العدوان "الإسرائيلي" على سوريا وأوهام السلام

05:34 صباحا
قراءة 3 دقائق

في غمرة الأحداث المؤسفة التي يتعرض لها الشعب السوري، دخلت إسرائيل على خط الأزمة، وقامت طائراتها الحربية فجر الأربعاء 30 يناير/ كانون الثاني 2013 باختراق الحدود السورية عبر منطقة الجولان، وقامت بضرب منشأة أبحاث علمية سورية في منطقة جمرايا بريف دمشق، ما أدى إلى تدمير المنشأة ومقتل وجرح عدد من العلماء والعاملين فيها . ويعد هذا الهجوم أخطر اعتداء إسرائيلي على سوريا منذ عام 1973 .

وقد نفذت إسرائيل على مدى السنوات الطويلة الماضية اعتداءات متعددة ضد سوريا، لكن هذه الاعتداءات لم ترقَ إلى مستوى خطورة ما قامت به الآن، لأن الهدف الذي تم ضربه يقع على بعد كيلومترات قليلة من دمشق، وهو منشأة أبحاث علمية مختصة برفع سوية مقاومة الجيش السوري، كما ذكر بيان صادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة السورية . وقد قيل كثيراً في السابق عن العدوان الإسرائيلي على المنشأة النووية في منطقة دير الزور السورية، لكن الدولة السورية قالت عندها إن ما زعمته إسرائيل عن منشأة نووية لم يكن سوى موقع عسكري مهجور، أما اليوم، فإن الدولة السورية اعترفت بأن إسرائيل نفذت هجوماً جوياً ضد هدف حيوي فيها، وإذا ما قررت سوريا أن ترد على هذا الهجوم بضرب أهداف حيوية داخل إسرائيل، فإن ذلك سيؤدي إلى اندلاع حرب بين الدولتين . وتملك سوريا أكثر من خمسين فرقة عسكرية، منها فرق مدرعات وفرق مشاة، وفرق مظليين، وفرق إسناد، إضافة إلى سلاح الصواريخ والطيران والبحرية . وجميع الفرق العسكرية لم يتم تحريكها من مواقعها، لأن سوريا تعلم أن إسرائيل سوف تستغل ما يحدث فيها لتوجيه ضربة ضدها، كما فعلت بلبنان عندما استغلت الأحداث فيه عام ،1982 وقامت باجتياح الأراضي اللبنانية ووصلت إلى العاصمة بيروت .

ولهذا أبقت الدولة السورية على فرقها العسكرية في مواقعها، واستخدم النظام السوري فرقاً من الإسناد العسكري من مهام خاصة، وحرس جمهوري في مواجهة المعارضة المسلحة والجيش السوري الحر . والواقع أن الرد السوري على هذا العدوان الإسرائيلي إذا ما تمّ فسوف يشعل المنطقة كلها، وهذا ما يريده النظام السوري لأن إسرائيل سوف تستغل ذلك لتوجيه ضربة عسكرية ضد المواقع النووية الإيرانية، بهدف حشر الولايات المتحدة في الزاوية، ودفعها إلى الدخول في هذه المواجهة، رغم أن المزاج الأمريكي العام يريد النأي بالنفس عن القضايا العالمية، بسبب ما تعانيه الولايات المتحدة من ديون هائلة تثقل كاهلها .

لكن الحروب الضخمة قد تبدأ بأعمال صغيرة ولكنها خطرة، فمثلاً اندلعت الحرب العالمية الأولى عندما قام طالب صربي بقتل ولي عهد إمبراطورية النمسا الأمير فرديناند في مدينة سراييفو عاصمة البوسنة عام ،1914 فأعلنت النمسا الحرب على مملكة صربيا التي كانت محمية من قبل الروس، وعلى الفور ظهرت الأقطاب العالمية على السطح، فقد وقفت ألمانيا والدولة العثمانية إلى جانب النمسا، ووقفت فرنسا وبريطانيا وروسيا إلى جانب مملكة صربيا . وبدأت الحرب الكبرى التي غيرت خريطة أوروبا والعالم أجمع، لأنها أنهت نظام الإمبراطوريات القديمة، وجاءت بنظام عالمي جديد هو عصبة الأمم ومن بعدها الأمم المتحدة .

والآن، فإن الاعتداء الإسرائيلي على المنشأة السورية هو عمل خطر جداً، لأنه قد يكون مقدمة لحرب كبرى ترتسم ملامحها في الآفاق، فقد تبدأ الحرب بين سوريا وإسرائيل وتنتهي بصراع عالمي تقف فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها في الغرب ضد روسيا والصين . ورغم أن فرص السلام العالمي متاحة، لكن هذه الفرص لا يتم استغلالها بشكل مناسب، لأن القِوى المهيمنة في العالم اليوم لا تسمح للقِوى الصاعدة بممارسة أدوار عالمية تناسب وجودها وقوتها . ومثل هذا الأمر قد يدفع العالم نحو هاوية كبرى لا يعلم أحد إلا الله ما قد تؤدي إليه .

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"