القوة الناعمة الأمريكية.. وخطر التآكل

00:34 صباحا
قراءة 3 دقائق

بلور المفكر الأمريكي جوزيف ناي مصطلح «القوة الناعمة» في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وبلاده تنفرد، لأول مرة في تاريخها، بقيادة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويعود المصطلح الآن إلى الواجهة والولايات المتحدة، تشهد تآكلاً غير مسبوق لمعظم عناصر القوة لديها، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه الآن، فستكون القوة العلمية والتكنولوجية هي الأخرى جزءاً من الماضي.
لقد استندت القوة الأمريكية الناعمة في السابق على مجموعة من الأدوات المادية والرمزية، قال عنها بتراند بادي: «إنها الوضعية التي تسمح بالحصول التلقائي ومن دون إكراه على انضمام الآخرين إلى مشاريعك وأطروحاتك من خلال التأثير في اختياراتهم وتوجيه طموحاتهم وتطلعاتهم»، ويبرِز هنا الدور المحوري للثقافة والقيم واستراتيجيات التواصل تلك الصورة التي تقدمها صاحبة القوة الناعمة عن نفسها، وذلك فضلاً عن كل مجالات القيادة التي تضطلع بها مثل هذه القوة من أجل التأثير في رسم الخطوط العامة لأجندات السياسة الدولية.
وتدفعنا التطورات التي يشهدها العالم إلى التساؤل بجدية عن مستوى التقهقر الذي وصلت إليه القوة الأمريكية الناعمة، بعد أن تخلى كل الحلفاء الغربيين عن واشنطن، في سابقة هي الأولى من نوعها، وتركوها تواجه لوحدها تبعات خياراتها. يشير أحد الكُتّاب الفرنسيين إلى أنه، ومنذ سنوات عديدة، يسعى المحلّلون والإعلاميون إلى محاولة فهم استراتيجية الرئيس ترامب، وجرى تجنيد كل الخِبرات الممكنة من أجل تقديم تفسير عقلاني لتصريحات وقرارات الزعيم الأمريكي.
يتحدث صاحب مفهوم «القوة الناعمة»:« القوة الناعمة، مفهوم يعتمد على التأثير لا على الابتزاز، خاصة على التأثير الثقافي، وهو تأثير كانت تستفيد منه أمريكا بهدف فرض هيمنة سلسة وناعمة على العالم».
وقد كانت أكثر قرارات ترامب إلمضادة لقوة أمريكا الناعمة، هي إقدامه على إلغاء الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية التي عملت على محاربة الأنظمة غير الليبرالية من خلال الترويج لصورة جذابة «للعالم الحر» لكسب قلوب الناس في مواجهة «الأنظمة الشمولية»، لتظل بذلك العلاقات القائمة على القوة الخشنة هي المعيار الوحيد الذي يحكم العلاقات بين الأمم. وعليه فإن أفول القوة الناعمة لأمريكا بدأ يتسبب في تراجع قدرة واشنطن على جعل الآخرين ينجذبون إليها، وفي تقلص قدرتها على الردع، الأمر الذي يؤثر بشكل حاسم في زعامتها للعالم، بسبب شعار «أمريكا أولاً»، لتجد واشنطن نفسها في عزلة شبه كاملة عن كل أصدقائها.
وهناك مؤشرات أخرى تُفصح عن مستوى تآكل القوة الناعمة لواشنطن، من بينها تراجع الديمقراطية الأمريكية وتزايد الشكوك بشأن حيادية مؤسسات الدولة في المنافسات الانتخابية، إضافة إلى انتشار العنف المجتمعي وتراجع قيم التسامح بين المجموعات العرقية والدينية، وقد كان لتدخل أصهار وأقرباء ترامب وأصدقائه في الشأن الدولي أثر بالغ السوء على سمعة أمريكا، حيث رفضت العديد من الدول تدخل شخصيات أمريكية مثل إيلون ماسك في شؤونها الداخلية.
إن أكبر خطر بات يحاصر قوة أمريكا الناعمة ويجعلها تبدو في وضعية هشة للغاية، يكمن في رهان الإدارة الأمريكية على القوة الخشنة في تعاملها مع الحلفاء والخصوم على حد سواء، على الرغم من أنها تعرف جيداً أن القوة المادية لا تكفي لتحقيق كل الأهداف. وقد بينت التجارب السابقة أنه ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم تستطع واشنطن أن تنتصر في أي حرب من حروبها سواء في شرق آسيا أو في الشرق الأوسط.

[email protected]

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"