في مثل هذا الاسبوع من كل عام، يفتح ملف نوبل من جديد بصفحاته التي تراوح بين الأخضر والأصفر والأسود فما قطف في سلة نوبل ليس متجانساً، فيه المر والحامض والحلو، وهناك من اعتذروا عن قبول هذه الجائزة رغم أهميتها المعنوية وقيمتها المادية، وكان جان بول سارتر أبرز من اعتذروا عن قبولها، احتجاجاً على ما يعم كوكبنا من شرور.
لم تعد جائزة الفرد نوبل معصومة، أو فوق النقد والشكوك، منذ ظفر بها أمثال يوسف عجنون الذي كان يكتب باليديشية البائدة، وسيجزر الصهيوني وآخرون منهم ساسة لعبوا أدواراً في الحرب والسلام.
بعد تسعة أشهر فقط من دخوله الى البيت الأبيض نال أوباما جائزة نوبل للسلام، والعنوان هو ما يقدمه من مجهود لانقاذ العالم من التهديد النووي.
والتسعة شهور هي للمفارقة النصاب الزمني التقليدي للحمل والولادة، لكن الرجال ومنهم الرؤساء لا يلدون، فالمسألة اذن رمزية، وهذا الاعتراف بدور أوباما في فصل مبكر من ولايته قد يضع الرجل على مفترق صعب وحاسم، لأن استثناء الدولة العبرية وترسانتها النووية من أية برامج دولية مضادة للتسلح النووي من شأنه أن يفسد المصداقية، ويؤدي إلى ازدواج في المعيار والتعامل، فما الذي سوف يفعله أوباما كي يخترق هذا الحاجز، بل الجدار الفولاذي حسب تسمية شهيرة للكاتب اليهودي أفي شلايم؟
إن جائزة ذات مكانة كونية، ولا يحصل عليها إلا علماء نادرون وذوو اسهام أصيل في الابداع، والاضافة قد تتحول إلى عبء على حاملها خصوصاً إذا عاد مجدداً لقراءة وصية صاحبها ومانحها الأول وهو العالم الفرد نوبل.
فالأطباء نادراً ما يعيدون قراءة أو تأمل قسم أبوقراط رغم أنه معلق على جدران مكاتبهم وعياداتهم، لأن الانقطاع عن الجذور أدى إلى عزل النتائج عن مقدماتها، وانتهت الكثير من القضايا الكبرى إلى ترميز يحذف منها الفاعلية وحمولة المحتوى لمصلحة الطقس والاحتفاء الموسمي.
تزامن فوز أوباما بنوبل مع حملة شبه عالمية تعيد تقييم سياساته في الأشهر التسعة الماضية، وهي على الأغلب غير متفائلة بتحقيق الوعود التي أخذها أوباما على عاتقه منذ رفع شعار التغيير ككلمة سحرية ومفتاح ذهبي للمستقبل.
في أمريكا اللاتينية علت أصوات تدين أوباما بسبب تراجعه عن بعض المواقف، واقتفاء خطوات سلفه بوش، وفي الشرق الأوسط لم تلح في الآفاق بشائر حلول جدية لمشكلات مزمنة ومعلقة وتنذر لحروب أهلية وغير أهلية.
ويبدو أن الميراث الثقيل والباهظ لسلفه بوش الابن ورّطه بتسديد مديونيات سياسية وأخلاقية لشعوب العالم.
وحين عبّر أوباما عن رد فعله إزاء منحه نوبل، كان كعادته خطيباً بليغاً يختار كلماته بعناية فقد قال مثلاً إنه لا يستحقها، وإنه سيحاول استحقاقها نيابة عن بلاده التي تقود العالم.
هذه المرة تمنح جائزة بحجم نوبل وأهميتها على ما سوف ينجز وليس على ما تم إنجازه، لهذا فالأمر لا يخلو من مفارقة، فالجوائز تمنح عادة على ما تمت ترجمته من أحلام إلى واقع ومن وعود إلى حقائق، ولا ندري بالضبط ما الذي ينوي أوباما أن يفعله كي يستحق الجائزة.
هل يواصل العمل من أجل السلام؟ وهل يضغط على الدولة العبرية وجنرالاتها من أجل وقف الاستيطان وتغيير مواقف راديكالية من اللاجئين والقدس؟
لا شك أن دخول أوباما إلى نادي نوبل قد يحرضه على اقتحام بعض الخطوط البرتقالية في السياسة الأمريكية التقليدية أما الخطوط الحمر فتلك مسألة أخرى لا علاقة لها بنوبل أو حتى أفلاطون.
إنها أول جائزة تمنح لمن سيحاول استحقاقها.