ينبغي الاعتراف أولاً بأن التعليم العالي في الوطن العربي لا يزال دون مستوى الطموح إذا ما قورن بمستوى التعليم في بلدان شتى في العالم، وهذه حقيقة اثبتتها الدراسات الميدانية المقارنة.ففي نشرة المنتدى في عمان العدد 139 ابريل/نيسان 1997 تظهر الاحصائيات أن النشاط العلمي في الوطن العربي في معدله العام يأتي في أدنى مرتبة في العالم بعد القارة الإفريقية، ولهذه النتيجة الاحصائية البائسة أسباب شتى سنأتي على الأهم منها.فالتطور العلمي يرتبط ويتأثر بشكل مباشر بمستويات التطور في الهياكل الأساسية الأخرى للدولة، كالاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وإذا كان الوطن العربي قد جرى تصنيفه في افضل الأحوال ضمن الدول النامية أو (المتخلفة)، وإذا كانت هناك محاولات للتخلص من موروث التخلف في الوطن العربي فإنها لا زالت تشكو نقصاً واضحاً في العديد من المعالجات الجادة والمثمرة التي تمس جوهر القضاء على ظاهرة التخلف في مجمل الهياكل التي اشرنا اليها، وينسحب هذا الأمر على التطور العلمي بشكل مباشر ايضا. وفي هذا المجال يمكن الإشارة الى أن الأزمة العربية بمجملها هي (أزمة قيادة) تفتقر في الجانب السياسي الى القدرة على استيعاب المتغيرات في البيئة الدولية ومنها قصور النظرة الى الأساليب الديمقراطية في قيادة المجتمع والدولة، وفي الجانب المعرفي عدم التواصل مع ما احدثته ثورة المعلومات المتطورة والمتجددة في العالم.وطالما أن الأزمة في اطارها العام هي أزمة قيادة، فإنها تنسحب بشكل مباشر على الإطار المؤسسي الخاص لمجمل هياكل وانشطة الدولة الأخرى ومنها الهياكل والأنشطة العلمية، مما يجعلها تسير بخط لا يوازي أو يواكب حركة التطور العلمي في العالم.وإذا ما انتقلنا من اطار القيادات الجامعية العليا الى المستويات الأدنى نجد ان هنالك العديد من المؤشرات الدالة على أن أزمة القيادة يمكن أن تكون أزمة ولادة، وبالانتقال الى نوعية القوى البشرية الإدارية والمهنية المسؤولة عن التعليم الجامعي يلاحظ بأن الملاكات الجامعية هي الأخرى ليست بعيدة عن تأثير المؤسسة السياسية وبالتالي انعكس هذا الأمر سلباً على ما يمكن أن يبلغه التعليم العالي من مستوى معقول من التقدم والارتقاء، وإذا اضفنا الى هذه الأسباب ما أورده المفكر الدكتور إدوارد سعيد في القول إن علة التعليم الجامعي تكمن في عدم القدرة على التخلص من الموروث التقليدي الذي خلفته القوى الاستعمارية، ويستشهد بالمناهج العلمية العربية التي لا زالت أسيرة التقليد سواء في محتوياتها العلمية أو فلسفتها التعليمية وأساليب تدريسها لأدركنا حقا بان التعليم العالي العربي يمر بأزمة حقيقية.إن التعليم العالي في الوطن العربي سيظل يعاني من مشاكل مستدامة، وسيبقى دون مستوى الطموح إذا لم يصار الى بعض المعالجات الجوهرية التي تتعلق أولاً بإبعاد المؤسسات العلمية عن مؤثرات السلطة السياسية سواء في القيادات العليا أو عمادات الكليات والكوادر الإدارية الأخرى، وان تعتمد المعايير العلمية الدقيقة في اختيار تلك القيادات. وثانياً إعادة النظر في فلسفة التعليم العالي ومناهجه وأساليبه التعليمية والاستفادة الجادة من ثورة المعلومات التي توفرها وسائل الاتصال المتنوعة. وثالثاً وأخيراً إخضاع الهيئة التعليمية الى امتحانات دورية عالية المستوى للتحقق من قدرات الأساتذة الجامعيين وعدم اعتماد المعايير التقليدية في شغل المقاعد العلمية، ومن دون ذلك لا يمكن الحديث عن تعليم عال عربي بمستوى الطموح.