الذين يحفظون قصيدة الجواهري: يا دجلة الخير، يا أم البساتين، التي كتبها في ستينات القرن العشرين من منفاه في مدينة براغ، يتذكرون ولا شك ذلك البيت منها الذي فيه يقول الشاعر: يا أم بغداد من ظُرفٍ ومن غنجٍ/ مشى التبغدد حتى في الدهاقين .
والتبغدد حسب ناشر ديوان الجواهري هو: تكلف عادات أهل بغداد وأخلاقهم، طراز معيشتهم وطرق الحياة والتعامل والتخاطب . وقد انتشر التبغدد في معظم أرجاء العالم إبان العصور العباسية الأولى، وفي أيام رفعة العالم الإسلامي وعظمته وامتداد نفوذه وسلطانه أخذاً بالظرف واللطف البغداديين، يوم كانت بغداد عاصمة الدنيا آنذاك، وتعاطياً لأساليبها وأزيائها وتأنقها . أما الدهاقين فهي جمع دِهقان: رؤساء القرى والمدن المتنفذون، وهي فارسية معربة .
وأظن أن واحداً من الأربعة التالية أسماؤهم: وهم الدكتور ابراهيم السامرائي والدكتور علي جواد الطاهر والدكتور مهدي المخزومي ورشيد بكناش، هو من وضع هذا الشرح، لأنهم من جمع وحقق وأشرف على طبع ديوان الجواهري .
وأظن أنه الى أصل هذا المعنى يعود الاشتقاق في ما يقوله كاظم الساهر في إحدى أغنياته: تتبغدد علينا وإحنا من بغداد .
بغداد بالنسبة للشاعر عبدالوهاب البياتي تحمل في وجهها عذرية الزمن وعطره ورائحة القباب والمآذن الشاخصة التي ينتمي بعضها إلى العصر العباسي، وخاصة الجزء الأخير منه .
كانت بغداد تستهوي البياتي فيطوف حولها، كما كان يطوف نهر دجلة الذي يذهب إليه من الباب الشرقي، وبخاصة أيام الفيضان، حيث كان النهر محصناً بأكياس الرمل خوفاً من غرق المدينة، وما أكثر ما كان الماء يعلو ويطفو فوق الأكياس وينساب إلى الشوارع .
وعلى ضفتي النهر، يقول جمال حيدر في كتابه عن بغداد، تطل شرفات خرافية لبيوت فيها أفاريز وأعمدة ونقوش تصنع تلك الشناشيل المطلة على واجهة النهر . المعماري البغدادي القديم كان معنياً بانفتاح المدينة كلها نحو هذا النهر كأنها تتضرع أمامه، وهي مبتهلة إلى السماء المفتوحة .
ومن الأماكن التي أسرت البياتي، وصديقه الروائي غائب طعمة فرمان سوق السراي في بغداد الذي تباع فيه الكتب القديمة، حيث كان هذا السوق بمثابة المنجم الكبير يلتقط منه الكتب النادرة التي غذت مخيلته ولعبت دوراً كبيراً في التكوين الثقافي له ولجيل الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، حيث كانت تباع فيه الروايات المترجمة والأشعار وكتب رواد النهضة والتنوير في العالم العربي .
drhmadan@hotmail .com