عادي

«جبل طارق» يشعل الصراع بين بريطانيا وإسبانيا

02:14 صباحا
قراءة 9 دقائق
إعداد: عمر عدس

مشكلة وضعيّة جبل طارق بعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، هي إحدى «منازعات الطلاق» بين الجانبين، التي ظهرت سريعاً. وكما يحدث أحياناً من خلافات في حالات الطلاق الاجتماعي، حول رعاية الأولاد مثلاً، يثور الخلاف الآن، حول تبعية جبل طارق والسيادة عليه، ووضعه التجاري بعد الانفصال، ولا سيّما بعد أن اشترط الاتحاد الأوروبي، موافقة إسبانيا على أي ترتيبات تتعلق به بعد الانفصال.

ما هو جبل طارق؟ من أين جاءت تسميته؟ وما وضعه الحالي؟ وعلامَ تثور الزوبعة الحالية بين بريطانيا وإسبانيا والاتحاد الأوروبي؟
جبل طارق، مدينة أو بلدة تقع على «صخرة جبل طارق»، وهي نتوء من الصخر الجيري عند الطرف الجنوبي لإسبانيا. وقد أخذت تسميتها من اسم القائد المسلم، طارق بن زياد، الذي فتح إسبانيا عام 711 ميلادية.

«احتفظ المسلمون بجبل طارق قرابة 600 عام، ثم استولى عليها الإسبان عام 1309م، ولكنهم هُزموا واستولى عليها المسلمون مرة أخرى عام 1333م. ثم سقطت شبه الجزيرة في يد الإسبان من جديد عام 1462م، واحتفظوا بها حتى عام 1704، عندما احتلتها قوة من البحرية البريطانية.
وأعطت معاهدة «أوتريخت»، التي وُقعت عام 1713م جبل طارق لبريطانيا. وبموجب هذه المعاهدة، يجب أن تعطي بريطانيا جبل طارق لإسبانيا، إذا قررت بريطانيا التخلي عنه. وفي عام 1964، فكرت بريطانيا في أن تعطي منطقة جبل طارق استقلالها. واعترضت إسبانيا وبدأت حملةً لإجبار بريطانيا على إعادتها لإسبانيا.
وفي عام 1965، أيدت الأمم المتحدة مطالبة إسبانيا بجبل طارق. ولكن بريطانيا قررت في عام 1967، الاحتفاظ بجبل طارق، بعد أن صوّت شعب جبل طارق لصالح استمرار السيطرة البريطانية. وكانت نتيجة التصويت 12,138 صوتاً لصالح السيطرة البريطانية، و44 صوتاً لصالح الانضمام لإسبانيا. وأغلقت إسبانيا حدودها مع جبل طارق عام 1969. ثم أعيد فتح الحدود بالكامل في عام 1984 بعد الاتفاق بينهما (الموسوعة العربية العالمية- ترجمة موسوعة وورلد بوك 1997).

وعلى الرغم من أن دستور جبل طارق الحالي، الذي وُضع عام 1969، ينصّ على أن الحكومة البريطانية لن تسمح لشعب جبل طارق بأن يخضع لسيادة أي دولة أخرى، ضدَّ رغبته التي يعبّر عنها بحرية وديمقراطية، فإن سلسلة من المحادثات عُقدت بين المملكة المتحدة وإسبانيا بين عامي 1997 و2002، حول إنشاء سيادة مشتركة مؤقتة على جبل طارق.

وردّاً على هذه المحادثات، أجرت حكومة جبل طارق استفتاء في أواخر عام 2002، صوتت فيه غالبية المواطنين الساحقة، ضدّ أي تقاسم للسيادة مع إسبانيا. ومنذ ذلك الاستفتاء، عقدت محادثات ثلاثية بين إسبانيا والمملكة المتحدة وجبل طارق. وفي سبتمبر/ أيلول 2006 تم توقيع اتفاقية ثلاثية...
جبل طارق إذاً، وفق معاهدة أوتريخت، منطقة بريطانية أو إقليم بريطاني في ما وراء البحار.
وتبلغ مساحة منطقة جبل طارق 6.5 كيلومتر مربع. وليس لها حدود إلاّ مع إسبانيا (طولها 1.2كم). وليس فيها أي موارد طبيعية، ومصادر المياه العذبة الطبيعية فيها محدودة، وهي عبارة عن مجمّعات للمياه، من الأسمنت أو الصخور الطبيعية لجمع مياه المطر (لم تعُد تستعمل للشرب)، ومحطة لتحلية المياه.

ويتراوح عدد سكان جبل طارق بين 30 و40 ألف نسمة، من الإسبان والإيطاليين والإنجليز والمالطيين والبرتغاليين والألمان والعرب من شمالي إفريقيا.

ومنطقة جبل طارق، كما ذكرنا، إقليم بريطاني عاصمته جبل طارق... ورئيس الدولة، هو «ملكة بريطانيا اليزابيث الثانية»، ويمثلها الحاكم، الفريق«ايد ديفيز»(منذ يناير/ كانون الثاني 2016). ولجبل طارق حكومة ورئيس وزراء (أو وزير أول) ومجلس وزراء، وفيه ثلاثة أحزاب سياسية، وليس له أو فيه تمثيل دبلوماسي (لأنها بريطانية).
ويعتمد اقتصاد أقليم جبل طارق المكتفي ذاتياً على تجارة الشحن الواسعة، والأعمال المصرفية الخارجية، وموقعه كمركز دولي لعقد المؤتمرات.. ويسهم فيه أيضاً السياحة، ورسوم خدمات الشحن، والجمارك على السلع الاستهلاكية.

ما المشكلة الآن؟

جبل طارق، كما ذكرنا، إقليم بريطاني، وهو في الاتحاد الأوروبي ما دامت بريطانيا فيه. وسوف يخرج منه عندما تخرج بريطانيا. والناس في جبل طارق لا يريدون الخروج من الاتحاد، وقد صوّتوا ضدَّ خروج بريطانيا، بنسبة 96%.

ولكن بريطانيا الآن خارجة لا محالة، ومعها جبل طارق. وقد وضع الاتحاد الأوروبي مستقبل جبل طارق في مهب الريح في مفاوضات «بريكست» القادمة، حيث وقف عملياً إلى جانب إسبانيا في نزاعها المستمر منذ قرون حول هذا الإقليم (كما تقول صحيفة الجارديان).

فبعد ضغط من الدبلوماسيين الإسبان، يواجه الموقف التفاوضي الافتتاحي للاتحاد الأوروبي في محادثات «البريكست»، الحكومة البريطانية بالاختيار بين التوصل إلى اتفاق مع الإسبان حول مستقبل جبل طارق، أو تعريض مواطنيه للخطر بدفع «الصخرة» إلى خارج أي اتفاق تجاري بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة.
قال مسؤول كبير في الاتحاد الأوروبي، «إن الاتحاد سوف يدعم أعضاءه، وهذا يعني الآن، دعم إسبانيا». وقد صوت سكان جبل طارق، الذي ظلت إسبانيا تسعى إلى استعادته منذ التنازل عنه لبريطانيا عام 1713، لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي، بنسبة كاسحة، كما ذكرنا.

وجاء إعلان الاتحاد الأوروبي، عن ضرورة الاتفاق مع إسبانيا، في أواخر مسوّدة وثيقة من تسع صفحات بعث بها رئيس المجلس الأوروبي، دونالد تَاسْك، إلى الدول الأعضاء يوم 31/3، وتتضمن عرضاً للإرشادات التوجيهية في محادثات «بريكست» المقبلة.
وقد استبعدت الإرشادات التي تضمنتها الوثيقة، والتي سيتم تنقيحها في قمة لزعماء الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرين، في نهاية إبريل/ نيسان، إجراء محادثات حول مستقبل العلاقات مع بريطانيا في المستقبل، قبل أن «يتمَّ إحراز تقدم كافٍ» بشأن الاتفاق على فاتورة خروج المملكة المتحدة، وتأمين حقوق المواطنين، والتعامل مع مسألة حدود ايرلندا.
وقالت مسودة الوثيقة أيضاً، إنه لا يمكن إبرام أي معاهدة تجارية في المستقبل قبل مغادرة بريطانيا للاتحاد، وأصرّت على أن لوائح الاتحاد الأوروبي الموجودة - بما فيها السلطان القضائي لمحكمة العدل الأوروبية - يجب أن تظل سارية خلال أي اتفاق انتقالي. ورفضت الاتفاقات حول كل قطاع على حدة، وقالت إن ذلك يقوض تكامل السوق الواحدة.
والبند المفاجئ يعطي إسبانيا القدرة على استبعاد جبل طارق من أي ترتيبات انتقالية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، لدخول السوق الواحدة، أو أي اتفاق تجاري في المستقبل، إذا لم تكن (إسبانيا) راضية عن وضعية الإقليم.

وتقول الوثيقة، عندما تخرج المملكة المتحدة من الاتحاد، فإن «أي اتفاق بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، لا يمكن أن ينطبق على جبل طارق دون اتفاق بين مملكة إسبانيا والمملكة المتحدة».

ويوحي ذلك بأن الاتحاد الأوروبي، عملياً، أعطى الحكومة الإسبانية حق النقض (الفيتو) على كامل علاقة بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي في المستقبل، إذا لم تكن بريطانيا مستعدة لأن تدع مواطنيها على «الصخرة» معرضين لمستقبل اقتصادي أدنى درجة من وضع المواطنين في المملكة المتحدة.

وقال مصدر بريطاني رفيع مطلع على مفاوضات الاتحاد الأوروبي، إن البند المذكور كان خارقاً للمألوف لأنه يشير عملياً إلى عدم وجود السيادة البريطانية التامة على جبل طارق. وقد أعطى رأي إسبانيا في مستقبل جبل طارق، وزناً أكبر مما يُتوقّع أن تكون الحكومة البريطانية مستعدة لقبوله..

وقالت حكومة جبل طارق، إنها خُصَّت على نحو مشين بمعاملة غير لائقة من قبل المجلس الأوروبي نزولاً عند رغبة إسبانيا.

وقال الوزير الأول في جبل طارق، فابيان بيكاردو، إن هذا الاستقصاد لجبل طارق وشعبها، التمييزي، وغير الضروري، وغير المبرر وغير المقبول، كان المكيدة التي توقعها شعبنا من إسبانيا، وأحد الأسباب التي جعلتنا نصوّت بهذه النسبة الكاسحة للبقاء في الاتحاد الأوروبي.

وأضاف قائلاً: «هذه محاولة فاضحة من قبل إسبانيا للتلاعب بالمجلس الأوروبي، من أجل مصالحها السياسية الضيقة. وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، عملية معقدة بما فيه الكفاية، دون محاولة إسبانيا تعقيده أكثر».
وفي لندن، قال عضو البرلمان المحافظ بوب نيل: «إن أصدقاء جبل طارق في المملكة المتحدة، سوف يرقبون ذلك بكل عناية، ولن يكون هنالك بيع تصفية له».
وقال أندرو روزيندل، نائب رئيس المجموعة البرلمانية من أجل جبل طارق: «إن اتفاقاً لا يشمل جبل طارق، يعني أنه لا يمكن أن يكون هنالك اتفاق.. يجب على الشعب البريطاني، أن يقف صفاً واحداً، وسيفعل، ولا يمكن لإسبانيا أن تستأسد علينا».
وعلى الجانب الإسباني، قال استيبان جونزاليس بونز، نائب رئيس حزب الشعب الأوروبي ، لصحيفة «الباييس» الإسبانية، إن امتناع رئيسة وزراء بريطانيا، تيريزا ماي عن ذكر جبل طارق في الرسالة (التي وجهتها إلى الاتحاد الأوروبي) بشأن المادة 50، «وثيق الصلة بالموضوع». وأضاف «إن الإغفال كان لأن جبل طارق ليست جزءاً من المملكة المتحدة؛ إنها مستعمرة، مثل جزيرة سانت هيلينا».

وقالت مصادر في حزبه مقربة من الحكومة الإسبانية للصحيفة: إن هذا الغياب (لذكر جبل طارق في رسالة ماي)، بادرة طيبة لأنه يبشر بأخبار سارة - هي أن جبل طارق قضية ينبغي التفاوض عليها ثنائياً في المستقبل، بين إسبانيا والمملكة المتحد فقط.
وقد أشارت مصادر في الحكومة البريطانية إلى تعليقات ماي في مجلس العموم يوم الأربعاء، 29/3، عندما قالت إن المملكة المتحدة راسخة ولن تتزحزح في دعمها لجبل طارق، وشعبها واقتصادها.

وقالت رئيسة الوزراء: إننا ثابتون في التزامنا بألا ندخل أبداً في ترتيبات تؤدي إلى وقوع الناس في جبل طارق تحت سيادة دولة أخرى خلافاً لرغبتهم، أو أن يدخلوا في عملية تفاوض لا تقتنع بها جبل طارق.

وقالت ماي، إن رسالة المادة 50، كانت «إشعاراً يتعلق بانسحابنا من الاتحاد الأوروبي... وجبل طارق ليست عضواً مستقلاً في الاتحاد الأوروبي.. ولكننا واضحون في أنها مشمولة في مفاوضاتنا للخروج».

وكتب وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، في صفحته على فيسبوك يوم الجمعة 31/3، إنه كان قد هاتف بيكاردو، ليقول للوزير الأول في جبل طارق، «إن المملكة المتحدة، عنيدة وصلبة كالصخر في دعمها لجبل طارق. وكما قالت رئيسة الوزراء ذاتها في وقت سابق من هذا الأسبوع، فإننا واضحون في أن جبل طارق مشمولة في مفاوضاتنا للخروج ونحن ملتزمون بإدراج جبل طارق بصورة تامة في العمل الذي نقوم به».
وفي يوم الأربعاء، أكد بيكاردو أن الحكومة ستعارض بشراسة أي تحركات إسبانية لاستخدام مفاوضات بريكست وسيلة لتحقيق مزيد من السيطرة على المنطقة. وقال لبرلمان جبل طارق: «إن سيادتنا ليست لعبة.. ولن نكون بيادق في لعبة البريكست... ولا ضحية للبريكست».

لماذا الاهتمام بجبل طارق؟

إذا كان جبل طارق صخرة جيرية خالية من أي موارد، فما الذي يهمّ إسبانيا أو بريطانيا منها؟

تنبع أهمية جبل طارق من موقعه، كما تقول صحيفة «الجارديان». فمَن يسيطر عليه يستطيع أن يمارس سيطرة تامة على الشحن البحري الداخل إلى البحر المتوسط أو الخارج منه، من المحيط الأطلسي وإليه. يستطيع المرء على سبيل المثال، أن يبحر من جبل طارق إلى ميناء اللاذقية في سوريا، أو إلى سباستيبول، الميناء الرئيسي على البحر الأسود، في القرم والقاعدة البحرية الروسية. وكلّ مَن يرغب في الإبحار من تلك الأماكن إلى المحيط الأطلسي دون عناء الرحلة الطويلة جدّاً عبر قناة السويس، وحول إفريقيا، لا بدّ له أن يمرّ من أمام «الصخرة» (الاسم الذي تعرف به جبل طارق). وهذا هو السبب الذي جعل البريطانيين على مدى سنوات طويلة، يقدرونها حق قدرها، باعتبارها قاعدة بحرية متقدمة رئيسية. ولكن الأسطول الملكي الآن، ليس له سوى وجود صغير، وتشكل القاعدة الضخمة للناتو في بلدة روتا الإسبانية المجاورة- التي تؤوي العديد من المدمرات البحرية الأمريكية- وجوداً عسكرياً أوسع. وبريطانيا وإسبانيا، بطبيعة الحال، عضوان في الناتو.

هل هنالك حل للمشكلة؟

نعم، هنالك عدة حلول، كما تقول «الجارديان». وأحدُ الحلول، أن تبقى منطقة جبل طارق بريطانية تماماً، وأن تعرض تعاملاتها مع الاتحاد الأوروبي في المستقبل على إسبانيا لأخذ رأيها، وتسلّم بالمجازفة بعرقلة هذه التعاملات، مع ما ينطوي عليه ذلك من التأثيرات المدمرة المحتملة على الاقتصاد المحلي.

وثمة حلٌّ آخر، هو السيادة المشتركة. وهذه سوف تسمح لسكان جبل طارق بأن يبقوا في الاتحاد الأوروبي، ويتمتعوا بجنسية بريطانية -إسبانية مشتركة. وسوف يظلون مواطنين في الاتحاد الأوروبي، مع كل الحقوق التي تأتي مع ذلك، بينما يحتفظون بمؤسساتهم الحالية وتشريعهم الحالي. ولكن إسبانيا ستصبح مشاركة في السيادة. وفي جميع الأحوال، فإن الحكومة البريطانية منذ عهد هارولد ويلسون، تصرّ على أن الحل الوحيد المقبول، هو الذي يرتضيه سكان جبل طارق لأنفسهم.

فماذا عن إسبانيا؟ لقد رفضت السيادة المشتركة عام 2002. وحتى مع أنها كانت تتفاوض على ذلك، أوضحت أنها لن تتخلى عن مطالبتها بالسيادة التامة. وأهالي جبل طارق الذين يتذكرون كلاًّ من فرانكو، وحوادث الاضطهاد الإسباني الأقرب عهداً، يجدون ذلك مثيراً للذعر. والدلائل على تحوّل قوي في الرأي في جبل طارق باتجاه السيادة المشتركة،ضئيلة، ولا سيّما أن إسبانيا عادت إلى الدخول في مزاج الاضطهاد في الأيام الأخيرة بإبطاء حركة المرور عبر الحدود.
وقد تفلح حملة إسبانية طويلة الأمد للاستمالة وكسب الودّ، في تغيير ذلك في نهاية المطاف- وفي غير هذه الحالة، سوف تستمر منطقة جبل طارق في مواجهة مستقبل يكتنفه الشك.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"