عام 2013 والمحبّة الإنسانية

04:16 صباحا
قراءة 4 دقائق

مضى عام، وستؤذن شمسه بالمغيب غداً (الاثنين)، لتشرق شمس عام ميلاديّ جديد هو عام 2013 . وبأفول شمس عامنا هذا، نكون قد طوينا صفحة من صفحات عمرنا، حيث تلتقي ذروة البقاء بهاوية الفناء، وهو الفناء الجزئي في الكلي، أي أن الوجود الإنساني يقتضي بطبيعته التناهي . فالإنسان الذي عاش في القرن العشرين، وشهد نهاية الألف الميلادية الثانية، لن يدرك مهما عاش نهاية الألف الثالثة، يكيفه ما شهده من مآسٍ في مطلع هذا القرن، فقد رأينا أناساً يحاولون أن يفرضوا ظلمات عقولهم، وطبائعهم على كافة المجتمعات البشرية الأخرى، وفرض الحياة المادية الموحشة، مادية تؤمن بالمحسوسات فقط، لا صلة لها بالغيبيات، وما لها تأثير في حياة البشر خاصة الجانب العقدي منها، فتنكر الدين في كل مبادئه العقدية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتطبق الفكر المادي الذي يقوم على القناعة بالمشاهد المحسوس، وإنكار ما وراء ذلك، ومن مقتضى ذلك إنكار القيم الأخلاقية من خلال طرح الأفكار المغلوطة، والشعارات الخادعة، والقيام بممارسات لا أخلاقية، وكان من أبرز الأفكار المغلوطة التي حاولوا ترسيخها الادعاء بوجود صراع جدلي بين العقل والدين، وآخر بين المادة والروح، وثالث بين الرأسمالية والشيوعية، ورابع بين الإسلام والمسيحية وغيرها من الثنائيات الجدلية المتعارضة التي شُغِل بها نفر من المثقفين، وشغلوا بها العالم شرقا وغرباً .

لقد شغلت المنظومة التي تحكم سلوك الإنسان العديد من المفكرين والفلاسفة . ومن أبرز هؤلاء الفلاسفة الفيلسوف الفرنسي لافل الذي أرجع، عام ،1882 تلك المنظومة إلى ثلاثة أصناف من قيم الإنسان في العالم وهي: القيم الطبيعية الأخلاقية، والتربية العملية، والقيم العاطفية، وهذه الثلاث ترتبط بقيم من أنواع مختلفة، منها القيم العقلية المتعلقة بمعرفة الأشياء، وتفسير الظواهر . وتشمل التربية الأخلاقية التي تتضمن الفعل في الواقع الموضوعي، والعالم المادي . أما الثالثة فهي: القيم الروحية أو الدينية، التي تجعل من الطبيعة الأخلاقية للسيرورة عضواً في جماعة إيمانية كبرى، وهي العلاقة بين الله والإنسان، والتي تربط حق مبدأ الخير في السيطرة على الشر، وتتحرك في توطيد سلطان العقل والعدل المطلق بفعل الاستبداد الأولي للخير، وصفة الأفعال التدريجية فوق عجز الطبيعة أمام اليقين الأعلى للكمال الأخلاقي، لأن التقدم الأخلاقي لا يسير بالضرورة في اتجاه الوعي الجماعي، بل غالباً ما يكون في اتجاه مضاد لسير الوعي الجماعي، وغياب الضمير الفردي الذي يتولى نقد الوعي وأحكامه من ضلالات، أو منافاة لتيار التقدم، أو معاداة المجتمعات على معايير مبدأ سلبي في مملكة الأخلاق، أو الارتفاع فوق الواقع الأخلاقي التاريخي، أو على مبدأ الخير الأسمى، والذي يرسمه العقل استباقاً للكمال الأخلاقي، ويربطه ربطاً لا انفصام له بتصور الإرادة الحرة، من خلال الالتزام بما يفرضه المجتمع من قواعد تسهم في تحقيق هذا المتكيّف بما يناظر الضمير الأخلاقي .

إنّ الضمير الأخلاقي ينشأ من الشعور بالالتزام تجاه المجتمع لما في ذلك من فوائد في سبيل تطور الإنسان الفرد، كي يسمو إلى حال من التكيف والتطور نحو إرادة الخير إلى جانب القيم الاقتصادية والمادية، التي يجب ألا تكون فوق القيمة الأخلاقية أو القيم المتعلقة بالحق، وحتى لا يصبح الحق قيمة سلبية، أو مناط صراع بين قيم السادة، وقيم البائسين والفقراء والعجزة والمرضى والمشوهين، فهم الذين قرروا أن الزهد، والتجرد، والتضحية والصبر فضائل ذات قيم إيجابية، ذلك أنه حيث توجد حياة تصحبها حتماً إرادة، إرادة القوة، وهي الإرادة التي تمثل الطابع المضاد للكائن المتسلط، والتي لا تظهر إلا بواسطة الكفاح .

وكلما كثرت المقاومة زادت قيمة الحياة، وأصبحت إرادة القوة ثروة عظمى . فالحياة السامية دائماً تنشد الخطر وتُلح في طلبه، ووجودها دائماً محفوف بالمخاطر، محاصر بالتهديدات، فكأن إرادة القوة إذاً هي في الوقت نفسه إرادة الخطر، ولا تنشأ هذه الإرادة إلا نتيجة إرادة فياضة سخية . ومن هنا يقول الفيلسوف نيتشه هذه الجملة الرائعة: كي تجني من الوجود أسمى ما فيه، عِش في خطر! لأن الحياة في جوهرها نماء ورفعة، وتركيز متزايد للقوى الكونية في الذات الفردية، وهي اندفاع إلى إثراء نفسها والعلاء بها، وليس للحياة نفسها، وإنما غايتها علاؤها وتساميها . وإرادة القوة هي مقياس القيم في الحياة، والقيمة أعلى قدراً من القوة، وغاية الإنسانية هي خلق الإنسان الأسمى، خليفة الله في الأرض، وأول صفاته النضال للارتقاء إلى مدارج السالكين، كما كتب ابن القيم، وكما جاء في قانون التطور، وهو القانون الكلي الأساسي، والذي ليس فيه غير ظواهر فيزيائية وكيميائية تتوالى إلى غير نهاية، وتبدو أكثر تنوعاً وأوثق تضامناً مع بعضها بعضاً، من خلال المحبة والإيثار للغير على النفس، بحيث تقوم المحبة على أساس الأخوة بين الناس جميعاً .

إن صبغة الإنسانية المشتركة بين الناس ينبغي أن تفيض عليهم بالمحبة، ومن هنا يمكن أن يُقال أيضاً إن المحبة مرادفة للأخوة، وما دام أساسها هو صفة الإنسانية المشتركة، فيجب أن تتسع المحبة فتشمل كل الناس مهما اختلفت أجناسهم وألوانهم وعقائدهم وأوطانهم وأزمانهم، وحتى تتحول فضيلة العدل إلى عطف، وتعاطف، وطيبة، وكرم، وسخاء نفس، وتسامح ورقة في المعاملة والشعور . وتظهر النزعة العالمية لدى المصلحين بكل قوة مع بقاء محبة الوطن، ويصبح خير كل إنسان خيراً للجميع، وأن يكون المرء مواطناً للعالم هو الإقرار بشريعة العالم لكي تسود النزعة الإنسانية العالمية في محبة الإنسانية .

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"