إيران ما بين فلسفة الآخر وحكمة الأجداد

01:10 صباحا
قراءة 4 دقائق
تتميز الاستراتيجية السياسية الإيرانية بالكثير من العناصر المتداخلة التي تتم إدارتها بكفاءة عالية من طرف النخب السياسية والثقافية وحتى الدينية، انطلاقاً من انسجام منقطع النظير بين ما هو ثقافي وسياسي من جهة وبين ما هو ديني وسياسي من جهة أخرى. وهو الانسجام الذي يصعب العثور عليه ضمن الفضاء السياسي العربي، الذي يميزه الاحتكار العشوائي للسلطة ضمن أطر مركزية قاتلة تلغي كل شكل من أشكال التنظيم الهرمي والتسيير المنهجي لشؤون الدولة.وهكذا فالنظام الذي يوصف أنه نظام ديني يسمح بما لا تسمح به الأنظمة المتدثرة خلف شعار الدولة المدنية، وتأخذ بعضها مواقف عدائية تجاه فكر تجهل تفاصيله وإحداثياته، ففي مكتبات الحوزة العلمية في الحواضر الإيرانية، نعثر على مصنفات فكرية لكبار الفلاسفة في الغرب. ونجد لدى الجيل الجديد من طلاب المدارس الدينية، انفتاحاً كبيراً على أفكار ومناهج العلوم الإنسانية المعاصرة، بل إن المراجع الدينية العليا دعمت علي لاريجاني الحاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة الغربية، من أجل أن يتولى أكثر المناصب حساسية بالنسبة لإيران وسمحت له بالترشح للانتخابات الرئاسية الأخيرة، واستطاع أن يقود مفاوضات بلده مع الغرب باقتدار أدهش الأوروبيين. كما أن الزعيم السابق للإصلاحيين محمد خاتمي، الحاصل على إجازة في الفلسفة من جامعة أصفهان استطاع بفضل كفاءته وحنكته السياسية أن يتولى منصب رئيس الجمهورية في فترة من أصعب فترات التاريخ الإيراني المعاصر، كما أن الصراع الداخلي بين الجناحين المحافظ والإصلاحي، حتى وإن أخذ في بعض الأحيان أبعاداً إعلامية صاخبة بفعل التركيز الغربي والأمريكي تحديداً على الوضع في إيران، فإنه صراع يظل خاضعاً لضوابط تمنعه من الوصول إلى مستوى وعتبة الانفجار الذي من شأنه أن يؤثر في استمرارية مشروع الدولة الحالية. وقد تجلت هذه الوضعية الصحية المتميزة بقبول حد أدنى من التعدد، في سماح النخبة الحاكمة للأقليات والأعراق وأتباع الديانات المختلفة بما فيها الديانات غير السماوية، بأن يكون لها تمثيل داخل الهيئة التشريعية. وهي وضعية لا نكاد نعثر على نماذج مماثلة لها في الكثير من بلداننا التي يضيق فيها هامش الاختلاف وتتفشى بداخلها ثقافة الإقصاء القائمة على التصور الأحادي، فإيران نجحت حتى الآن في استثمار واقعها الفسيفسائي من أجل دعم جبهتها الداخلية ومقاومة محاولات الخصوم الرامية إلى استغلال التنوع الداخلي لإلحاق الضرر بوحدة الدولة وتماسكها.ونسمح لأنفسنا الإدعاء وفق الخلفيات التي تدعم افتراضاتنا، أن السياسة الإيرانية تلعب لعبة ذكية تستثمر فيها التاريخ بتنوعه وتناقضاته والجغرافيا بزخمها وفضاءاتها المتعددة، وتوظف أوراق الحاضر برهاناته وتحولاته السريعة والمفاجئة. فقد سعى النظام إلى إعادة استثمار البنية التحديثية الموروثة عن عهد الشاه ليعيد تطوير قاعدة صناعية مدنية وعسكرية استطاعت أن تستمر وتصمد في جو من التضييق والحصار، كما أنه ورغم التجاوزات التي وقعت بعد الثورة في حق من كانوا يُعتبرون من أنصار نظام الشاه، فإن قيادة النظام الجديد لم تلجأ إلى ممارسة سياسة الأرض المحروقة، واستطاعت أن تستوعب الكثير من مظاهر المدنية الحديثة التي رسخها العهد البائد خلال عقود من تحالفه الوثيق مع الغرب. وبصرف النظر عن مدى صدق ومصداقية النوايا الإيرانية تجاه دول المنطقة فإن استراتيجيتها السياسية قد نجحت في جعل مصالحها القومية تتماشى وتتساوق مع نسقها المعياري وشعاراتها التي يروج لها الإعلام، فمنطق السياسة يفترض أن يكون نسق الشعارات والمبادئ في خدمة البنية الحجاجية والإقناعية للمصالح الثاوية حتى تحقق البلاغة السياسية نتائجها المرجوة، وهو ما وفقت إيران في إنجازه إلى حد بعيد.لقد تحدثت دول عربية كثيرة عن وجود مد شيعي قوي تدعمه إيران، وتضاعفت نسبته وربما تجلياته المادية المباشرة، منذ اجتياح بغداد من طرف القوات الأمريكية. والواقع أن الخطاب الفقهي السني الذي غلبت عليه مفردات التحليل والتحريم، فقد الكثير من عنفوانه الفكري وأجزاء مهمة من منطلقاته العقلانية التي تبلورت في فترات ذهبية سابقة، ولم يعد يملك حالياً، المقومات الأساسية لمقارعة تقليد فقهي ضخم يغترف من تراث عرفاني عميق ويستفيد باقتدار من الفلسفات والمناهج المعاصرة. في هذا السياق أتذكر أنه خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الفرنسي ساركوزي للمغرب، امتدح أسلوب تكوين الأئمة ورجال الدين بالمملكة، وقال إن تكوينهم وفر لهم معرفة جيدة ليس فقط بأصول دينهم ولكنه جعلهم على اطلاع واسع بأسس وقواعد الديانات الأخرى، إضافة إلى معرفتهم بالثقافات واللغات المعاصرة، لكن الفرق الذي يوجد ما بين التكوين الذي توفره دار الحديث الحسنية وكليات الشريعة بالمغرب والجهود العلمية المتميزة التي يبذلها بعض علماء الأزهر، يكمن في أن ذلك الخطاب الفقهي العالم يظل تأثيره محدوداً في الشارع السني الذي يتأثر بشكل أكبر بفتاوى الكتب التبسيطية وخطب الأشرطة السمعية المتعالمة، نتيجة لانعدام مرجعية دينية منسجمة قادرة على دفع الشارع إلى الالتزام بأحكامها وفق ما نعتقد أنه متوفر حتى الآن بالنسبة للمرجعيات الشيعية.لا مندوحة أن نعترف نحن العرب، أننا بحاجة إلى الاستفادة من العناصر الإيجابية في كل من التجربتين الإيرانية والتركية، ضمن أفق موضوعي يتجنب الأحكام المسبقة والجاهزة، فإيران التي ما زالت تسيطر على جزر عربية تابعة لدولة الإمارات الشقيقة، وهي المعضلة التي نتمنى أن تجد طريقها إلى الحل في أقرب الآجال، استطاعت أن توازن في مغامرتها النووية بين طرفي معادلة الربح والخسارة، بأسلوب جنبها حتى الآن تقديم تضحيات غير مبررة، ولكنه أسلوب يمكن في حالة نجاحه، أن يوفر لها عناصر قوة غير مسبوقة في التاريخ العربي والإسلامي المعاصر. وبالتالي فاستراتيجيتها العربية القائمة على استمالة الشعوب قبل الأنظمة يمكن أن تحقق نتائج باهرة حتى وإن أغضبت الأنظمة، التي لا يتماشى خطها السياسي مع ما تتبناه إيران من مواقف. ويمكن القول في الأخير إن الغرب لا يخشى من البرنامج النووي الإيراني بقدر ما يشعر بانزعاج بالغ، لكون هذا البرنامج يتم تطويره من طرف دولة تملك انسجاماً داخلياً كبيراً يجعلها بحكم مرجعياتها الدينية والثقافية والسياسية مستعصية على الاختراق. وهذه ملاحظة لا تصدق فقط على واقع بلد إسلامي مثل إيران ولكنها تصدق بالدرجة نفسها على دول مثل ألمانيا واليابان التي تمتلك مقومات داخلية يصعب تقويضها في حالة امتلاكها لمقومات القوة القصوى التي بإمكان السلاح النووي أن يساعد على توفيرها ومن ثمة على دعمها وتثبيتها في مرحلة لاحقة. * كاتب جزائري

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"