في الرابع عشر من مايو (أيار) الجاري يكون قد مضى على إنشاء إسرائيل وبالتالي النكبة الفلسطينية ثمانية وسبعون عاماً، وما تزال منطقتنا العربية، والعالم يعيشان تحت وقع واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وتأثيراً في التاريخ المعاصر.
فإقامة إسرائيل في إطار المشروع الاستعماري الغربي لم يكن مجرد تحول سياسي عابر، وإنما نقطة فاصلة في رسم خرائط النفوذ والتحالفات والصراعات في الشرق الأوسط بأكمله.
فقد ولّدت النكبة الفلسطينية عام 1948 موجات من اللجوء والصراعات، وأدخلت المنطقة في عقود طويلة من التوترات السياسية والعسكرية التي انعكست على استقرار الدول العربية ومسارات التنمية فيها، حيث دفعت الاعتداءات الإسرائيلية العديد من العربية ولا سيما المحيطة بفلسطين إلى توجيه جزء كبير من مواردها نحو الأمن والتسلح بدلاً من التنمية والاستقرار الداخلي.
وعلى امتداد العقود الماضية، ظل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي محوراً رئيساً في تشكيل السياسات الإقليمية والدولية، حيث ارتبطت به الكثير من التحالفات الإقليمية وأسهم في صعود الحركات السياسية والأيديولوجية المختلفة، والانقسامات الإقليمية، زد على ذلك أن هذا الصراع مثل اختباراً حقيقياً لمؤسسات القانون الدولي تجاه مفاهيم العدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
واليوم وفي الذكرى الثامنة والسبعين لقيام إسرائيل، تجد المنطقة نفسها أمام مشهد أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، حيث تتسارع التحولات الجيوسياسية وتتبدل موازين القوى، ويتزايد التغول الكبير لقوات الاحتلال، ويتزايد الاستيطان، والتوسع اللافت في الأراضي العربية، بمباركة القوى الغربية الاستعمارية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وسط تساؤلات متجددة حول فرص السلام، وحدود القوة، وإمكانية الوصول إلى استقرار في المنطقة، حيث أدخل قيام إسرائيل المنطقة في دوامة من الحروب الممتدة، بدءاً من حرب 1948، مروراً بحروب 1956 و1967 و1973، والغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 وصولاً إلى الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة والصدامات المستمرة حتى اليوم، إلى الحروب الدائرة في المنطقة حالياً وما تخللها من مجازر ارتكبتها وترتكبها قوات الاحتلال الإسرئيلي وعلى رأسها الإبادة الجماعية في غزة بعد هجوم السابع من أكتوبر، وعمليات القتل والتدمير والاعتداءات الوحشية المستمرة على لبنان، ناهيك عن التغول الاستيطاني في الضفة الغربية، وازدياد جرائم المستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية المحتلة بحماية من قوات الاحتلال العنصري الإسرائيلي.
والحقيقة التي لا يمكن لأي متابع للقضية الفلسطينية تجاهلها هي أن إقامة إسرائيل لم يشكل خطراً على فلسطين وحدها بل على المنطقة بأسرها، فمنذ الأيام الأولى لبداية المشروع الاحتلالي الصهيوني لفلسطين وضع قادة الاحتلال الأسس والأهداف الاستراتيجية لمشروعهم والتي تمثلت بالسعي إلى احتفاظ إسرائيل بتفوق عسكري على جميع الدول العربية ، وتفعيل سياسة الردع ببعديها النفسي والمادي، وفرض إرادة إسرائيل على المنطقة، والاستعداد للجوء للعمل العسكري المباشر قبل حدوث خلل في الميزان العسكري لغير صالح إسرائيل، وهو ما يفسر سعي إسرائيل لامتلاك السلاح النووي بعد أقل من خمس سنوات على إقامتها كمشروع استعماري غربي في المنطقة، حيث تؤكد التقارير امتلاكها بما يتراوح بين 100 و200 قنبلة.
ولا أدل على مخططات إسرائيل التوسعية أكثر من تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي السابق أرييل شارون الذي حدد المجال الحيوي لإسرائيل، أمام لجنة الدفاع والخارجية للكنيست في جلستها في 12/12/1982 بأن المنطقة التي تضم مصالح إسرائيل الاستراتيجية، تشمل جميع مناطق العالم العربي المتاخمة .
زد على ذلك أن قيام إسرائيل شكل مدخلاً لتزايد النفوذ الغربي، خصوصاً الأمريكي، في المنطقة، حيث تحولت إسرائيل إلى حليف استراتيجي رئيسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ما أسهم في تعقيد موازين القوى الإقليمية، وربط مستقبل المنطقة إلى حد كبير بحسابات القوى الكبرى ومصالحها الدولية.
من كل ما تقدم يمكن القول إن النكبة الفلسطينية وقيام إسرائيل ليسا سوى زلزالاً حقيقياً لم يضرب فلسطين وشعبها، وإنما ضرب المنطقة العربية كلها وشكل خطراً ليس على الأمن والاستقرار فيها فقط، وإنما على المستوى العالمي أيضاً.
[email protected]
يعتقد بعض الذين لم يقرأوا تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، أو قرأوه من دون فهم، أن الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان بدأت كردود أفعال قوات الاحتلال على عمليات المقاومة التي خاضتها المقاومة الفلسطينية في بداية السبعينيات من القرن الماضي، جنباً إلى جنب مع العديد من حركات المقاومة الوطنية اللبنانية، لكن من يتمعن جيداً في تاريخ الصراع الذي بدأ فعلياً مع تنفيذ المشروع الصهيوني على الأرض بإقامة إسرائيل عام 1948 على أنقاض الوطن الفلسطيني، وما نتج عن ذلك من سلسلة حروب دامية على مدى ما يقترب من الثمانين عاماً، يكتشف أن ما يجري من اعتداءات على هذا البلد العربي إنما هو في إطار مشروع استعماري قديم، يرتبط بالأهداف والمخططات الإسرائيلية التي كانت، ولا تزال، ترى في لبنان، وتحديداً مياهه، نقطة ارتكاز مهمة لهذا للمشروع الاحتلالي العنصري.
فلبنان يمثل في المنظور الإسرائيلي، موقعـاً جغرافياً حساساً، ومصدراً حيوياً للمياه، وقد سعت إسرائيل عبر عقود للسيطرة على موارده المائية. لا سيما مياه نهر الليطاني، لأن السيطرة على الموارد المائية تعتبر ركيزة استراتيجية ووجودية في هذا المشروع، الذي يتعامل مع مصادر المياه كعنصر حيوي للبقاء، والتوسع الاستيطاني، وهو ما تجسد على الأرض في محاولات نهب المياه الجوفية والسطحية العربية، من خلال مشاريع عدة، منها تحويل مجرى نهر الأردن الذي بدأت إسرائيل بتنفيذه فعلياً عبر ما سمي بـ«الناقل القُطري الإسرائيلي»، في أوائل الستينيات، حيث بدأت ضخ المياه من بحيرة طبريا في عام 1964 وربط البنية التحتية المائية بإنشاء المستوطنات الإسرائيلية، وتنميتها اقتصادياً، ما أدى إلى انخفاض حاد في تدفق النهـــر إلى البــــحر الميت، وانخفاض مستواه بشكل كبير.
ولو عدنا إلى الوراء قليلاً، لرأينا أن السيطرة على موارد المياه العربية كانت هدفاً محورياً للحركة الصهيونية، حتى قبل قيام إسرائيل في عام 1948، حيث أنشأت الوكالة اليهودية التي تأسست عام 1929 شركات مياه لإنشاء شبكة ري في فلسطين، ومن هذه الشركات شركة «عيمق»، وشركة «جلبوع»، وغيرهما،
وتاريخياً، كان أحد أوائل المشاريع التي أطلقت في هذا الاتجاه في تسعينيات القرن التاسع عشر هو منح يوسف نافون، امتيازاً لتطوير واستخدام مياه نهر العوجا، وتوجيهها إلى يافا، وبعده واصل بتسلئيل يوفي أول مهاجر يهودي أوروبي هذا المشروع بتأسيس ما سمي بـ«شركة فلسطين» لتطوير مشروع ري في بيتاح تكفا، وفي عام 1901 وضعت الحركة الصهيونية خططاً لتحويل مجرى نهر الليطاني.
وفي عام 1919 قدمت المنظمة الصهيونية العالمية خريطة لموارد مياه نهري الأردن والليطاني، ومصادر المياه في هضبة الجولان السورية. وبالتالي، لم يكن نهر الليطاني يوماً خارج الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية، حيث شكّل هذا الحيز الجغرافي، بما يمتلكه من ثروات مائية وموقع استراتيجي متقدّم على شمال فلسطين المحتلة، أحد أهم عناصر النقاش في الغرف المغلقة التي رسمت خرائط المشروع الصهيوني المبكر.
ولذلك، فإن ما نشهده اليوم من تصعيد إسرائيلي وحرب عداونية مدمرة على لبنان، وجنوبه تحديداً، والحديث الإسرائيلي عن تغيير الوقائع الجيوسياسية في المنطقة، لا يمكن فصله بأي شكل من الأشكال عن صلب التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، حيث أشار بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، والذي هاجر إلى فلسطين من بولندا عام 1906 في أحد تصريحاته، إلى أن ترسيم الحدود لا يخضع للاعتبارات السياسية فقط، بل لمتطلبات الأمن والمياه.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح جنوب لبنان ـ بخاصة المنطقة الواقعة بين الحدود الدولية ونهر الليطاني ـ أحد أبرز مسارح الصراع الجيوسياسي في المرحلة الراهنة، مع بقاء المحاولات الاسرائيلية لفرض تغييرات جغرافية، أو أمنية أوسع، تستهدف لبنان، لا سيما مياهه، كما تشير إلى ذلك صراحة تصريحات العديد من قادة الإحتلال، مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي دعا صراحة إلى احتلال جنوب لبنان قائلاً إنه «ينبغي على إسرائيل تمديد حدودها مع لبنان حتى نهر الليطاني».
[email protected]
يستخدم مصطلح فائض القوة في العلاقات الدولية لوصف حالة تمتلك فيها دولة قدرات عسكرية وتكنولوجية واستخباراتية، تفوق حاجتها لتحقيق أمنها، وبالرغم من أن هذا الفائض في القوة يفترض به أن يمنح هذه الدولة تفوقاً واستقراراً، إلا أن هذا الفائض قد يتحول لأسباب كثيرة إلى مصدر قلق عندما يدفعها إلى الاستمرار في استعمال القوة، ومحاولة توسيع دائرة التهديدات التي تفترض وجودها في محيطها، الأمر الذي يقودها إلى صراعات وحروب لا تنتهي، عندما تتوهم أنها قادرة على تطويع كل ما يعترض طريقها من أجل الهيمنة والسيطرة.
والحقيقة أن هذا هو بالضبط المأزق الاستراتيجي الكبير الذي تعيشه إسرائيل، ولا سيما في ظل حكم اليمين الذي يقوده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وفريقه المتطرف.
فمنذ إقامتها في إطار مؤامرة استعمارية على أنقاض الوطن الفلسطيني عام 1948 ترتكز العقيدة الأمنية الإسرائيلية على نظرية الردع والتفوق، بسبب الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي اللامحدود التي قدمته لها الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، وهو ما أنتج فائض القوة لدى إسرائيل، ما جعلها تبني سياستها في المنطقة من منظور عنصري مرتكزة على عقيدة أمنية تقوم على الردع والتفوق النوعي والحسم السريع، حيث لم تعد القوة مجرد أداة للدفاع، بل لاختراع الحروب، وتضخيم التهديدات التي ترى فيها مبررات لاستخدام ما لديها من فائض قوة من أجل التوسع ومنع أي تطور في المنطقة قد يحدّ أو يقلل من هيمنتها، ولذلك لم تتورع في محاربة أو تدمير أي إنجاز علمي لافت في الدول العربية، ولا سيما المحيطة بفلسطين المحتلة.
لكن اللافت في الأمر هو أنه ورغم كل التفوق العسكري الذي وفره الغرب لإسرائيل لم تستطع من حسم الصراع أو الصراعات التي ولدتها في المنطقة، حيث أثبت الواقع أكثر من مرة في التاريخ أن فائض القوة لا يترجم بالضرورة إلى نصر حاسم، وأن القوة مهما كبرت تبقى نتائجها مؤقتة وغير نهائية، لأن الشعوب التي تستخدم ضدها هذه القوة تتكيف مع متطلبات هذه الحروب غير المتكافئة، وتستطيع تحويلها إلى حروب استنزاف، ناهيك عن استثمار البعد الإعلامي والنفسي الذي يوقع هذه القوى في مآزق سياسية وأخلاقية، لأن فائض القوة لا ينتج أزمات عسكرية فقط، وإنما يخلق أزمة أخلاقية أيضاً.
وبدا ذلك جلياً بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 وجرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها قوات الاحتلال في قطاع غزة، والأثر الكبير الذي تركته هذه الجرائم في الرأي العام العالمي، الذي أدرك حقيقة إسرائيل كقوة استعمارية عنصرية.
والحقيقة التي تبدو واضحة للعيان هي أن شعور إسرائيل بفائض القوة وتحررها من كل القيم الأخلاقية والإنسانية والقانونية من شأنه أن يشعل المزيد من الحروب في المنطقة، فها هي قوات الاحتلال تتوسع داخل الأراضي اللبنانية، بل وتعلن صراحة أن نهر الليطاني هو خط الحدود مع لبنان، وقبلها كان توسعها داخل الأراضي السورية عقب سقوط النظام السوري السابق، ومع أنه في الوقت الراهن قد تستطيع إسرائيل فرض هيمنتها والتوسع في الأراضي العربية بسبب حالة التشرذم والضعف العربي، إلا أن فائض القوة الذي تمتلكه إسرائيل بدل أن يكون ضمانة لأمنها، سوف يتحول بالتأكيد إلى مأزق حقيقي حين يفقدها القدرة على التكيّف السياسي، لأن التفوق العسكري وحده لم ولن ينتج حسماً، بل يعيد إنتاج الصراع وتكراره بأشكال أكثر تعقيداً. وهكذا، تقف إسرائيل أمام معادلة صعبة، هي أنها مهما امتلكت من القوة لن تستطيع وضع نهاية للصراع، ومهما تعاظمت قوة الردع لديها لن تستطيع فرض السلام حسب رؤيتها، ما يعني أن تفوقها لا يمكن أن يترجم إلى استقرار.
ثمة سؤال يطرح نفسه في عقول الكثير من المتابعين لقضايا الشرق الأوسط، وهو عن سبب استعصاء حل المشكلات والأزمات التي تعيشها هذه المنطقة؟
منذ ظهور مصطلح الشرق الأوسط، وهو مصطلح بريطاني استعماري يشمل المنطقة الجغرافية التي تمتد من شرق البحر الأبيض المتوسط إلى الخليج العربي، ومن بحر قزوين والبحر الأسود شمالاً إلى المحيط الهندي جنوباً.
وعلى مدار عشرات السنين، شهدت هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم، الكثير من المحاولات الغربية لرسم حدودها الجغرافية، ولا سيما في المنطقة العربية، بما يتناسب ومصالحها الاستعمارية، وأبرزها معاهدة سايكس -بيكو التي سعت هذه القوى الاستعمارية من خلالها إلى إعادة رسم المنطقة وفق هندسة سياسية ترمي إلى تقسيم الشعوب وتقاسم الغنائم بعد الحرب العالمية الأولى، عبر خرائط رسمها المستعمرون، ظناً منهم أن ما رسموه على الورق سيصبح واقعاً ومجالاً جغرافياً مستقراً، وهو ما لم يتحقق ولن يتحقق أبداً، لأن هذه الخطوط الاستعمارية لم تمر عبر الجغرافيا فقط، وإنما كان عليها أن تمر عبر الهوية والذاكرة والانتماء، الأمر الذي جعل هذه الخطوط حدوداً هشة، زرعت البذور الأولى لصراعات لم تنته، ولاسيما في أعقاب قيام المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين، وإقامة إسرائيل عام 1948، بعد أن شكل الانتداب البريطاني لفلسطين في سبتمبر/أيلول 1923، تحت مظلة عصبة الأمم آنذاك، القناع الناعم للوجه الاستعماري القبيح، بحجة مساعدة الشعوب على حكم نفسها. ومع دخول العالم حقبة الحرب الباردة، تحول الشرق الأوسط إلى ما يشبه رقعة الشطرنج، تتجاذبها الصراعات الداخلية والإقليمية والتدخلات الخارجية، التي سعت من خلالها الدول الكبرى إلى إعادة تشكيل هذه المنطقة بما يحقق مصالحها.
وكان الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 مثالاً صارخاً على محاولات تغيير الأنظمة والمعادلات السياسية بالقوة، وفرض معادلات من الخارج، لكن ذلك لم يتحقق، وإنما فتح الباب على الفوضى في منطقتنا العربية كلها، واستيقظت صراعات وتناقضات جديدة، وظهرت هويات كانت مكبوتة، ونمت تيارات متطرفة تتقن استغلال الفرص واغتنام حالة الفراغ.
واستمرت المحاولات الاستعمارية لإعادة تشكيل المنطقة، ونهب خيراتها، مع إطلاق شعارات وأهداف جديدة، كما هو الحال في شعار «الشرق الأوسط الجديد» الذي أطلقته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس عام 2006، واصفة إياه بالفوضى الخلاقة التي ستعيد تشكيل المنطقة.
وكان الهدف واضحاً من وراء هذا الشعار، وهو إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط وتغيير موازين القوى بما يناسب المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
ويأتي ذلك في وقت يتزايد فيه الحديث، ولاسيما في الغرب، عن شرق أوسط جديد، وإن كان بصيغ مختلفة، لكن الثابت الذي لا يقبل التبدل، هو أن الشرق الأوسط يظل محتفظاً بصفاته الأكثر إثارة وهي أنه لا يمكن أن يتقبل التغيير الذي يفرض من الخارج، وهو ما يفسر عناد هذه المنطقة، التي تعد منطقة غاية في التعقيد، فهي منطقة ذات ثقافات عديدة، تتداخل فيها الأديان، وفيها تتقاطع الحضارات، وفيها أيضاً تتزاحم المصالح، ولذلك فإن كل محاولة لتغيير هذه البقعة من العالم بالقوة تتحول إلى خطأ تاريخي كبير.
ومن هذه الحقيقة التي لا تقبل التشكيك بها، سيظل الشرق الأوسط، بكل ما يحمله من تناقضات وصراعات معقدة، عنيداً أمام محاولات التغيير من الخارج، ليس لأنه يرفض العالم، بل لأنه يصر أن يكون نفسه.
فهذه المنطقة ليست مجرد جغرافيا وإنما مهد حضارات وأديان، مما يجعل فرض نماذج خارجية أمراً صعباً بل مستحيلاً.
[email protected]
نبيل سالم
ما يجري في منطقتنا حالياً، بما يحمله من مخاطر كبيرة، يثبت أن ما جرى في فلسطين مع اندلاع الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وإقامة إسرائيل عام 1948 لم يكن حدثاً محلياً، وإنما كان زلزالاً تاريخياً ضرب قلب المنطقة كلها، فذلك الزلزال لم يحدث تشققات جغرافية وسياسية في هذه المنطقة الحيوية من العالم وحسب، وإنما أطلق سلسلة طويلة من الارتدادات التي أصابت آثارها منطقة الشرق الأوسط كلها، والعالم حتى يومنا هذا.
ونتيجة لفشل المجتمع الدولي، وعلى رأسه منظمة الأمم المتحدة في إيجاد حل عادل لهذا الصراع وهذه الهجمة الاستعمارية الصهيونية، راح هذا الصراع يتصاعد وتتسع حدوده.
وشكلت القضية الفلسطينية، اختباراً حقيقياً لقوة ومصداقية القانون الدولي، فبعد إقامة الدولة اليهودية على أنقاض الوطن الفلسطيني، صدرت عن الأمم المتحدة عشرات القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، مثل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، الذي يحدد مبادئ الوصول إلى تسوية نهائية، وإعادة لاجئي فلسطين إلى ديارهم، لكن إسرائيل رفضت القرار، كما رفضت عشرات القرارات المشابهة، مثل قرار مجلس الأمن الدولي 242 لعام 1967 الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في تلك الحرب، وكذلك قرار مجلس الأمن 338 الذي دعا إلى وقف إطلاق النار وتطبيق القرار 242. غير أن كثيراً من هذه القرارات ظل حبيس النصوص الدبلوماسية، إذ لم يتم تنفيذها بصورة كاملة على أرض الواقع.
وهنا يبرز أحد أهم أوجه الأزمة في النظام الدولي المعاصر، وهو عجز المؤسسات الدولية، التي يفترض أن تكون لها سيادة قانونية، تمكنها من فرض قراراتها عندما يتعلق الأمر بصراعات، تتشابك فيها المصالح الكبرى، لكن مع الأسف وجدت الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية نفسها، عاجزة في الكثير من الحالات أمام حدود قدرتها السياسية والقانونية، خصوصاً في ظل التوازنات الدولية داخل مجلس الأمن الدولي، حيث تتداخل اعتبارات السياسة مع مبادئ القانون الدولي، وتلعب القوة في العلاقات الدولية، ما جعل الصراع يتجاوز طبيعته الأصلية، ليصبح محوراً لصراعات أوسع.
ومع مرور الزمن دخلت قوى إقليمية جديدة، ما جعل أي مواجهة محتملة، تأخذ أبعاداً دولية تتجاوز حدود المنطقة، كما هي الحال في الوضع القائم مع الحرب الإيرانية الحالية، التي تجاوزت حدودها أطراف الحرب، وباتت ارتداداتها تظهر بوضوح في الإقليم كله، وبالتالي على أمن واستقرار العالم أجمع، وباتت نيرانها تطال دولاً عربية في منطقة الخليج، ما يهدد الصراع أمنها وسلامة مواطنيها.
أما التأثير الأكثر وضوحاً لهذه الارتدادات، فيظهر في الاقتصاد العالمي. فالشرق الأوسط يمثل أحد أهم المراكز الحيوية لإنتاج وتصدير الطاقة في العالم، وأي توتر عسكري فيه، ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال أزمة النفط 1973 التي تلت حرب أكتوبر، حين أدى التوتر السياسي في المنطقة إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط، محدثاً صدمة اقتصادية عالمية، لا سيما أن منطقة الشرق الأوسط ذات أهمية قصوى، خصوصاً بالنسبة للطاقة، باعتبارها مصدراً مهماً للنفط، أو كونها تحتوي على أهم الممرات البحرية التي تعتبر شرياناً أساسياً للتجارة العالمية، ولذلك فإن النظر إلى القضية الفلسطينية، بوصفها زلزالاً له ارتداداته وتداعياته الكثيرة يساعد على فهم الكثير من الصراعات التي يشهدها الشرق الأوسط. فالحروب والتحالفات والتوترات التي نشهدها اليوم، ليست أحداثاً منفصلة، بل حلقات متصلة في سلسلة طويلة من الارتدادات التي بدأت قبل أكثر من سبعة عقود.
وما دام النظام الدولي عاجزاً عن إيجاد حل عادل ومستدام للقضية الفلسطينية، فإن هذه الهزات ستستمر وتتلاحق لأن حلاً كهذا ليس مصلحة فلسطينية وعربية، وإنما مصلحة وضرورة للأمن والسلام العالميين أيضاً.
[email protected]
نبيل سالم
كثيراً ما نسمع أو نقرأ عما يسمى الذباب الإلكتروني، وخاصة في المناطق التي تشهد اضطرابات وسجالات سياسية ساخنة، أو خلال الحروب والأزمات الاجتماعية أو الاقتصادية، حتى غدا هذا المصطلح أشبه باللازمة التي ترافق الأحداث والاضطرابات السياسة والخلافات بين الدول، فما معنى هذا المصطلح؟ ومتى انتشر استخدامه؟ وما الدور الذي يلعبه سواء في عالم السياسة أو المجتمع؟
أسئلة كثيرة ومتشعبة تطرح نفسها بقوة حول ظاهرة الذباب الإلكتروني، وهي أسئلة لا بد منها، لكن الإجابة عنها تتطلب معرفة تاريخ ظهور هذا المصطلح، وسبب هذه التسمية. فكما هو معروف، في عصرنا الحالي الذي يشهد تطوراً كبيراً في التكنولوجيا والمعلوماتية، لا سيما في ظل تطور التقنيات الرقمية، باتت القدرة على التواصل بين البشر غاية في السهولة، وخاصة بعد ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، وهي شكل من أشكال التواصل الإعلامي، التي يتبادل المستخدمون من خلالها المعلومات والأفكار والرسائل الشخصية والمحتويات الأخرى (مثل مقاطع الفيديو) وغيرها.
لكن الأمر المثير للجدل أنه في هذا العصر المتخم بالاختراعات وتقنيات الذكاء الاصطناعي وغيرها من الاكتشافات العلمية لم تعد الحقيقة هي الأساس الوحيد في تشكيل الرأي العام، بل باتت القدرة على التلاعب بالوعي الجماهيري من خلال الأوهام والأكاذيب التي تحدد مسار الأحداث والنقاشات العامة في كثير من الأحيان، وهو أمر مؤسف وخطر.
وفي هذا السياق، برزت ظاهرة الذباب الإلكتروني كواحدة من أخطر الأدوات الرقمية التي تستخدمها جهات عديدة لبث الفوضى وتشويه الحقائق، وإسكات الأصوات الحرة، وبث الفرقة في صفوف المجتمعات.
ويعود ظهور هذه التقنيات عملياً إلى أواخر السبعينيات من القرن الماضي، عندما أطلقت شبكة (يوز نت) تطبيقات تسمح للمستخدمين بنشر واستقبال الرسائل ضمن مجالات موضوعية أطلق عليها في حينه «مجموعات الأخبار».
ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واسع مع بدايات القرن الحادي والعشرين، اكتسبت مواقع التواصل الاجتماعي شعبية واسعة لا سيما موقع «فيسبوك» أحد أشهر مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يضم مليارات المستخدمين حول العالم.
كما زاد عدد المواقع المخصصة للتواصل الاجتماعي وتنوعت أشكالها وأهدافها، ولكن على الرغم من أن الهدف المعلن لهذه التقنية كان في حينه هو إيجاد فضاءات للتعبير الحر أو النقاش العمومي المفيد، إلا أن الحقيقة المؤسفة أن هذه الساحات الحرة للنقاش، تحولت في العقود القليلة الماضية إلى ساحات صراع غير معلن، تدار فيها حروب ناعمة تستهدف الوعي الجمعي قبل أي شيء آخر، وتزايدت المخاوف بشأن الآثار السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي بسبب استغلالها من قبل أناس مغرضين، يعملون لأجندات خارجة عن القوانين والأعراف والقواعد الأخلاقية، وهو ما دفع بالكثير من المتخصصين إلى التحذير من استغلال
مواقع التواصل الاجتماعي في نشر مواد ومحتويات مخلة بالآداب أو الشماتة بالآخرين.
لكن المشكلة التي تبدو أكبر وأكثر اتساعاً جغرافياً هي تحول بعض مواقع التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه المستنقعات التي يكثر فيها «الذباب الإلكتروني» وطغيان الإعلام (المتفلت) الذي بات لا ضابط له ولا رقيب، والذي يضم مجاميع عنكبوتية عبر مجموعات أو منظمات، وعصابات وحتى دول تعمل على توجيه أو تغيير اتجاه (الرأي العام) حيال قضية أو فكر أو معتقد ما، الأمر الذي أشعل حروباً في الفضاءات الإلكترونية، لا تقل خطورة عن المعارك الحقيقية، نظراً لأهمية الكلمة وقوتها في التأثير، وهو الأمر الذي يظهر جلياً في عالمنا العربي، حيث ما إن تلوح في الأفق بوادر أي خلاف أو أزمة مهما كانت ضئيلة بين بلد عربي وآخر، حتى تستنفر جيوش وعصابات الذباب الإلكتروني لتأجيج هذا الخلاف ونشر الأكاذيب وهو ما تعاني منه بعض الدول، ومنها دولة الإمارات التي تتعرض بين الحين والآخر لموجة من هذا «الذباب الإلكتروني» وخصوصاً من جماعة «الإخوان المسلمين»، بهدف تشويه صورتها وإنجازاتها.
ولذلك لا بد من أن يتم التصدي لهذا السيل الجارف من (الذباب المؤذي المسموم)، الذي دخل علينا من كل الأبواب والنوافذ وتسلل إلى حياتنا على حين غرة.
[email protected]