في كتابه «ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع» أشار د. حسن الساعاتي إلى عدة أسباب جعلته مهتماً بالبحث في مقدمة ابن خلدون ودراسة آرائه وأفكاره، ذلك لأن ابن خلدون هو المؤسس الأول لعلم الاجتماع في العالم، وقد سبق «أوجست كونت» الذي يعده الغربيون أول مؤسس لعلم الاجتماع، فضلاً عن أنه أول من تكلم عن علم الاجتماع، بوصفه علما مستقلاً، أي له موضوع ومسائل ومنهج وأسلوب علمي، يتميز به.
مر ما يزيد على 600 سنة على كتابة ابن خلدون مقدمته الشهيرة، التي أرسى فيها دعائم علم جديد بين العلوم، وهو الاجتماع الإنساني والعمران البشري، والمدهش أنه أنجز هذا المشروع الضخم، وهو مختل بنفسه في إحدى القلاع بجنوب الجزائر، لمدة أربع سنوات، وكان بعيداً عن مكتبته ومصادره ومراجعه وأصدقائه العلماء.
ما يميز «ابن خلدون» أنه فرق ما بين التاريخ وفلسفة التاريخ، وأخذ يسأل عن العلل والأسباب للحوادث والوقائع، وحاول الوصول إلى إجابات منطقية، مستمدة من معرفته بطبائع العمران، ولم يهتم فقط بالتساؤل عن أحداث الماضي وتسجيلها، لكنه سأل أيضا عن كيفية حدوثها، وتجلت عظمته وأصالته في المنهج العلمي، الذي فصله في مقدمة تاريخه «كتاب العبر وديوان المبتدأ في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر».
تنقسم المقدمة إلى ستة فصول عامة، كل منها باب كبير يحتوي على عدة فصول، هذه الأبواب أو الفصول العامة هي: الأول في العمران البشري على الجملة وأصنافه وقسط من الأرض، الثاني في العمران البدوي وذكر القبائل والأمم الوحشية، الثالث في الدول والخلافة والملك وذكر المراتب السلطانية، الرابع في العمران الحضري والبلدان والأمصار، الخامس في الصنائع والمعاش والكسب ووجوهه، السادس في العلوم واكتسابها وتعلمها.
يقول ابن خلدون إنه قدم العمران البدوي على العمران الحضري، لأنه سابق عليه وأصل له، وإنه قدم كذلك الملك على البلدان والأمصار، لأنه سبب لها، وأنه قدم المعاش على العلوم، لأنه ضروري طبيعي، بينما تعلم العلوم كمالي، والطبيعي أقدم من الكمالي، وأنه جعل الصنائع من الكسب، لأنها مرتبطة به، وبخاصة من حيث العمران، أي كثر السكان وتزايدهم واتساع رقعة الأرض التي يسكنونها، وتعدد مصالحهم وتشعب نظمهم الاجتماعية وتعقد تنظيمهم الاجتماعي، ويتضح من هذا أن «ابن خلدون» إنما يؤلف وفقاً لمخطط يضعه، ولكل خطوة فيه ما يبررها على أسس اجتماعية عمرانية.
ابن خلدون هو مؤسس علم الاجتماع أو علم العمران البشري، دون لبس، وهو كما ذكر في مقدمته: «علم مستقل بنفسه موضوعه العمران البشري والاجتماع، ويهدف إلى بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى، وهذا شأن كل علم من العلوم وضعياً كان أم عقلياً».
كان منهج ابن خلدون يرتكز على أن كل الظواهر الاجتماعية ترتبط ببعضها البعض، فكل ظاهرة لها سبب، وهي في ذات الوقت سبب للظاهرة التي تليها، لذلك كان مفهوم العمران البشري عنده يشمل كل الظواهر سواء كانت سكانية أو ديموغرافية، اجتماعية، سياسية، اقتصادية أو ثقافية، يناقش العمران البشري بشكل عام مبينا أثر البيئة في البشر، ويتطرق لأنواعه تبعا لنمط حياة البشر وأساليبهم الإنتاجية.
يحدث كثيراً أن يكون عالم من العلماء مبتدعاً لفكرة أو نظرية أو مبتكراً لمجموعة من الآراء قد تكون في مجموعها علماً جديداً، لكنه في الوقت نفسه لا يكون متفطناً إلى أنه مبتدع مبتكر كما لا يكون واعياً بما ابتدعه من فكرة أو نظرية، أو ابتكره من علم، لم يسبق أن كان موجوداً، وإنما يكشف عن ذلك من يأتي بعده من الباحثين، الذين ينبهون إلى ما يكون قد ابتدع أو ابتكر، ويوضحونه ويقدمونه لطلاب العلم في صورة محددة المعالم، لكن عظمة ابن خلدون - كما يوضح د. حسن الساعاتي في كتابه - تتجلى في أنه كان يعرف معرفة أكيدة أنه قد ابتدع بين العلوم علما جديدا، لم يسبقه إليه أحد، وأنه حدد لهذا العلم موضوعه ومسائله.
عادي
مقدمة ابن خلدون ترسي دعائم علم الاجتماع
8 فبراير 2016
02:33 صباحا
قراءة
3
دقائق
القاهرة - «الخليج»: