نكتة من العيار الثقيل

01:16 صباحا
قراءة دقيقتين

كثيرة هي غرائبيات السياسة الأمريكية، التي باتت عصية على الفهم، وأقرب ما تكون إلى استغباء العالم بأسره، أما آخر هذه الغرائبيات الأمريكية، فهي إعلان انضمام رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى ما يسمى ب«مجلس السلام»، وهذا الإعلان مخالف للمنطق والقوانين والقيم الأخلاقية، أو نكتة من العيار الثقيل، إذ كيف لملاحق من محكمة الجنايات الدولية ومتهم بارتكاب إبادة جماعية وانتهاكات جسيمة لكل القوانين والأعراف الدولية أن يكون ضمن مجلس يحمل اسم «مجلس السلام».
والحقيقة التي تصفع الوجوه هي أن انضمام نتنياهو إلى مجلس السلام، لا يشكل مخالفة لفكرة السلام وحسب وإنما يمكن اعتباره توصيفاً لعالم ضاعت فيه القوانين واختلت الموازين بشكل يدعو إلى الدهشة والاستغراب !!
ونستطيع أن نقرأ النوايا الاسرائيلية والأمريكية من هذه الخطوة الخارجة عن المألوف والمنافية للمنطق، من خلال تصريحات نتنياهو نفسه وهو يعلن انضمامه ل«مجلس السلام» الذي يرأسه صديقه وداعمه الأول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث قال عقب اجتماعه بوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، قبيل لقائه بالرئيس الأمريكي: إن «إسرائيل» ستواصل تعزيز التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة، في إشارة إلى متانة العلاقات الثنائية والدعم السياسي القائم بين الجانبين.
ومن الطبيعي أن يثير انضمام نتنياهو لمجلس السلام انتقادات وتساؤلات أيضاً حول مدى جدية مجلس السلام نفسه وقدرته على تحقيق الأهداف التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا وبعيداً عن الجدل والانتقادات التي أثارها تعيين نتنياهو في مجلس السلام هو عن أي سلام يتحدثون في الإدارة الأمريكية، وقوات الاحتلال لم تلتزم ولا ببند واحد من بنود الخطة الأمريكية لوقف إطلاق النار، سواء أكان ذلك في غزة أم في لبنان، ففي غزة استشهد وجرح مئات المواطنين الفلسطينيين برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي، ودمر المزيد من المباني، والحال نفسها في لبنان حيث لا تزال قوات الاحتلال تعربد وتقتل المزيد من اللبنانيين المدنيين ناهيك عن التدمير واختراق السيادة اللبنانية كل يوم.
والجدير ذكره أنه على الرغم من إدراج «مجلس السلام» ضمن بنود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والمكونة من 20 نقطة، فإن ميثاقه لا يتضمن إشارة مباشرة إلى قطاع غزة، حيث يعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني، بينهم 1.5 مليون نازح، في أوضاع إنسانية صعبة، في الوقت الذي يصف هذا الميثاق المجلس بأنه «منظمة دولية دائمة لتعزيز السلام والحكم الرشيد في مناطق النزاع»، مع منح ترامب صلاحيات واسعة مدى الحياة، بينها حق النقض (الفيتو) وتعيين الأعضاء، ما أثار انتقادات من مراقبين رأوا الخطوة محاولة لتجاوز دور الأمم المتحدة، بما يعني ذلك من خطورة، لأنه يفقد أكبر منظمة دولية أنيط بها المحافظة على السلام والأمن الدوليين دورها في معالجة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لا بل يتضمن الميثاق انتقاداً ضمنياً للأمم المتحدة، إذ يشير إلى الحاجة لهيئة دولية أكثر مرونة وفاعلية لبناء السلام، لأن السلام الدائم يتطلب الشجاعة للتخلي عن المؤسسات التي فشلت مراراً، حسب تعبير واضعي ميثاق مجلس السلام.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"