ومن يتوكل على الله فهو حسبه جملة قرآنية كريمة، ذات دلالات عظيمة، شرط وجزاء مقترنان غير مفترقين، عامين غير خاصين، وقد تجلى ذلك أوضح ما يكون في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
وسنلقي نظرة عجلى على نتائج ذلك التوكل الذي تحلى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الناظر في هجرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم منذ البداية إلى النهاية، ليرى العجب، ويتجلى له القدر الإلهي في الحفظ والرعاية في أبهى صوره وأروع مظاهره .
وسنقتصر في هذه العجالة على خمس نقاط، نرى أن الحفظ الإلهي فيها قد جاء على غاية من الظهور والبيان .
1- حفظه لدى الإعداد للرحلة: حيث جاء إلى صاحبه المخلص أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وطلب منه أن يخرج من في بيته من الناس ليخبره بالسر العظيم، ويبكي أبوبكر من الفرح بهذه الرفقة التي تميز بها عن جميع أصحابه ويعمل على تهيئة الراحلتين، ويستغرق ذلك بعض الوقت، والمشركون كلهم يرقبون حركات النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يفطن أحد منهم لما يعد وما يهيأ، ولا ريب أن ذاك من حفظ الله تعالى ورعايته .
2- حفظه يوم خروجه من بيته: وذلك بعد أن حبكت خيوط المؤامرة وأحكم تدبير الاغتيال، وتجمع الرهط من شباب القبائل المتنوعة، ليضرب صلى الله عليه وسلم ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين القبائل فلا تستطيع قريش أن تثأر له، فإذا بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، يخرج من بين أظهرهم من دون أن يراه أحد منهم، مع أنهم كانوا يرقبون حركاته، ويخططون لاغتياله، وبعد أن ينام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فراشه، يغادر صلى الله عليه وسلم المنزل بسلام، لم يرع أولئك القوم وهم يرمون من بالفراش بالحصى ليقوم، إلا أنه كان يتضور (أي يتحرك ويتململ)، وما كان صلى الله عليه يتضور فمن الذي أحاط بتلك الرعاية، ومن الذي تولاه بذلك الحفظ في ذلك الخروج الذي عز وجوده في دنيا الناس، إنما هو الله وحده لا شريك له .
3- حفظه في طريق الوصول إلى الغار: فمع المراقبة الشديدة لتحركاته صلى الله عليه وسلم، ومع ما كانت عليه قريش من سمر، وتأخر في الليل، لم يطلع أحد على ذلك التحرك، ولم ينتبه أحد إلى ما يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحفظ في سيره حتى دخل الغار بسلام .
4- الحفظ داخل الغار: وهذا أمر في غاية العجب، إذ لما علم القوم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبين أن الذي في الفراش إنما هو علي بن أبي طالب جن جنونهم، فاستنفروا كل القوى للعثور على محمد صلى الله عليه وسلم، وهاموا في كل مكان حتى وصلوا إلى الغار، ووقفوا عند بابه، وكان بإمكانهم أن يدخلوه، غير أن صارفاً صرفهم فلم يدخلوه .
5- حفظه في طريق الهجرة: وذلك أن قريشاً رصدت مكافأة ضخمة لمن يعثر على محمد صلى الله عليه وسلم، فتنافس الناس في ذلك وسال لعابهم للظفر بتلك الجائزة الغالية، فكان ما حصل أن كان جماعة من بني مدلج في مجلس وبينهم سراقة بن جعشم، إذ أقبل رجل منهم فقال: إني قد رأيت آنفاً أسودة بالساحل، أراهما محمداً وأصحابه، فعرف سراقة أنهم هم ولكنه أراد أن يثني عزم غيره عن الطلب فقال له: إنك رأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالة لهم، ثم لبث في المجلس ساعة، وقام وركب فرسه ثم سار حتى دنا من الرسول صلى الله عليه وسلم فعثرت به فرسه فخر عنها، ثم ركبها ثانية وسار حتى صار يسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، فساخت قائمتا فرس سراقة في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخر عنها ثم زجرها حتى نهضت، فلم تكد تخرج يديها حتى سطع لأثرها غبار ارتفع في السماء مثل الدخان، فعلم سراقة أنه ممنوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وداخله رعب عظيم، فناداهما بالأمان فوقف عليه الصلاة والسلام ومن معه حتى وصل إليهم، فاعتذر إليه وسأله أن يستغفر له، ثم عرض عليهما الزاد والمتاع فقالا له: لا حاجة لنا، ولكن عمّ عنا الخبر، فقال: كفيتم .
فعاد سراقة يصرف الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدافع عنه بعد أن كان قد خرج للإمساك به، وهذا الخبر الذي نقلته كتب السيرة من الوضوح في الحفظ الإلهي بما لا يحتاج معه إلى تعليق، إلا أن تتدبر قوله تعالى: من يتوكل على الله فهو حسبه ثم تحاسب نفسك أين أنت من هذه الآية في اجتهادك وسعيك وسيرك في هذه الحياة؟
* أستاذ التفسير وعلوم القرآن في كلية الشريعة - جامعة الشارقة