إشكالية القدوة

03:14 صباحا
قراءة دقيقتين
راشد محمد النعيمي

ونحن في عصر التواصل الاجتماعي بمختلف وسائله وقنواته وتقليعاته الغريبة التي لا تنتهي، علينا أن نتذكر جميعاً أن كل السلوكيات يجب ألاّ تخرج عن المألوف، وألاّ تشذ عن الدرب، وألاّ يظن المتمترس خلف شاشة هاتفه، أنه بعيد عن القانون أو الالتزام تجاه المجتمع، فنحن اليوم أمام تحدٍ كبير في صناعة القدوة لأبنائنا، خاصة أن نسبة كبيرة تملك وسائل التواصل الاجتماعي تلك، رغم أن أعمارها لا تسمح في كثير من الأحيان، لكنه عصر الأمور المقلوبة رأساً على عقب الذي لا نستغرب فيه شيئاً.
إذا تركنا الأمور دون تصحيح المفاهيم لأبناء هذا الجيل؛ فسنجد أنفسنا أمام مأزق حقيقي، لأن من يشكّل القدوة اليوم قد يكون مستهتراً، يملك فن القيادة والاستعراض بسيارته، يتابع الشباب مغامراته ويومياته ويتعلمون منها ليقلدوها فيما بعد، أو قد تكون فتاة، كل همها الأزياء والأسواق، تتحول إلى قدوة لمثيلاتها في العمر، خاصة أن وسائل التواصل لا تكتفي اليوم بالعرض فقط؛ بل تؤثر على العقل الباطن وتغير القناعات، وهو الأمر الذي علينا الالتفات له، وتبصير أبنائنا بأبعاده، كي لا نجدهم بعد فترة نسخة كربونية من هؤلاء الذين يتابعونهم.
للأسف نحتاج إلى تغيير حقيقي في التوجهات، خاصة فيما يتعلق بالإمكانات الكبيرة التي هي بين يدينا وأيدي أبنائنا، بحيث نغير أنماط التعامل مع العالم الافتراضي، ونطرق أبواباً جديدة غير تلك التي نقضي بداخلها جلّ وقتنا من دون استفادة حقيقية، بل على العكس تماماً نحصد منها الضرر وخسارة الوقت، بينما أولياء الأمور لا يحركون ساكناً، لأن كثيرين منهم لا يناقشون المحتوى ولا يسألون عنه، ولا يتابعون تطوراته على أفراد أسرهم الذين هم في حقيقة الأمر لا يجنون الفوائد المبتغاة من هذه الإمكانات.
الجانب الآخر من هذا المأزق يكمن في أن المجتمع يحتفي بمشاهير التواصل الاجتماعي، حتى من لا يستحقون منهم ولا يقدمون أي محتوى هادف، وتراهم يشاركون في مناسبات واحتفالات لا تزودهم إلا تأثيراً سلبياً، وتعزز من تحولهم إلى قدوة، بينما الأضواء بعيدة عن نماذج القدوة الحقيقية التي نتمناها جميعاً، ونتمنى أن تتكرر ويتخذها الجميع أنموذجاً يسيرون على نهجها ويستفيدون من سيرتها وسلوكياتها، ومبادئها وأخلاقياتها.
في النهاية علينا أن ننظر إلى الأمور بحجمها الحقيقي، وألاّ نستهين بما نراه يومياً من تصرفات نعتقد أنها عادية، ولكنها تراكمية تؤدي إلى نتائج وخيمة، بدأت آثارها في الظهور في تصرفات شاذة لدى البعض بدأت تطفو على السطح.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"