التغيّر المناخي هاجس يقلق العالم

05:34 صباحا
قراءة 6 دقائق
د . هشام بشير
أصبحت ظاهرةُ التغير المناخي تُمثل هاجساً وتهديداً أمنياً حقيقياً لدول العالم كافة، خاصةً أن مفهومَ الأمنِ اتسع ليشملَ الأمنَ الاقتصادي والبيئي والإنساني، ولم يَعُد قاصراً على مفهومِ الأمنِ العسكري فقط، وفي هذا الصدد دعا البيتُ الأبيض في الأسبوع الأول من شهر مايو/أيار الجاري إلى التحرك السريع في مواجهة أزمة التغير المناخي، عبر نشرِ دراسةٍ عن التأثيرات الحالية والمُتوقعة لهذه الظاهرة على الولايات المُتحِدة، والقطاعات الرئيسية لاقتصادها؛ حيث أكد التقريرُ الذي جاء ثمرة أربع سنوات من العمل بمُشاركة المئات من خبراء المناخ والعلماء الأضرارَ والتهديدات التي لحقت ويتوقع أنْ تلحق بالتجمعات السكنية، والبنى التحتية والأنظمة البيئية والقطاعات الاقتصادية التي ستضطر الولايات المُتحدة إلى التأقلم معها، مشيراً أيضا إلى زيادة قسوة وعنف الاضطرابات الجوية، وارتفاع منسوب البحار الذي سيغمر بشكلٍ تدريجي المناطق التي يقل ارتفاعها عن سطح البحر، على غرار فلوريدا .
أظهرت دراسةٌ حديثةٌ أخرى أن جزءاً كبيراً من شرق القارة القطبية الجنوبية أصبح أكثر عرضةً للذوبان مما كان يُعْتقد من قبل، ما قد يؤدّي إلى انجراف الثلوج في المحيط بشكلٍ يصعُب وقفه، وزيادة منسوب مياه البحار لآلاف السنين، وذكرت الدراسةُ أن منطقة "ويلكس باسين" في شرق القارة القطبية والتي تمتد لأكثر من ألف كيلومتر في الداخل بها كميةٌ من الجليد تكفي لرفع منسوب مياه البحار والمحيطات ما بين ثلاثة إلى أربعة أمتار في حالة ذوبانه كأحد آثار ارتفاع درجة حرارة الأرض، هذا مع العلم أن مساحة القارة القطبية الجنوبية تُعادل مساحة كلٍ من الولايات المُتحِدة الأمريكية والمكسيك معاً، وهي تحتوي على كميات من الجليد تكفي لرفع منسوب مياه البحار نحو 57 متراً إذا ذابت كلها .
ومن المُستغرب أن الدول الغنية والمُتقدّمة، وفي مُقدّمتها الولايات المُتحدة الأمريكية إضافة إلى الصين والهند وروسيا في الوقت الراهن هي بالتأكيد المسؤول الأكبر عن ظاهرة التغير المناخي، وهي من تتنصل من مسؤوليتها، ففضلاً عن أنها من بين الأسباب الرئيسية والمُباشرة في حدوث ظاهرة التغير المناخي، فهي لا تُسهم بقدرٍ كافٍ في التصدي لتلك الظاهرة، بل إنها تُعَرْقِل أي مُفاوضات تحرز تقدماً في هذا الشأن .

مفهوم التغير المناخي

عرفت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ذة ، التغير المناخي بأنه: "تغير في حالة المناخ والذي يُمكن معرفته عبر تغييرات في المعدل/ أو المُتغيرات في خصائصها، والتي تدوم لفترة طويلة، عادة لعقود أو أكثر، ويُشير إلى أي تغير في المناخ على مر الزمن، سواء كان ذلك نتيجةً للتغيرات الطبيعية أو الناجمة عن النشاط البشري" .
كما تُعرف "اتفاقية الأمم المُتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ" ئخص التغير المناخي على أنه "تغير في المناخ يُعزى بصورةٍ مُباشرةٍ أو غير مُباشرة إلى النشاط البشري، والذي يُفضي إلى تغير في تكوين الغلاف الجوي للأرض" .
ونخلُص إلى أن التغير المناخي عبارة عن تغيرات في الخصائص المناخية للكرة الأرضية نتيجة للزيادات الحالية في نسبة تركيز الغازات المتولّدة عن عمليات الاحتراق في الغلاف الجوي، بسبب الأنشطة البشرية التي ترفع من حرارة الجو، ومن هذه الغازات: ثاني أكسيد الكربون، والميثان، وأكاسيد النيتروجين، والكلور وفلوروكربون، ومن أهم صور التغيرات المناخية ما يطلق عليه الاحتباسُ الحراري، الذي يعد أكثر الصور انتشاراً للتغيرات المناخية، وهو يعني ارتفاع درجة الحرارة في بيئةٍ ما نتيجة تغير في سيلان الطاقة الحرارية من البيئة وإليها . وتُشير معظم الدراسات إلى أن التغيرات المناخية التي تم رصدها مؤخراً هي نتيجة مُباشرة لزيادة تركيز بعض الغازات بالغلاف الجوي، والتي تُعرف باسم "غازات الاحتباس الحراري" أو "الغازات الدفيئة" والتي توجد بصورة طبيعية ضمن تركيب الغلاف الجوي للأرض .
وليس بجديدٍ القول إن التوجه نحو الصناعة بكثافة خاصة في أوروبا والولايات المتحدة أدى إلى الحاجةِ إلى أنواعِ الوقود المُختلفة، وأدى حرق الوقود سواء كان أحفورياً أو فحماً إلى انبعاث أكاسيد الكربون والنيتروجين في الهواء، وهذه الغازات من أهم أسباب الاحتباس الحراري الذي أدى بدوره إلى تغير المناخ، فلقد أدت هذه الغازات إلى رفع درجة حرارة الأرض بمقدار 2 .1 درجة مُقارنةً بمُستويات ما قبل الثورة الصناعية، وقد أدت إزالة الغابات بشكلٍ واسع للاستفادة من أخشابها إلى تناقصِ عملية البناء الضوئي الذي يُقلل من ثاني أكسيد الكربون ويحوّله إلى أكسجين، ومن الغازات الأخرى التي تلعب دوراً مهماً في عملية الاحتباس الحراري، غاز الميثان المُنبعث من مزارع الأرز وتربية البقر والنفايات والمناجم وأنابيب الغاز .

مخاطر التغيرات المناخية

أصبح في حكم المؤكّد أن تغير المناخ سوف يؤدّي إلى عواقب بيئية واجتماعية واقتصادية واسعة التأثير، لعل أبرزها أنه في غضون الخمسين عاماً المقبلة سيرتفع عدد الأشخاص الذين يُعانون نقصاً في مياه الشرب من خمسة مليارات إلى ثمانية مليارات شخص، كما أكّد العديد من الدراسات أنَ التغير المناخي يؤثّر في الإنتاج الزراعي؛ حيث يؤدّي إلى تقلص المساحة الصالحة للزراعة ومواسم الزراعة، كما أن ارتفاع درجات الحرارة يؤثّر في نمو بعض المحاصيل التي تحتاج لدرجات حرارة أقل .
وبالتالي فإن التغير المناخي يؤدّي إلى تراجع المحصول الزراعي، ومن ثَم يؤدّي إلى تقلص المخزون الغذائي، خاصةً في ظل تراجع خصوبة التربة وتفاقم التعرية، كما سيؤدّي ارتفاع درجات الحرارة؛ إلى زيادة عدد المرضى والأمراض على مستوى العالم بسبب توافر البيئة المُللائمة لنشاط الجراثيم، ومن ثَم اتّساع مدى بعض الأمراض المنقولة بالحشرات، أو الماء مثل الملاريا، هذا مع العلم بأن الآثار الواقعة على الصحة ستكون أشد كثيراً بين السكان السريعي التأثر، إذْ إن مَن يتعرضون لأشد المخاطر على الصعيد العالمي هم صغار السن والمسنون والعجزة، كما أن البلدان المُنخفضة الدخل والمناطق التي يتسع فيها انتشار نقص التغذية ويسوء فيها مستوى التعليم وتضعف فيها البنى التحتية، هي التي ستواجه أكبر الصعوبات في التكيّف مع تغير المناخ والأخطار الصحية الناجمة عنه،
وتتحدد سرعة التأثر كذلك بالعامل الجغرافي، حيث تزداد في المناطق التي يرتفع فيها معدل توطن الأمراض الحساسة للمناخ، وتُعاني الفقرَ المائي وانخفاضَ إنتاج الأغذية، فالسُكان المعرضون لأشد المخاطر هم مَن يعيشون في الدول الجزرية الصغيرة النامية والمناطق الجبلية والمناطق الساحلية في البلدان النامية، (ولاسيما التجمعات الحضرية الكبيرة في مناطق الدلتا في آسيا)، وكذلك الفقراء والأشخاص الذين لا توفر لهم الخدمات الصحية، وفي إطار آخر فإن ارتفاع حرارة العالم سيؤدّي إلى ارتفاع مستوى البحار بسبب ذوبان الكتل الجليدية الضخمة مما سيُشكل تهديداً للتجمعات السكنية الساحلية وزراعاتها، إضافة إلى موارد المياه العذبة على السواحل ووجود بعض الجزر التي ستغمرها المياه .
كما يُؤثر التغير المناخي في المُستوطنات البشرية؛ حيث قد يؤدّي ارتفاع شدة هطول الأمطار إلى ارتفاع معدل حدوث الانهيارات الأرضية، وازدياد معدل حدوث الفيضانات بالمُستوطنات البشرية القائمة على ضفاف الأنهار، ومع التوسع العمراني السريع في المناطق الساحلية المُنخفضة عن سطح البحر، سواء في الدول النامية أو المُتقدّمة، وما يصاحبه من ارتفاع مُعدّلات الكثافة السكانية، والاستثمارات والبنية التحتية المُصاحبة لهذا التطور العمراني في تلك المناطق، سوف تزداد قيمة الخسائر البشرية والمادية المُتوقعة .
وإجمالاً فإن التغير المناخي تحول إلى مُشكلةٍ عالميةٍ مُعَقدة وطويلة الأجلِ، تنطوي على تفاعُلات مُعقدة بين العوامل البيئية، وبين الظروفِ الاقتصادية والسياسيّة والاجتماعية والتكنولوجية . ولقد بدأت تظهر التأثيراتُ المُرتبطة بتغير المناخ بفعل النشاطات البشرية، في عدة أشكال، أبرزها التغيرات في متوسط درجات الحرارة، وما ارتبط بذلك من التغيرات في أوقات الفصول، وتزايد كثافة أحداث الطقس المُتطرفة، وهذه التأثيراتُ تحدثُ حالياً وستتفاقم في المُستقبل، مما يُهدد بتعرض ملايين السُكان لاسيما في البلدان النامية لنقصٍ في المياه وفي المواد الغذائية، ولمخاطرٍ مُتزايدة على الصحة وغرق أجزاء من سواحلها، وفي التحليل الأخير فإن هذه التطورات ستؤدّي إلى تهديدِ الأمن القومي لتلك الدول .
ولذا فقد أصبحت قضيةُ التغير المناخي واحدةً من أكثر قضايا البيئة إلحاحاً على المستويين المحلي والدولي؛ لما لها من تداعيات تُشكّل خطراً يُحيط بمُستقبل الأجيال القادمة، الذين لهم الحق في البقاء في بيئة نظيفة آمنة، إضافة إلى ذلك فإن التغيرات البيئية وأبرزها التغيرات المناخية التي تتعرض لها الدولُ النامية هي قضية يتطلب التصدّي لها تضافر الجهود المحلية والدولية؛ حيث إنها تتجاوز الحدود الوطنية وتمتد إلى سائر أنحاء الأرض مُعرضةً جميع الكائنات الحية للخطر وفي مُقدمتها الإنسان .

* مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والسياسيّة بجامعة بني سويف

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"