الاقتصاد بين الانتعاش والكساد

04:48 صباحا
قراءة 5 دقائق

تحدثت في مقال سابق عن آثار الأزمة المالية على التجارة وقلت ان الأزمة سوف تسبب حالة من الكساد التجاري العالمي . فمن المتوقع أن يشهد العالم فترة من الكساد بحيث يضعف التصنيع والنشاط التجاري ويقل الطلب على السلع . فهذه الأزمة سوف تؤدي إلى حال من التباطؤ في نمو الأسواق العالمية وسيترتب على ذلك تراجع حجم الأسواق وستواجه كسادا تجاريا وانخفاضا في الطلب على السلع والخدمات . وكثر في هذه الايام تزامناً مع الازمة المالية العالمية الحديث عن بدء كساد تجاري في الأسواق العالمية وفي كثير من الدول المتأثرة بهذه الأزمة والسؤال هو ما معنى كلمة كساد؟ وهل ستواجه أسواقنا حالاً من الكساد بما أننا جزء من هذا العالم وقد تمتد آثار الأزمة إلى أسواقنا؟

الكساد هو مصطلح في الاقتصاد، ويطلق على اي انخفاض ملحوظ وواسع النطاق في النشاط الاقتصادي يستمر لعدد من الشهور، وتحديدا يطلق على اي فترة ينخفض فيها الناتج المحلي الإجمالي لمدة ستة اشهر على الأقل . والكساد هو احدى مراحل الدورة الاقتصادية، فالدورة الاقتصادية هي مراحل يمر بها الاقتصاد فيصل إلى مرحلة من الانتعاش وتكون هناك حركة تجارة مزدهرة ويكون الاقتصاد في افضل حالاته إلى أن يصل إلى التشبع فيبدأ في الهبوط فتكون هناك حالة من الركود ومن ثم الكساد، ومرحلة الكساد عادة ما تزداد فيها البطالة وتنخفض قيمة الاستثمارات وارباح الشركات وينتج عنه تدن وهبوط في الإنتاج والأسعار والوظائف وكذلك الإيرادات، وتنخفض السيولة النقدية وتفلس العديد من المؤسسات والشركات المختلفة وبالتالي يفقد كثير من العمال والموظفين وظائفهم .

إن أولى مراحل الكساد تبدأ بتدني المبيعات لدى عدد كبير من المحال التجارية وتجار التجزئة نتيجة لتدني القدرة الشرائية عند المستهلكين . وحينما تنخفض المبيعات عند المحلات التجارية فإن طلباتها من المصانع تنخفض وبدورها تضطر المصانع إلى خفض إنتاجها مما يؤدي بدوره إلى انخفاض الاستثمار في الصناعة، وفي الوقت نفسه فإن المنشآت الصناعية تفقد قدرتها على دفع مرتبات عمالها وموظفيها بسبب تراجع الطلب على منتجاتها وانخفاض الأسعار وهذا يجعلها تضطر إلى التخلي عن عدد كبير منهم، وهذه الخطوة من المصنعين تؤدي إلى نتيجة حتمية أخرى وهي زيادة معدلات البطالة مما يجعل تدني القدرة الشرائية لدى المستهلكين تتفاقم أكثر وهكذا تستمر النتائج السلبية لتبعات الكساد في التوالي . هذا قد يحدث في الدول المتقدمة والصناعية لأنها أكبر المتأثرين بالأزمة العالمية . ولكن هل سيتاثر سوقنا ونعيش كساداً تجارياً؟ يرى الكثير من الناس أن سوقنا مرتبط بالأسواق الأخرى بدرجة كبيرة فتؤثر فيها مباشر نتيجة لذلك، وبالتالي ما يصيب الدول الأخرى سيصيبنا نحن، ولاحظت أن هناك مخاوف كبيرة لدى البعض من ان الكساد سيصيب أسواقنا وسوف يتدهور الاقتصاد الوطني نتيجة لما حدث في تلك الدول . ولكن أعتقد أن أسواقنا مقارنة بالأسواق الأخرى هي أفضل ولن تتأثر كثيراً بالأزمة المالية العالمية كما يعتقد البعض، وهناك كثير من المشككين بقوة ومتانة اقتصادنا وهناك جهات عديدة تنشر تقارير تزعزع الثقة لدى المواطنين، ولكن كل المؤشرات الاقتصادية تدل على عكس ذلك، إذ بادرت حكومتنا الرشيدة إلى اتخاذ خطوات وإجراءات لحماية السوق والاقتصاد الوطني وبدد أصحاب السمو الشيوخ الكثير من المخاوف التي أثيرت حول الاقتصاد الاماراتي، ومدى ارتباطه بالأزمة المالية العالمية، وطمأن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، المواطنين، وأكد سموهما قوة اقتصاد الإمارات وانه اقتصاد قوي قادر على مواجهة الازمات والخروج منها وعلى قدرة اقتصاد الإمارات على المرور من هذه الأزمة العالمية العاصفة، وذلك كما حدث في أزمات سابقة كحربي الخليج الأولى والثانية التي أثرت على اقتصادات كثيرة، في الوقت الذي كان فيها الاقتصاد الاماراتي في ذروة نموه .

فالقوانين المرنة والإمكانات التي يتمتع بها اقتصاد الدولة تحمي الاستثمارات ورؤوس الأموال المحلية والدولية والمؤسسات المالية والمصرفية حتى لا تتأثر سلباً بالمتغيرات الطارئة في العالم، إذ لاحظنا في الأسابيع الأخيرة التي واصلت فيها البورصات العالمية الهبوط، وانهارت مؤسسات مصرفية عملاقة، وباتت بعض الدول على وشك الإفلاس، غير أن مؤسساتنا لم تتأثر بدرجة كبيرة وقامت الحكومة بدعمها حتى تكون في مأمن من المخاطر التي أحدثتها الازمة المالية العالمية مما يؤكد متانة السوق والاقتصاد المحلي وهناك مؤشرات إيجابية على ذلك منها ارتفاع حجم الطلب في كثير من القطاعات سواء في قطاع تجارة التجزئة أو القطاع العقاري وقطاع الخدمات بشكل عام، وهناك نمو كبير في مختلف المجالات وهذا ما يثبته الواقع الحالي الذي يعكس حقيقة أسواقنا من خلال ازدياد الطلب في كثير من هذه القطاعات .

حديثي هذا ليس مجرد تطمينات لتبديد المخاوف كما يعتقد البعض بل هي تطمينات واقعية من خلال المؤشرات الاقتصادية الواضحة، ومنها زيادة الطلب بسبب تراجع أسعار السلع والخدمات التي بدأت تظهر بوادرها في السوق حيث تتجه نحو الانخفاض ويعتقد البعض أنها من مؤشرات الكساد، وهذا بالعكس أعتبره مفيداً وفي مصلحة المستهلك والمستثمر وسيعيش سوقنا حالاً من الرواج بعكس الأسواق الأمريكية التي تعاني من شبه كساد والذي جاء لمصلحة أسواقنا التي تتصف بالاستقرار والنمو المستمرين وأن تراجعها هو عودة للحالة الطبيعية وانحسار الحالة غير الطبيعية والمتمثلة في زيادة الأسعار بنسب خيالية وارتفاع التضخم وأدت بالتالي إلى ارتفاع أسعار كثير من السلع والخدمات مثل المساكن والإيجارات ونحوها، فتراجع الأسعار يعني عودة النشاط إلى جزء من حالاته الطبيعية وهذا ما يؤدي إلى حالة من الانتعاش والرواج التجاري، فالكساد معناه أن هناك سلعاً ولكن لا أحد يشتريها أو انخفاض حجم السيولة لدى المستهلكين، ولكن هذا غير موجود في السوق المحلية فهناك زيادة في الطلب مع توفر السيولة، والقدرة الشرائية لا زالت قوية فأين الكساد؟

إذاً يجب ألا يكون هناك تخوف من كساد أو ركود أو انهيار للاقتصاد لدينا، فيجب أن تكون ثقتنا باقتصادنا كبيرة ولو كان ذلك سيحدث فإنه كان سيحدث في بداية الأزمة كما حدث في الدول الأخرى، وما تم اتخاذه من إجراءات ليست إنقاذاً للاقتصاد وما هي إلا إجراءات وقائية لا تعني أن اقتصادنا على وشك الانهيار أو أسواقنا مهددة بالكساد فآثار الأزمة موجودة ولكن بدرجة قليلة لا تصل لدرجة الانهيار او الدخول في مرحلة الكساد، كما نؤكد أن ما قامت به الحكومة من إجراءات والتي شملت ضمان عدم تعرض أي من المصارف الوطنية لأية مخاطر ائتمانية وضمان الودائع والمدخرات في المصارف الوطنية الى جانب توفير ضمانات عمليات الاقتراض فيما بين المصارف العاملة في الدولة وضخ السيولة اللازمة في الجهاز المصرفي لتعزيز قدرة ومتانة اقتصادنا وأسواقنا .

* خبير في التجارة الدولية

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"