"إسرائيل" وليس غيرها

05:41 صباحا
قراءة 3 دقائق

أعلن محامي سهى عرفات أرملة الرئيس الفلسطيني الراحل، بيار أولفييه سور، أنها رفعت دعوى جنائية لدى القضاء الفرنسي بعد اكتشاف كمية غير طبيعية من مادة البولونيوم في أغراض شخصية للزعيم الفلسطيني الراحل الذي توفي في مستشفى عسكري فرنسي، ما يُؤكد الشكوك التي أُثيرت عن وفاته . وقد نقلت وسائل الإعلام عن المحامي قوله: إن الشكوى سترفع ضد مجهول، حيث إن أرملة عرفات لا تتهم أحداً، لا دولةً ولا حكومةً ولا فرداً، وإنما تريد تحديد ما إذا كان هناك تلاعب في قضية زوجها، في حين أكد وزير العدل الفلسطيني أن أية جهة دولية لم تتقدم حتى الآن بأي طلب للحصول على عينات من رفات الراحل عرفات لاستكمال الفحوص، لافتاً إلى أن الرئيس محمود عباس أعطى تعليماته للجهات كافة بتقديم التسهيلات لأية جهة رسمية ذات صدقية بما يساعد على الوصول إلى الحقيقة في قضية الوفاة . ومن جانبه وجه اللواء الطيراوي - الذي كان على رأس جهاز المخابرات الفلسطينية حينذاك- مجدداً أصابع الاتهام إلى إسرائيل في الوقوف وراء هذا الاغتيال . ولم يستبعد الطيراوي تورط فلسطينيين في تنفيذ جريمة الاغتيال، وذلك بعد أن كشفت وسائل الإعلام أن معهد لوزان السويسري أكد وجود كمية من مادة البولونيوم في ملابس الراحل ياسر عرفات وبقايا الإفرازات التي تسلمها المعهد . وكان أطباء مستشفى بيرسي في باريس قد أكدوا في تقريرهم -إثر الوفاة يومي 9 و11 نوفمبر 2004 - الذي أعده كبير الأطباء كريستيان استريبو عدم التوصل إلى سبب بيولوجي للوفاة، مع الإقرار بأن صفائح الدم تغيرت توازناتها العادية بصورة فجائية، وهي ظاهرة نادرة وغير معروفة وليس لها أعراض محددة، ولكنها تؤدي إلى الوفاة المبرمجة . ويذكر أن البولونيوم من العناصر المشعة في الطبيعة، وكانت العالمة البولونية ماري كوري أول من اكتشفه، وأطلقت عليه اسم بولونيوم Polonium تيمناً بموطنها بولونيا، وتصنيفه في الجدول الدوري للعناصر هو الرقم 210 . وتكمن خطورة هذا العنصر في جسيمات ألفا التي تنطلق من إشعاعاته، وتدمر الأنسجة الحيوية بسهولة، إذا ما ابتلع بالتنفس أو الامتصاص، إلا أنه لا يخترق الجلد . والسؤال الذي نطرحه هنا وطرحه مراقبون كثر، لماذا كشفت وسائل الإعلام الآن- وبعد مرور ثماني سنوات على الحادثة- عن هذا السبب الغامض؟ هل كشفت من هو الفاعل الحقيقي كي تعلن عنه؟ وإذا كانت إسرائيل هي الفاعلة فهل سيعلنون ذلك؟ الواقع أن العدو الحقيقي والأول الذي يمكن أن توجه إليه التهمة ليس الآن بل من تاريخ وفاة عرفات هو إسرائيل وليس غيرها، وكما هو معروف فمادة البولونيوم السامة لا تتوافر إلا لدى دول قليلة من بينها إسرائيل . لكن المستشفى الفرنسي الذي نقل إليه الراحل قبيل وفاته، والذي ادعى القائمون عليه أنهم لا يعلمون سبب الوفاة، كانوا يطمسون الحقيقة . فلا شك في أن تحاليل الدم والبول التي أجريت للراحل كانت قد أوضحت بما لا يدع مجالاً للشك، بأن هناك عنصراً غريباً في دمه وبوله، وقطعاً أن أطباء المستشفى قد عرفوا سبب الوفاة، لكن تم التكتم على نتيجة التحاليل بأمر من الاستخبارات الفرنسية المرتبطة بالاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، كي لا تثار ضجة في العالم العربي خاصة، والعالم الحرّ أجمع، عن هذه الجريمة النكراء التي استهدفت شخص الرئيس الفلسطيني وأحد الزعماء التاريخيين للشعب الفلسطيني . إذاً، فالمسؤول الأول عن الجريمة هو المستشفى الفرنسي الذي تكتم على الحقيقة، وهو يعلمها علم اليقين، وهي الحقيقة التي سربت في ما بعد للمعهد السويسري ليعلن عنها، لكن بعد مرور ثماني سنوات . ومن المعلوم أن متوسط العمر لعنصر البولونيوم المشع هو 138 يوماً، أي بعد مُضي هذه المدة تتحلل ذرات العينة وتنتهي . وإذا أراد أحدهم أن يعيد تشريح ما بقي من جثة الراحل عرفات ليتأكد من سبب الوفاة، فإنه لن يجد بقايا لمادة البولونيوم القاتلة . وهكذا، فإن إثارة الموضوع لن تأتي بنتيجة لمصلحة ذوي الضحية، وهم هنا أسرة الراحل عرفات الصغيرة الممثلة بزوجته وابنته، وأسرته الكبيرة الممثلة بالشعب الفلسطيني والعربي، إلا إذا أريد توجيه الاتهام بالقتل إلى دولة أو جهة غير إسرائيل، وربما يتم الزجّ بفصيل فلسطيني مقاوم، إمعاناً في تفتيت الصف المقاوم خاصة . وربما لا يراد من وراء الحديث عن هذا الموضوع في وسائل الإعلام سوى الإثارة في الشارع العربي على نمط أفلام التشويق في السينما، وهنا يمكن القول إن العرب أمة تعودت على تلقي الضربات، وتعودت على الآلام، وقضية عرفات تضاف إلى تلك السلسلة الطويلة من المآسي والمِحن .

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"