معالجة الاختلال في أسواق المال

04:37 صباحا
قراءة 4 دقائق

كشفت الأزمة المالية العالمية التي يمر بها العالم اليوم وجود خلل كبير في النظام المالي العالمي . وهذا الخلل في المنظومة الرأسماليّة وأسواق المال كانت له أسباب جوهرية، وهي سلسلة من الحلقات المتتالية كان من الطبيعي أن تؤدي إلى حدوث أزمة، وكانت أولى حلقاتها الرهون العقاريّة في السوق الأمريكيّة، التي بدأت ملامحها تظهر منذ نهاية العام 2006 .

من الاسباب الرئيسية التي تدل على وجود خلل كبير في النظام المالي هو عدم وجود ضوابط قوية تحكم عمليات النظام المالي من رهون وقروض وتسهيلات بالإضافة إلى انعدام أو ضعف الرقابة وإدارة المخاطر يضاف إلى ذلك وجود فساد كبير في كثير من المؤسسات المالية، إذاً فإن الأزمة تسبب فيها الجميع من مسؤولين ومتعاملين في أسواق المال والمصارف والمؤسسات المالية، فهي صنعت بيد كلّ المعنيّين، فكلهم يتحمل المسؤولية، واللوم الأكبر يقع هنا على غياب أو ضعف الرقابة المالية .

وبينت هذه الأزمة حجم انكشاف المصارف بمعنى آخر خطورة استثماراتها في مجال العقار والأوراق المالية والإقراض العقاري على سبيل المثال، وأضف الى ذلك أزمة الرهون العقارية في الولايات المتحدة الامريكية بشكل خاص، مما تسبب في انهيار قطاع العقارات نتيجة ارتفاع عدد المتخلّفين عن سداد أقساط ديونهم، وهذه كانت بداية إنهيار النظام المالي . ونتيجة لهذا الانكشاف بدأت أزمة الانكماش الإقراضي وارتفعت تكلفته بين المصارف حتى بلغت نسباً عالية لتصل الى حوالي 17% على الدولار وأدت هذه المسائل إلى تفاقم الأزمة وأحدثت حلقات متتالية من المخاطر في مجال الإقراض للشركات وعمل صناديق الاحتياط التي انتشرت بشكل كبير ليبلغ عددها 12 ألفاً بأصول تفوق تريليوني دولار، وهي مسؤولة إلى حد كبير عن مفاقمة الأزمة نظرا لخطورة المعاملات التي تجريها داخل أسواق المال بسبب انعكاسات انهياراتها الضخمة على التجارة والمال الدولي على الرغم مما تتسبب به أموالها من إنعاش مؤقت للبورصات العالمية، يضاف إلى ذلك التسهيلات الكبيرة التي منحتها المصارف في عملية التمويل وبطاقات الائتمان، فتكونت حلقة يفوق حجمها ال15 تريليون دولار . إذاً فالأزمة هي نتيجة هذا الخلل في بنية الأسواق المالية الذي ولده كما قلنا ضعف الرقابة .

والآن قد حدثت الأزمة وظهرت تداعياتها وآثارها على الإقتصاد، إذا لا بد من وقفة تتم فيها معالجة الخلل واتخاذ عدد من الإجراءات الطارئة والمستقبلية وإعادة الثقة في النظام المالي، وهذا العبء يقع على الحكومات والمؤسّسات المالية، فأمامها اختبار صعب وتحد كبير في معالجة الخلل والأزمة وآثارها . ولعل الخطوة الأولى للخروج من هذه الأزمة هي التخلي عن مبدأ عدم التدخل في الأسواق المالية وأن لا تكون لدى السوق الحرية المطلقة وان تكون هي من يقرر مسار الأمور بل يجب أن تكون هناك رقابة حكومية صارمة .

كما أنه من الضروري إعادة هيكلة النظام المالي ووضع ضوابط جديدة ونظام فعال للرقابة والحوكمة، وإصلاح المؤسسات المالية العالمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والتي يجب أن يكون لها دور كبير في معالجة الخلل وتحقيق الاستقرار النقدي والمالي من خلال تعزيز الرقابة ومنع وقوع الازمات، وأن يكون لديها من الأدوات والسياسات ما يمكنها من الرقابة الفعالة على تحركات رأس المال الدولي لضمان سلامة وكفاءة تشغيل الأسواق المالية الدولية والتنمية السليمة للاقتصاد العالمي، إذ أصبحت المؤسسات المالية الدولية القديمة التي تم تأسيسها خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية غير قادرة على التعامل مع الأزمات التي يمكن أن تحدث في الوقت الراهن، وبات من الضروري إعادة بنائها من أجل التعامل مع عصر جديد ومختلف تماماً يتميز بحدوث تنافس على الصعيد العالمي ووجود الأسواق المفتوحة والعولمة . لذلك ينبغي أن تحدد أسس قوية في المرحلة المقبلة يقوم عليها النظام المالي الجديد ومجموعة من المبادئ التي يجب أن يلتزم بها الجميع من حكومات ومؤسسات مالية ومن أهم هذه المبادئ الشفافية والمسؤولية والنزاهة والإدارة المالية السليمة، ووضع قواعد ومعايير عالمية مشتركة للحسابات والتشريعات المالية .

يرى البعض وينادي بتطبيق النظام الإسلامي وهو الحل الوحيد للخلل الذي أصاب النظام الرأسمالي، ويطالب الكثير بالاتجاه للمصارف الإسلامية، ولكن على الرغم من أن البنوك الإسلامية أثبتت أنها استطاعت أن تخرج من هذه الأزمة ونجح أسلوبها لأنها تتعامل بالموجودات الحقيقية ولم تدخل بالسوق الوهمي ولم تقع في مشكلة الإقراض ولأنها تتفق مع مبادىء الدين الإسلامي، إلا أنها تمثل أحد أساليب التعامل الاقتصادي والمالي السليم ولكن لا يجب أن تكون هي الأداة الوحيدة وأن يتم إلغاء الأنظمة الأخرى لأن هناك إجراءات وتعاملات لا يمكن القيام بها من خلال البنوك الإسلامية وحدها، فمن الافضل أن يكون هناك نظام مالي خليط يجمع بين النظام الإسلامي والرأسمالي .

إذاً معالجة الخلل تحتاج إلى تطوير اطار عمل متعدد الطرق للوصول إلى نظام مالي مستقر يقوم على سياسات وتشريعات جديدة ويكون هناك ترابط بين مختلف السياسات وتكون مكملة لبعضها، وعليه فإن أية إعادة بناء يجب أن تجد طرقاً لدمج السياسات المالية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية وان تشتمل على رؤى تفصيلية تحمي الاقتصاد العالمي وتصور مشترك ومتكامل في ما يتعلق بالأعمال المصرفية وأسواق المال والاستثمار والعلاقات بين أسواق العالم ومصارفه .

* خبير في التجارة الدولية

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"