كيمياء سياسية

أفق آخر
02:04 صباحا
قراءة دقيقتين

قد يدرج ذات يوم مصطلح الكيمياء السياسية إلى جانب الكيمياء العضوية أو أية سلالة أخرى من علم الكيمياء، فإذا كانت هناك عناصر تتحد وأخرى تتنافر وثالثة تولد من الانصهار والتزاوج في المختبرات، فإن هناك أيضاً ما يقابلها في السياسة لكن على نحو آخر .

فأوكسجين السياسة إذا اتحد بهيدروجينها قد ينتج السم لا الماء، لأن عناصر السياسة ليست بريئة كعناصر الطبيعة، وهي حين وصفت بفن الممكن لم يكن المستحيل قد تسلل إلى ما وراء كواليسها، ومن أنماط هذا المستحيل تبرئة قتلة وادانة ضحايا ومكافأة المعتدي وعقاب المعتدى عليه . وفي حمى هذا السجال السياسي الذي استغرق الفضاء كله هذه الأيام وشغل الناس وملأ الدنيا تعود بنا الذاكرة إلى أزمنة كان السيف ومن بعده المنجنيق سيد الحروب، ولم يكن فقه الإبادة قد تطور بحيث تسخر له التكنولوجيا، لكن على الدوام كان هناك هاجس أخلاقي يلوذ به الخارجون عن السرب من حكماء وعلماء وشعراء وفلاسفة، وهم سلالات عزلاء إلا من العقل الذي ما أن يبدأ الاشتباك حتى ينسحب إلى عزلته ويتفرج .

نعرف أن لاجدادنا العرب من العلماء فضلاً في اكتشافات علمية منها الحساب والجبر والكيمياء، وإن كان المستشرقون قد استكثروا على أحفاد هؤلاء هذا الموروث فقال أحدهم إن جابر بن حيان شخصية وهمية لا وجود لها، وقال آخرون إن هؤلاء العلماء ليسوا عرباً بل من ملل أخرى دخلت إلى الإسلام . هذا بالطبع سجال يحتاج إلى رفاهية لا نملكها الآن ونحن نترقب قرع الطبول لحروب تأتي على اليابس لأن الأخضر تصحر ولم يعد من هذه التضاريس الصفراء .

وفي حمى هذا السجال الكيميائي نتذكر حكاية تبدو ضرباً من الخيال، ففي بواكير النهضة القومية كتب أحد مدرسي الكيمياء لتلاميذه رمز الماء وهو

H20، ثم فوجئ بالعسس يطرقون بابه بتهمة التطاول على حميد الثاني، فقد قرئت حروف هذا الرمز على أنها: حميد الثاني يساوي صفراً .

تلك هي الكيمياء السياسية! في زمن شهد انقلاباً كوبرنيكياً في المفاهيم ومنظومة القيم وليس في الفلك فقط . فالتنافس الآن في ذروته حول اختراع المبيدات البشرية لا الحشرية ما يدفع العلماء إلى القول إن الفئران وما يماثلها هي التي سوف ترث هذا الكوكب بعد غروب ساكنيه .

إن كيمياء السياسة كرياضياتها لا تعرف غير القسمة والضرب وهما معاً العلم الذي وصفه حديث شريف بأنه لا ينتفع به .

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"