لاشيء خالد، فالتغيّر سُنّة كونية، وهذا القانون ينطبق على الإنسان كما ينطبق على الكيانات الحضارية . ومنها الحضارة الغربية التي بدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة نحو الانحلال والزوال بسبب نضوب منابعها الروحية والأخلاقية، وظهور البوادر الأولى لعوارض الشيخوخة بعد أن بلغت خريف عمرها لتفسح الطريق نحو حضارة ذات مجتمع تصوري أو مثالي جديد تشدّ خيوط المصير إلى نول الإيجاب والبناء، بعد أن هوت المذاهب الفلسفية المستندة إلى المادية، وورثتها الفلسفات المرتكزة على الحدس، إضافة إلى العلل التوماوية والملامتية وهي نظريات وجودية ترجع في أسسها إلى تحليل فكرة الإنسان وضياع الذاتية وإسقاط كل تصور ذي موضوع بمعناه الوجودي العميق .
فخلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين وجزء من القرن الحادي والعشرين، تعيش الولايات المتحدة الأمريكية حالة مذهبية تجنح جنوحاً مادياً شديداً، وتمسك بالقوى الظاهرية للمادة؛ ويمكن للمرء أن يقول إن تلك الحقبة هي حقبة المذهب المادي، إذ شهدت أحداثاً جساماً كإلقاء القنبلة الذرية فوق هيروشيما ونغازاكي، بعد هذه الحقبة أصبح معظم علماء الطبيعة يقرون المفهوم الجديد للكون، حيث فقدت المادة حقيقتها . واليوم تحوم تفسيراتهم حول مبدأ اللايقين والأركان الأساسية للمادية الجدلية الرأسمالية . وقد هب هؤلاء العلماء إلى حد القول إن اللاحتمية واقعة أساسية في الظواهر المادية التاريخية الغربية، ولا يمكن تلافيها لا في الحاضر ولا في المستقبل، بعد الصراعات المأساوية التي تنطلق من المجرد إلى المحسوس، حينما نتأمل هذه الحروب خلال القرن الماضي وهذا القرن، والتي قامت لأسباب تافهة، نستشعر مدى تنامي هذه النزعة التدميرية .
هناك أسئلة محيرة في معنى الموت والقتل، فهو الإنسان نفسه الذي وضع المدنية ومن ثم الحضارة، وهو نفسه الذي أوجد هذه المخترعات القاتلة؛ فقد وقف العالم مذهولاً أمام جبروت الجندي الأمريكي الذي قتل ستة عشر مواطناً أفغانياً من المدنيين ينتمون إلى أسرة واحدة - كانوا نائمين في منازلهم- قام الجندي -المتوحش- باقتحام المنازل وقتل الأطفال والنساء بطريقة محترفة، حيث إن القتل كان برصاصة واحدة وفي مكان واحد هو الرأس . وهذا يدل على أن هذا الجندي الأمريكي كان مدركا لما يقوم به- وليس مخبولاً- وكذلك قام بإحراق الجثث، وبعد ذلك عاد إلى القاعدة التي يعمل بها، بعد أن حوّل مسكن هذه العائلة إلى قبر لها وكتب بجريمته النهاية الحدية التي تسلّم الإنسان إلى عالم اللانهاية الأبدية واللاعودة .
قتلهم وأحرق جثثهم ليبقى الرماد شاهداً على بشاعة جريمته التي ارتكبها من دون رحمة، وكأنه رأى في الموت عبثية الحياة والاندثار نحو المصير المحتوم . إنها مذبحة بشعة بجميع المقاييس، وللأسف قال المسؤولون الأمريكيون بصلف جارح ووقح -فيه استعلاء- إن هذا الجندي ربما يعاني اضطرابات عقلية، وأعتقد أن هذا الجندي الذي قتل ستة عشر مدنياً معظمهم من الأطفال والنساء، غالباً سوف يُعالج الأمر وينتهي على أنه مختل عقلياً، وسيتم وضعه في مستشفى للصحة النفسية يستجم فيها ويستعيد ذكريات فعلته البشعة، وبذلك يضيع دم الأبرياء المدنيين الذين قتلهم! بعد أن يحقق معه بواسطة الأطباء النفسيين الذين سوف يقيّمون حالته العقلية، مع أن كل المعطيات تشير إلى أنه -الجندي- تصرف بإرادة حرة، وعقل مدرك، فقد قام بالتخطيط لجريمته بذكاء، وكان مسيطراً على أعصابه؛ ولكن لندع الأيام تكشف لنا عمّا سوف يحدث لهذا الجندي .
إنها سلطة القوي، ومنذ الأزل تخضع تركيبة العالم في تصنيف الدول إلى كبرى قوية وصغرى ضعيفة، وبحكم تفوق الدولة الكبرى تجنح إلى التوسع، وإلى ابتلاع الدول الأضعف . فالدولة القوية تتمادى في التعدي والتحدي والاستخفاف بالحق والاستهانة بالمجتمع الدولي، بعد أن تصاب بالوهم، وهم القوة التي تثمر الغطرسة، يغذيه اعتقاد وهمي راسخ بأن كل شيء مباح لمن يملك القوة، فهو يستخدمها بالشكل الذي يتفق وأهدافها وغاياتها وفق ما يتضمنه قاموسها الأخلاقي والقانوني من أفعال وأحكام العدالة، وذلك مهما تنوعت واختلفت الظروف وتشابكت ملابسات الدوافع .
إنها العقلية التي تؤمن بالقوة لا العدل، وهي وحدها التي تحدد مكانة كل دولة وتترجم الحق وتعطيه معناه؛ إنها سياسة الكبار مع الصغار التي لا تتسم بالعواطف والمتوارث الإنساني من قيم الشعوب؛ فالكبار هم من يحتكرون إصدار القرارات ويمتلكون تطبيق الفعل في القانون الذي يُحدد ويُقاس وفق الآمر، من يملك القوة الدافعة، وبين دوافع الفضيلة والرذيلة وبما يناسب التركيب الخاص، وتحت المبدأ العام للدولة القوية، فتطبق على رعاياها وجنودها خارج الحدود قوانين تتعلق بشرعية الأفعال فقط لا بأخلاقيتها القانونية والقضائية، وبالأخص الأفعال التي تتم أثناء الحروب، وهي الحالة التي تسيطر فيها الفوضى بعيداً عن الخضوع للقانون، وهي التي كونت حالة الظلم والحرب . هذا إنكار صارخ لإرادة الحياة تحت رحم قوى تغوص بالعالم في الهمجية أعمق فأعمق، متدفقة في أشرس درجات الجور والسخرية، وفق منطق بأن يكون العالم بأسره خاضعاً راكعاً لسيطرته، وفق مفهوم عالم التجربة والحس، وهذا يتناقض كلياً مع المجتمع السياسي القانوني المدني القائم على العلاقة بين الناس بعضهم بعضاً من حيث هم يخضعون معاً لقوانين النظام العام، القائم على أطرٍ أخلاقية يحميها سياج عام للقيم النبيلة والمثل العليا، وبغير هذه الأطر، وخارج هذا السياج تمضي الأمم في طريقها إلى الفناء والزوال، وهو ما عبر عنه الشاعر الحكيم: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت . . فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا .
* كاتب من الإمارات