عادي

«أنا لست روبوتاً»

00:06 صباحا
قراءة 3 دقائق
يوسف الحسن

د. يوسف الحسن

جدل كبير، وإلى حد ما قلق مشروع، يجري في عالم اليوم حول مفاعيل وتداعيات الحقبة التكنولوجية، العميقة والمتسارعة من سلسلة الثورات الصناعية التي لم يسبق للبشرية أن بلغتها من قبل.
تطورات متسارعة في القدرات الحاسوبية والبيانات الرقمية، نشهدها اليوم، وتتوسع فيها مجالات تطبيق الذكاء الاصطناعي لتشمل مجالات متنوعة في الطب والرعاية الصحية والصناعة والاقتصاد والنقل والتعليم وأنظمة الأمان... إلخ.
تقف البشرية اليوم أمام فجر حقبة جديدة ستغير حياة الناس في عدد كبير من المجالات، بدءاً من حياتهم في المنزل والأسواق والمصانع والتسويق وتجربة التعليم، وتحليل البيانات الضخمة، ودمج الذكاء الاصطناعي بجوانب كثيرة في عمل الحكومات، ومن المقدر أن يتسع باضطراد حجم سوقه، ليصل إلى مئات المليارات من الدولارات.
مستقبل البشرية مليء بالمفاجآت، على وقع هذه التطورات التكنولوجية غير المسبوقة، وخاصة مع كون ذكاء الآلة وتقنيات تطبيقاتها الحديثة يجعلها قادرة على أداء مهام تتطلب ذكاءً بشرياً.
«بشر رقميون»، سيحتلون مكان البشر الطبيعيين، بوظائفهم في العقود القادمة.
هذا ليس مجرد قضية اقتصادية وجودة حياة، إن إنشاء مليارات من «الروبوتات» يصل عددها بعد ربع قرن إلى عشرين مليار «روبوت» لأداء المهام اليومية المعقدة، وفهم الأوامر الصوتية، والتفاعل مع البشر.. أمر يدعونا للتفكر والتدبر.
{ «غوغل» و«مايكروسوفت» و«أمازون» و«علي بابا» و«ميتا» و«أوبن إيه آي» وغيرها، تقود زمام «الروبوتات» في العقود القادمة، وبالتالي زمام الثورة الصناعية الخامسة، وعالم يتشكل بطريقة غير مسبوقة.
من يستطيع تخُّيل العالم بعد ربع قرن، وفيه عشرون مليار «روبوت»، وماذا لو فقد البشر السيطرة على هذه «الروبوتات» وخوارزمياتها المعقدة مع مرور الوقت، وكيف يمكن «حوكمة» هذه الآليات، وتفادي مخاطرها وسلبياتها، ووضع قيود واضحة، تضمن استخدامها بشكل مسؤول وإنساني وأخلاقي وقانوني في آن؟ أتذكر قولاً ل«الرجل الثاني» في البيت الأبيض في هذه الأيام إيلون ماسك قاله ذات يوم ليس ببعيد، وهو: «إن مخاطر الذكاء الاصطناعي، بدأت تهدد مستقبل الجنس البشري»، وقولاً آخر لبيل غيتس مفاده: «أشعر بالقلق إزاء الذكاء الاصطناعي»، وقال أيضاً: «إن الأجيال الشابة يجب أن تقلق بشأن خمسة أشياء وهي: أزمة المناخ، الحرب النووية، انتشار الأوبئة، الإرهاب البيولوجي، الذكاء الاصطناعي غير الخاضع للرقابة».
يتذكر جيلي أفلام الخيال العلمي، ومنها ما سُمِّي في علم النفس ب «عقدة فرانكشتاين»، والتي تتحدث عن خوف البشر من تمرد «الروبوتات» التي يصنعونها بأنفسهم، ولضمان عدم تمرد هذه الأجهزة الذكية، نشر العالم الكيميائي والروائي إسحق أزيموف، وهو من أسرة يهودية روسية، هاجر إلى أمريكا، وتوفي في نيويورك عام 1922، قصة قصيرة بعنوان «التملص» بطلها «روبوت»، وقد تمت برمجته، وفق قواعد ثلاث، تضمن سلامة البشر، وطاعة مالك «الروبوت»، وسلامته من الأعطال. وكان هذا العالم أول من ابتكر مصطلح (روبوت ROBOT) في رواية له نشرت في مطلع أربعينات القرن الماضي.
وقيل إن إيلون ماسك قد تربّى على كتابات هذا العالم، واستلهم أفكاره.
هل ستعيد هذه المليارات من «الروبوتات» تعريف الحياة البشرية، والوعي بالذات؟ وفي حال اشتغالها في السياسة، وحينما تدرك «الروبوتات» قوتها وخصائصها وذكاءها، وقدرتها على قراءة أفكار الساسة، وصنَّاع القرارات، ربما تصاب بالجنون حينما تُسأل: ما البشر؟ وكيف يعم السلام في العالم، من غير هيمنة، ولا تهميش لمجتمعات، أو عقاب لدول وشعوب بالعزل أو بالقوة المفرطة؟ قال صديق ظريف: «لعل الأمل المتبقي لحماية كوكب الأرض، ومعالجة التغير المناخي، هو الذكاء الاصطناعي بعد أن برهن الذكاء البشري على فشله في حماية الكوكب».
....
إن حوكمة الذكاء الاصطناعي ضرورة لازبة، إنسانياً وأخلاقياً، وضمان حياة، وحماية للبيانات وأمنها وموثوقيتها.
نعم، الذكاء الاصطناعي هو أكبر حدث في تاريخ البشرية، وحوكمته تحول دون أن يكون آخر حدث أيضاً.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"