هناك من يظن أن إقصاء الطرف الآخر من ذهنه أفضل وسيلة أمامه لحماية نفسه والحفاظ على كيانه، ما يهيئ له أنه اقتحام الآخر لحياته واختراقه لخصوصياته، وذلك بثقافة هذا الآخر وأفكاره، وينطلق الرافض للآخر من اعتقاده أن أي قبول لهذا الآخر يعني الاقتناع بأفكاره والسماح له باختراق خصوصية معارضه. ومثل هذا النمط من أصحاب التفكير السلبي إزاء الآخر، إنما يخلط بين القبول والاقتناع، فالمدعو إلى قبول الآخر ليس مطالباً بالاقتناع بأفكار الآخر أو تبني ثقافته، لكنه مطالب فقط بقبول وجوده ككيان مختلف عنه في محيطه، وقبول حقوقه التي تحافظ على حريته وكرامته وحقه في الاختلاف. وما التعارف إلا وسيلة لفهم اختلاف الآخر ومحاولة استيعابه والتعايش معه واحترام ما يمثله من مفاهيم ورؤى.
ويغلب على من يعانون الشعور بالإحباط رفض التقارب مع الآخرين والاطلاع على أفكارهم عبر الحوار للبحث عن أرضية مشتركة حول أي نقاط تكون موضوع خلاف. ومن الأسباب أيضاً حالة الإحباط الاجتماعي، حيث تتنامى الأفكار المتطلعة نحو التغيير، ولكن الواحد من هؤلاء يرى نفسه أمام حالة من الجمود وعدم القدرة على الفاعلية، ولا يرى ما يمنحه الثقة بنفسه للمشاركة الفاعلة، ولو تحققت لمثل هذه الثقة في نفسه لتوازن وأدرك ميزة عدم الانسياق في رفض الآخر بلا قيد أو شرط. ومما لا شك فيه أن الحياة تصبح أكثر ثراء ومتعة حين تتعدد الآراء وتختلف الأفكار، وعندما يكون الاحتكاك بين الأنماط الفكرية تتلاقح الأفكار والتجارب وتتضافر الخبرات في الحياة على صعدها المختلفة، وينجم عن ذلك منفعة للأطراف على اختلافها وبالتالي منفعة للمجتمع.