المجمعات التجارية في المجتمعات الخليجية

03:19 صباحا
قراءة 4 دقائق

تمثل المجمعات التجارية (Malls) ظاهرة معاصرة متميزة وذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية واسعة الامتداد والتنوع . كما أن سجل تطورها في سرعة حركته وانتشاره قد جعلها رمزاً للحداثة الديناميكية في المجتمع الخليجي . هذه الظاهرة وإن جاءت دخيلة على هذا المجتمع باعتبارها مستوردة، إلاّ أنها قد اتخذت نمطاً غاية في الخصوصية على صعيد التجديد والاحتواء المجتمعي كموقع مركزي هو النموذج لبيئة دائمة التطور الطبيعي والتطوير الهادف على الصعيد الحضري المباشر، والتحول الهيكلي عموماً .

تاريخياً، المسار التطوري الذي سلكته الغالبية الساحقة من دول العالم، المتقدمة في ماضي سجلها والنامية في حاضر تنميتها، يؤكد أن التحولات الهيكلية التي شهدتها مجتمعاتها تضمنت أساساً الانتقال وعلى مراحل من قاعدة اقتصادية اجتماعية سماتها الحياة الزراعية الريفية، إلى مرحلة التصنيع الحديث، ومن بعدها انتظمت في رحاب القطاع الخدمي المعاصر .

تجربة المجتمعات الخليجية تأتي متميزة في مغايرتها للمسار التاريخي المرحلي للتنمية، حيث تجسدت فيها مجموعة ملامح تطورية ذاتية، وإنها في تفاعل عناصرها أفرزت محصلة غاية في الخصوصية . فمحدودية القاعدة السكانية، ترافقها محدودية لقاعدة زراعية اعتمدت أساساً على الموارد البحرية (الأسماك واللؤلؤ) والموارد الرعوية (تربية الحيوانات) من جهة، يقابله انفلاق الموارد الريعية المتمثلة بإنتاج النفط وتصديره وما نتج عن ذلك من مستوى من الإنفاق تجاوز بمراحل قدرات الطاقة الذاتية على استيعابه من جهة أخرى . فكانت النتيجة الحتمية هي الاستعانة بالعمالة الوافدة، كماً وكيفاً، والتي ما زال فيضها يتدفق باستمرار .

محصلة ضغوط هذه العوامل شكلت اندفاعة هائلة وشاملة نحو تسريع الانتقال من المناطق الريفية إلى مناطق حضرية أقيمت على عجل وبنطاق واسع، لكيما تتمكن من استيعاب التحول الحضري الداخلي وتدفق العمالة الخارجية معاً . النمط الحضري الذي توّلد اتسمت خصوصيته بأنه تجاوز مرحلة التصنيع (باستثناء القطاع النفطي) فجاء نقيضاً للمسار التاريخي التقليدي للدول، متجهاً إلى المرحلة الخدمية لتأتي عملية التصنيع التطوري لاحقة لها بمرحلة زمنية محسوسة . هذه التحولات العميقة حين التحمت، أفرزت بوتقة مجتمعية فريدة سرعان ما اتجهت باحثة عن رمز يمثلها، فوجدت ضالتها ومن دون كبير عناء ممثلة بالمجمّع التجاري . وفي هذا الموقع المركزي، التقت روافد المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتصب في نهر متدفق الوجود .

اقتصادياً، تعاظم عائدات الصادرات النفطية كان بصورة مباشرة أو غير مباشرة سبباً محورياً لإقامة مجتمع الرفاهية، وفي صلبه استقرت المجمعات التجارية، حيث تجسدت فيها أبهى مظاهره . فهي التعبير عن الارتقاء المحسوس في مستوى المعيشة للمواطنين بخاصة، وللمستثمر فرصة رحيبة لتحقيق الأرباح، وللوافد العامل موقع مرحب فيه كل مظاهر بهرجة الحياة الجديدة، وإنما أيضاً سوق متقدمة الحداثة يجد فيها الجميع عرضاً متنوعاً من السلع والخدمات تطميناً للرغبات، ومعرضاً للتعبير التأشيري عن أذواق المستهلكين وفاعلية الاستجابة لها من قبل المنتجين . وهي موقع مفضل للخدمات السياحية (المصرفية والصرافة)، وللترويج للسلع ذات العلامات التجارية المشهورة، والترويج العقاري . وهي كذلك سوق كفوءة اقتصادياً من حيث تكلفة المواصلات مقارنة بحالة البحث عن السلع في أسواق منفردة . كما أنها تمتلك ميزة استثمارية مغرية لما يفيض فيها من الوفورات الاقتصادية التي تنعكس في تبادل المنفعة بين وحدات البيع داخل المجمعات . ثم إن اتساع وتكرار الخدمات المطلوبة في هذه المواقع يعني وجود طلب مستمر للقوى العاملة .

اجتماعياً، القطاع الزراعي الريفي التقليدي لم يقف عثرة في وجه تيار الحداثة، كما حصل في غالبية تجارب الدول في هذا المضمار، حيث تولدت فيها إفرازات محسوسة للتناقض بين الريف والمدينة . ونتيجة لذلك، جاء اختراق التأثيرات المغرية في الواقع الاقتصادي الاجتماعي الريفي سريعاً وشاملاً .

ففي مدة لا تتجاوز العقدين من السنين، تحول المجتمع الخليجي إلى كتلة حضرية بكل الأبعاد والمقاييس . فالكائن القادم قد هيمن، والذي كان استقر تراثاً وقيماً .

وفي رحاب هذا الاحتواء، أضحى المجمع التجاري، هو رمز التحول، ساحة للترفيه، وموقعاً للتواصل الاجتماعي، ومنبراً متبادلاً للقيم والسلوكيات والتي إن تكن في أغلب حركتها صامتة في نغمها، إلا أنها مؤثرة وعميقة في آثارها وتنوع ألحانها .

ثقافياً، بداية وجود هذه المجمعات كانت محدودة على الصعيد الثقافي حيث اقتصرت على دور العرض السينمائي والمكتبات وبعض العروض الترفيهية . غير أن استقرارها وتوسعها بالشكل الملحوظ كما حصل أسبغ عليها أدواراً جديدة وجدية، والتي ما زالت تتفتح في مسار انتعاشها . فالمجمع التجاري المعاصر بات موقعاً متميزاً لعرض سلع دائمة التجدد والتي من شأنها أن ترفع من مستوى المواكبة الفكرية والعلمية (وبخاصة بالنسبة للمعروض من التقنيات الاستهلاكية المبتكرة)، وتحسين الأذواق المظهرية (على صعيد الأزياء لكل من النساء والرجال)، وكذلك في الأبعاد الصحية (في مجالات التغذية) .

ومؤخراً، حصلت في هذه المجمعات طفرات إبداعية نوعية في غاية الأهمية فقد أضحت مسرحاً للثقافة الجماهيرية في التوعية والتدريب . فالعروض المستمرة لحماية البيئة، والتوجيهات السلوكية للتقليل من حوادث الطرق، والعروض الفنية للأطفال والبالغين وغيرها، كل ذلك من شأنه أن يرسخ من وجود هذه المجمعات ويعمق تأثيرها .

إذن، لا شك أن المجمعات في الأقطار الخليجية قد أضحت بشكلها المؤسسي الواسع حقيقة متميزة في رفقة التطور الحضري والحضاري . كما أنها منذ فترة قد تجاوز تأثيرها حدودها الإقليمية لينتقل إلى كافة الأقطار العربية وغيرها في الجوار والأطراف . إن هذه المجمعات، وبالرغم من بعض تأثيراتها السلبية الواضحة (مثل انفتاح الاستهلاك المظهري، الإسفاف في الإعلانات، إغراء الوقت الضائع الذي كان يمكن أن يكون بديله منتجاً، واتساع مجالات الاختلاط الاجتماعي الذي قد يشكل أحياناً تجاوزاً لبعض القيم السائدة) . ولكن رغم ذلك، هي الآن تفرض نفسها معقلاً راسخاً للحياة المدنية، حيث يصعب من بعد ذلك تصور إمكانية استمرارها كما هي إلاّ بوجودها المستمر .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"