واقع القانون الدولي ومستقبله

01:13 صباحا
قراءة 3 دقائق

د.خليل حسين*

يمر القانون الدولي وتشريعاته الخاصة والعامة بأزمة وجودية، وهي سابقة خطرة تهدد العلاقات الدولية ومنظماتها العالمية والإقليمية، وتكاد تطيح اليوم بالأسس التي قامت عليها قواعد الأمن والسلم الدوليين، التي أسهمت في تنظيمها وتقويمها الأمم المتحدة، والتي ارتضت معظم دول العالم بما حاكته المعاهدات والاتفاقيات لبنية العلاقات الدولية وقضاياها.
ومآسي القانون الدولي اليوم بما يواجهه من خرق وتجاوز لقواعد دفعت البشرية أثماناً كبيرة للتوصل إليها، لكنها لم تكن يوماً موضع احترام وقبول، بل إن الدول عامة كانت ولا تزال تنتظر أي فرصة سراً وعلانية لتجاوز قواعده، بخاصة عندما يتعلق الأمر بما يسمى سيادة الدولة، وعليه ظلت قواعده مجرد شعارات برّاقة لا معنى لها واقعياً في ظل تنامي قوة بعض الدول اللا متناهية، واستعمالها المفرط لوسائل القوة بلا ضوابط أو حتى بتناسب القوة والحالات المنفذة عليها.
فحتى في الفترات التي شهدت توازناً نسبياً بين الدول الكبرى، لم يحترم القانون الدولي، حيث انتشرت الحروب والصراعات الإقليمية الواسعة، بل ثمة من يقول إن تداعيات وآثار هذه الحروب في عهد الأمم المتحدة مثلاً، فاقت بأضعاف ما سبقها من أزمات، بخاصة إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية، فالأزمات الإقليمية انتشرت بشكل مفرط، ما دفع بالدول إلى المضي في إنشاء وتكوين المنظمات الإقليمية والقارية ذات الطابع الأمني والعسكري، بهدف مواجهة المخاطر المحتملة.
وفي الغوص بمضامين القانون الدولي وواقعه، يسجل بنية قانونية ارتكزت أساساً على فلسفة السلم وضرورة فرضه وليس حفظه فقط، لكن الواقع والوقائع خلاف ذلك تماماً، وهو في الأساس نابع من تجاوز الدول ورغبتها المفرطة في عدم البقاء تحت حكمه وتشريعاته، وظلت في معظم الحالات تعتبره وديعة تقف خلفها وتأخذ وتطبق منها ما يتلاءم ويتوافق مع تطلعاتها ومصالحها.
لقد ظل القانون الدولي كصورة نمطية يعبر عن حجم القوى في الأحلاف الدولية، إبان الثنائية القطبية، لكن تداعيات الآحادية القطبية أوجدت صوراً وأنماطاً مختلفة ومتباعدة لعلاقات الدول وكيفية تفاعلها مع القوانين الدولية، وهو في الواقع أمر طبيعي باعتبار أن القوة المهيمنة على النظام العالمي قادرة على استبعاد أو تحييد أطر القوانين الدولية في معظم الحالات، بل تكييفها وفقاً لمصالحها وإطلاقها كما تريد.
ما حدث في العقد الأخير كان عبارة عن تأسيس واقع أقسى حدة في الربع الأول من الألفية الثالثة، حيث بات القانون الدولي بمثابة شاهد زور على تجاوزات وجرائم لا حدود لها، بدءاً من اجتياحات دول واحتلالها كنموذج احتلال الكويت الذي أدى إلى احتلال العراق لاحقاً، ثم الأزمة الأوكرانية وقيام روسيا بضم شبه جزيرة القرم ودخولها في حرب لا أفق لها. وما جرى ويجري اليوم من حروب ومجازر موصوفة وموثقة، يعتبر صورة عن عدم قدرة القانون الدولي للتعامل مع تلك القضايا، ذلك عدا عن الأزمة الفنزويلية، وقضية جزيرة غرينلاند والأزمة الإيرانية والقضية الفلسطينية.
ثمة انهيار غير معلن لقواعد القانون الدولي، ما يثير أسئلة جوهرية حول مستقبل قواعد الشرعية الدولية ومدى قدرة العودة إليها والعمل بها. والأخطر حالياً سعي الولايات المتحدة إلى تهميش واضح وواسع لدور الأمم المتحدة من خلال انسحابها من خمس وعشرين منظمة دولية.
وربما السؤال الأهم الذي يُثار بقوة، هل أن المجتمع الدولي قادر على التخلي عن الأمم المتحدة وما تشكله على الأقل نظرياً من بيئة ضابطة إلى حد ما في تنظيم وضبط العلاقات الدولية وقضاياها؟ بتقديرنا مهما يكن دور الأمم المتحدة عبر القوانين الدولية يبدو هزيلاً، فإن وجوده والعمل به يبقى أفضل الممكن في ظل انعدام البدائل أولاً، وعدم وجود قوى دولية قادرة على مواجهة الانحدارات المتسارعة للقوانين الدولية.
كأستاذ جامعي للقانون الدولي، تظهر حجم المعاناة التي لا حدود لها، وبخاصة عند الحصص التعليمية الأولى، حيث صعوبة إقناع سامعينا بالقانون الدولي وأهميته في تنظيم الجماعات والدول، وضرورة الحفاظ عليه، باعتبار أن البديل عنه هو أسوأ!

*رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

عن الكاتب

دكتوراه دولة في القانون الدولي .. رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية واستاذ القانون الدولي والدبلوماسي فيها .. له أكثر من 40 مؤلفاً ومئات المقالات والدراسات البحثية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"