#171; لا يمكن المزايدة على الولاء لها، كما لا يمكن تحمل النخر في صفوف أبنائها، ومن ينتمي إلى إماراتنا الآمنة لا يمكنه أن يزعزع الأمن فيها مدعياً الإصلاح، معتنقاً فكراً مبتدعاً دخيلاً على مجتمعنا! لا يمكن أن يلتقي الإصلاح مع الفوضى، كما لا يمكن أن يبرر فعل التخريب بغير مبرر نكران الجميل، أو ربما مبرر لعب دور البطولة، في ربيع ثار به العرب بسبب جوع وظلم لم يكونا موجودين عندنا .
علماً أن ثورات الجوع والظلم قامت في دول تدعي الديمقرطية والانتخابات الحرة، في دول يحكمها الشعب، وفقاً للمعنى الحرفي للفظ ديمقراطية . برأيي المتواضع الثقافة العربية لا تحتمل الديمقراطية، بدليلين: الأول أن النظام السياسي في دول #187;حكم الشعب#171; العربية تحوّل إلى نظام وراثي بشكل تلقائي، ومن دون الاعتبار لرأي الشعب، مثلما حصل في سوريا، وكما كان سيحصل في ليبيا ومصر . والثاني أن كثيرين ممن أعرف ممن يتشدقون بالديمقراطية وحرية الرأي هم في الواقع ديكتاتوريون، يمارسون ديكتاتورياتهم بدءاً من بيوتهم وانتهاء بمناصبهم الصغيرة، فما بالك إن تمكنوا من مناصب كبيرة؟
على فكرة، لم يوجد في العالم حتى العام 1900م نظام ديمقراطي ليبرالي واحد، يتبع نظام التصويت وفق المعايير الدولية الحالية، فالليبرالية بجميع مفاهيمها ظهرت على خلفية أكبر تظاهرة للتغيير الاجتماعي قامت في سان فرانسيسكو صيف 1967م، الذي عرف لاحقاً #187;بصيف الحب#171; summer of love . وحال الديمقرطية هو حال حقوق المرأة عندهم . فلقد أوقعت الديانتان المسيحية واليهودية المرأة الغربية في عبودية الرجل، وحرمتها من أبسط حقوقها كالميراث والتعليم، فثارت عليه العام 1792م بتظاهرات احتجاج، تبعتها مؤتمرات، تأسست منها جمعيات تحمي حقوقها .
بينما المرأة هنا محفوظة الحقوق بالدين والقانون، ففي المصحف الشريف سورة كاملة للنساء تحمي حقوقهن الاجتماعية والاقتصادية، وخاصة الميراث! كما سنّت القوانين الوضعية القائمة على الشريعة الإسلامية حقوقهن، ولو قيل إن القوانين العربية مبنية أو مقتبسة من تشريعات القانون الفرنسي، أقول إن أصل القانون الفرنسي مقتبس من الشريعة الإسلامية، واسألوا الفرنسيين .
الديمقراطية في الغرب ولدت نتيجة التمايز الاجتماعي والاقتصادي بين الطبقات منذ أفلاطون، لكن النظام القبلي حمى العشائر والأفراد في شبه الجزيرة ومنذ ما قبل الإسلام، فما لشيخ القبيلة إلا القيادة، وهذا نظام فطري تعرفه حتى الطيور والنمور، ولم يحتج النظام الغربي إلى الديمقراطية إلا لأنه تحلل من فطرة التواضع، وللعلم فإن الديمقراطية الليبرالية هي سبب معظم المشكلات الاجتماعية الحالية في الغرب، وأظن أنهم سيظلون يعدلون في مصطلحات الديمقراطية والليبرالية، حتى يصلوا في نهاية الأمر إلى نتيجة مفادها أن حالنا في الخليج - والإمارات بالذات - أفضل حالاً، وهذا هو الواقع، فنظامنا القبلي أكرم الإماراتيين، وجعلهم يعيشون بنِعَمْ فاقت النعم التي يعيشها الغرب، لدرجة أن الغرب صار يغار من المستوى المعيشي الذي نحياه، ببساطه لأن من يحكمنا شيخ ابن شيخ، فلن يطمع بما في أيدي الناس (الشعب)، كما حصل في الدول الديمقراطية العربية السابقة الذكر .
وأخيراً، الإنسان قد يعصي بعض القوانين إرادياً، لكنه إطلاقاً لا يمكن أن يتخلى عن ولائه لوطنه، سواء كان التخلي إرادياً أو غير إرادي، إلا لو كان هذا الشخص مختلاً عقلياً، فعمل مثل هذا يشبه نزع الجلد عن اللحم، مثل سلخ مشاعر من قلب أم، وهذا فعل يصعب تخيل القيام به ولا لأي مصلحة من المصالح، ومن يقوم بذلك لا يكون في وعيه أبداً، إنه حتماً تحت نوع من المخدرات، كمخدر السلطة أو مخدر المال . وأنا لست تحت تأثير أي منهما أو غيرهما، والدليل أني كنت ومازلت كلّي خليفة، كلّي الإمارات .