الحركات الإسلامية في الفكر الغربي

05:09 صباحا
قراءة 5 دقائق

في أواسط الثمانينات من القرن الماضي وإثر هزيمة الاتحاد السوفييتي في مستنقع الحرب الأفغانية، وبداية استقلال جمهورية آسيا وبحر البلطيق، ظهر في الغرب العديد من النظريات السياسية التي تحاول تفسير التطورات الدولية، وتحديد دورها في مسيرة التاريخ المعاصر . ومن الدراسات المهمة التي صدرت في تلك الفترة المشروع الذي نفذته الأكاديمية الأمريكية للعلوم والآداب لدراسة الأصولية في كافة الثقافات والديانات، وصدر في أربعة مجلدات ضخمة بعنوان مراقبة الأصولية .Fundamentalisms Observed ومن أبرز وأهم الدراسات التي صدرت عام 2004 مشروع الاستخبارات الوطني الأمريكي، ويحمل عنوان خريطة العالم المستقبلية 2020، وتمثل هذه الدراسة قراءة مستقبلية في التحولات السياسية العالمية خلال ال15 سنة القادمة، وهذه الدراسة توقعت أن تزداد نسبة المشاركة السياسية في البلدان العربية بشكل تدريجي، وأن يحقق الإسلاميون نسبة عالية في الانتخابات المستقبلية تهدد باستبدال الأنظمة الهرمية في بعض الجمهوريات العربية مثل مصر وليبيا والسودان واليمن . وتضمّن التقرير سيناريو قيام خلافة إسلامية أو كونفدرالية لحكومات يحكمها الإسلاميون، إلا أن المشرف على إعداد هذه الدراسة الأمريكية استبعد حدوث ذلك، آنذاك، لأسباب جيوسياسية مثل النزاعات الحدودية، والتوازن الأمني والإقليمي، ونزاع الطاقة العالمي، ولأسباب أخرى منهجية، إذ تختلف الحركات والأحزاب الإسلامية في تجربتها ومنهجها عن بعضها البعض . ولعل أهم تنبؤ يقدمه التقرير، بخصوص مشاركة الإسلاميين في الانتخابات، هو تحول الحركات الإسلامية نحو نزعة أقل راديكالية في المستقبل، وتزايد وسائل تكيفِهم مع أنظمة الحكم القائمة سياسياً وتشريعياً .

والآن يتحقق ما تنبأت به هذه الدراسة، وبدأ فوز الإسلاميين يأخذ منحى تصاعدياً في ليبيا، والمغرب، ومصر، وتونس، وفلسطين (حماس) واليمن، وموريتانيا، والأردن والجزائر، وأصبحوا يشكلون أغلبية المجالس النيابية، وهناك مخاوف من استئثارهم بالسلطة كما يُشاع في مصر . وهذا يعني أننا سنشهد تحولات في المواقف السياسية للحركات الإسلامية، حيث إن بعض الجماعات الإسلامية - في رأي البعض - هي من صناعة المخابرات الأمريكية، وذلك بهدف وضع الأصولية الإسلامية في مقدمة الأخطار التي تواجه الغرب في المستقبل المنظور، ومن أجل دفع درجة التخوف الغربي من المسلمين، وجعلهم يصدقون أن الحركات الإسلامية تمتلك مقومات القوة والقدرة السياسية والعسكرية، بهدف تدميرها والقضاء عليها وإفنائها، من خلال حرب عالمية ثالثة متوقعة خلال عشر سنوات قادمة، وذلك بمقتضى الإرادة والمبادئ العليا للحكومات الخفية العالمية .

والمتأمل بظاهرة الجماعات الدينية يجد خلفها عقلاً ينطلق من صراع ديني أو طائفي، ويسعى إلى أسلمة أنظمة الدول وبناء الدولة الدينية، ولا ينطلق من مبادئ الحدس والمحسوس، وهو أمر غير متجانس يُعد تدميراً كلياً للمبدأ الأساسي لبناء المجتمعات المدنية، لا بل المبدأ الجوهري للعقل، وأعني بهذا القانون الأخلاقي، بحيث يكون العقل خالصاً من كل شيء، ويكون تجريبياً في الحكم المبني على التعاون والوفاق بين كافة أبناء الدولة كما يقول كنت: وليس مبدأ الخير الأعلى معنياً للإرادة، بل إنه القانون الأخلاقي الذي يحدد الرغبة في السعادة بشروط صارمة، فمبدأ الأخلاقية ينبغي أن يحكم الإنسان عندما ينطلق من داخل ذاته، معتمداً على الحواس الفكرية، أي أنه يكون عقلاً محضاً أو خالصاً، يحكم الجميع وفق تَجرد مبادئه ومعانيه العامة، أما إذا انطلق العقل العام الأصولي المتطرف رغبة في إرضاء، أو رهبة من إغضاب، فعندئذ سيدمر الحرية في الإرادة ويدمر الوطن ويطمس الحرية السببية، ولن يحقق بذلك للإرادة قداستها، حيث يعني أن القانون الطائفي الموروث أصبح هو الإطار العقلي الكامل المقدس، والواقع الحياتي في تحديد مسارات الدولة، مع الانطلاق من الأخلاقية الدينية، حيث تنزلق الخطابات الدينية والثقافية - في ظل أجواء الصراع - إلى مهوى استخدام كل ألوان التضليل والتمويه، والارتهان الأعمى إلى كل وسيلة بالإمكان توظيفها في عملية الصراع، خصوصاً إذا تجردت من القانون المدني والأخلاقي، فتفقد كل مفهوم شريف للأفعال العامة وديمومتها، وتنزع تجرده من قيمه بوصفه الفاعل والمتسامي مع الله، والمستهدف للخير الأعلى، وهو الدافع إلى الإيمان بوجود الله الحق، ونشر رسالة التسامح والتآلف انطلاقاً من الواجب الإنساني . وهذا لا يتم أيضاً إلّا بتأييد الحرية الاستشرافية وإثباتها، وهي الحرية بمفهومها المطلق، ذاك الذي يتطلبه العقل التأملي في استعماله للمعنى العام للسببية، وبصورة محتومة، وفي الوقت ذاته هو المفتاح لأسمى المبادئ العملية بالنسبة للسياسيين الأخلاقيين، الذين يدركون بواسطته أن من المتوجب عليهم بالضرورة الانطلاق بمنهج عقلاني، وأن يتجاوزوا كل القيود غير الواعية على فعاليتهم الفكرية، حتى يتمكنوا من ممارسة دورهم السياسي، وبالتالي الانتقال بشعوبهم من حالة الانفعال واللهاث الفوضوي إلى الفعل والمشاركة إنه ذلك الإنسان الذي يدعو إلى الانفتاح على الناس جميعاً، وينحو نحو التآلف بينهم، فمنهجه يضمن بيئة يسود فيها الخير ومساحة من الحرية يتحرك فيها الجميع، وهو الدرب الذي يجب أن يسير عليه من دون تعصب لدين أو مذهب، أو تغييب العقل أو ممارسة سياسة تجهيل متعمدة، تتضافر فيها إرادة حزب مع عناصر الموروث الاجتماعي لمجتمع بدائي، والتي تفضي بمختلف المفردات والعبارات والسلوكيات والمظاهر التي أفرزتها تلك المجتمعات، والتي شكلت مسيرة التخلف والجمود والتراجع بكل صراحة وألم، وأصبحت الأمة العربية مجرد بقعة مضطربة وملتهبة، تصدر المشاكل والأزمات هنا وهناك، وفساد الواقع أمام مجموعة تدّعي الانتماء إلى الإسلام، لكنها في العمق تبتعد عنه في مبادئه وأحكامه ومفاهيمه، ومنها التيارات والأحزاب السياسية التي تتلبس بالإسلام، ولكنها تشرع للفوضى، والفساد السياسي، والانحراف الأخلاقي والانحطاط القيمي، عندما يتحول الاختلاف المذهبي لاحتقار الإنسان، واستئصال الآخر بعيداً عن أية مفاهيم أخلاقية، وذلك بعد الصعود السياسي للسلفيين، وبعض التيارات الدينية بمختلف اتجاهاتها، وبما يعنيه ذلك من انتقال الإيديولوجيا من مرحلة الشعارات إلى مرحلة الاصطدام بالواقع الفعلي، وهو واقع فسيفسائي متموج لا يمكن أن يخضع للحكم الديني في الأوطان العربية، التي نشهد بها تنوع التيارات المختلفة من العلمانيين إلى الليبراليين والديانات الأخرى، الكاثوليك والبروتستانت وصولاً إلى الأقباط .

حفظ الله دولة الإمارات على ما تميزت به القيادة الحكيمة من حنكة ومهارة، في الشأنين الإقليمي والعالمي، سياسياً واقتصادياً وإنسانياً، لتكون الإمارات دائماً منارة ونموذجاً يُحتذى في التعايش الآمن، وجعلها دولة ذات حظوة في المحافل الدولية، وفي صناعة القرار العالمي، بل وتشكل عنصر دفع قوي للصوت العربي والإسلامي في دوائر الحوار العالمي على اختلاف منظماته وهيئاته ومؤسساته، التي ارتبطت بالتوابث المستمدة من ديننا الحنيف، سيراً على نهج الراحل المؤسس الشيخ زايد طيب الله ثراه .

* كاتب من الإمارات

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"