لغتنا "الأم" تشكو الجحود

12:07 مساء
قراءة 17 دقيقة

تقلص الاهتمام باللغة العربية حتى أضحى مجرد شعارات، لا نذكرها سوى في يوم اللغة الذي أقرته اليونسكو في 21 فبراير/ شباط من كل عام، ومنه انطلق اليوم الوطني للغة العربية، وعلى أرض الواقع لا نكاد نلمس اهتماماً بلغة الضاد سوى في بقايا برامج إذاعية لا يسمعها أحد .

رغم أن الاهتمام باللغة العربية لا يقل في أهميته عن كافة القضايا التي تستحوذ على اهتمام الدول، في ظل جهود تتبناها الإمارات تشكل صحوة

لغوية على مستوى مؤسسات العمل الأهلي والحكومي على السواء، فتزامناً مع المناسبة، أقر مجلس إدارة جمعية حماية اللغة العربية تشكيل لجنة خاصة لوضع برنامج احتفالي يستمر أسبوعاً كاملاً تتسع أنشطته لتشمل المراكز الثقافية والمدارس والجامعات .

فيما احتفلت بلدية دبي بالإعلان عن فريق أطلقت عليه فريق لغة الضاد للدفاع عن اللغة ونشر الثقافة العربية .

تطرح قضايانا بلسان غيرنا

المؤتمرات تتحدث الإنجليزية

اللغة العربية، بشهادة العارفين من أبنائها، وغير أبنائها في طليعة اللغات العالمية من حيث الغنى والبلاغة والسلاسة، ولا توجد لغة أمدت العلوم، والآداب، والفلسفة، والقانون، والأديان بمعين لا ينضب، وزودتها بكنوز لا تحصى بمثل ما فعلت اللغة العربية . وتقوى اللغة بقوة أهلها، وتنحسر بانحسارهم، وضعفهم، والتاريخ يشهد على ذلك .

فاللغة اليونانية أصبحت بعد فتوحات الإسكندر المقدوني لغة العالم المتحضر، وبعد سيادة روما وامتداد سيطرتها سادت اللاتينية حيناً من الدهر، ومن هذا الجانب نبحث أسباب تراجع اللغة العربية في وقت تسيطر فيه الإنجليزية على المؤتمرات العلمية والاجتماعية والثقافية في الدولة، فضلاً عن تصدرها السير الذاتية للراغبين في التوظيف، حتى أنها أصبحت لغة المراسلات الأولى لوزارة التعليم العالي في الدولة، ولغة التعامل مع الحاسب وكل أدوات التقنية .

الشاعر محمد خليفة بن خاطر يرى أن ما يحدث من تشويه للغة العربية في محافلنا الأكاديمية والعلمية فضلاً عن تنظيم المؤتمرات التي تناقش قضايانا العربية باللغة الإنجليزية نتيجة حتمية لتراجعنا وعدم استطاعتنا مواكبة الركب الحضاري، وأننا لو كنا في أفضل أحوالنا كما يرى الإعلام لاستطعنا مواجهة هذا المد الأجنبي ضد لغتنا الأم .

وأضاف: الانترنت في إيران وكوريا واليابان بلغاتها، مؤكداً أن للغة القدرة على مواكبة كل المجالات تعليمياً وعسكرياً وسياسياً، والمسؤولية عن هذا التراجع لا يمكن أن تقع على فرد، إنما مسؤولية جماعية للمجتمع .

وأكد إمكان النهوض باللغة العربية بقرار سياسي، وأشار إلى أن الدليل على ذلك، ما فعله اليهود مع لغتهم التي أعادوها وأحيوها بعد 5 آلاف سنة من الموت، ونحن لا نستطيع أن نترجم اللافتات والإعلانات للغة العربية أو حتى نفرض ذلك .

واعتبر بن خاطر أن المصيبة الأكبر بالنسبة إلى المؤتمرات هي في طلب المؤسسات الأكاديمية أو البحثية من الباحثين العرب تقديم أوراق بحثهم باللغة الإنجليزية، وعليه يصبح الكلام في أثناء الندوة ارابيزي وهو مصطلح جديد للغة الهجين .

الدكتورة فاطمة الصايغ الأستاذة المشاركة في قسم التاريخ والآثار في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الإمارات علقت بأن الباحثين لا بأس أن يطلب منهم تقديم أوراقهم باللغة التي يتقنونها أو لغتهم الأولى شرط توافر ترجمة لما يطرحونه من أوراق علمية سواء فورية أثناء العرض أو ترجمة لورقته قبل العرض .

وقالت: مستحيل أن نطلب من الباحث أن يلقي بحثه في أي مادة بلغة لا يتقنها، ولكننا نشدد على أنه لو كانت محور المناقشة مادة علمية تخص الدولة فنحن أولى بترجمتها . كما أن اللغة العربية هي لغتنا في المؤتمرات الدولية كما هو الحال في الأمم المتحدة فينبغي أن تصبح لغة المؤتمرات الإقليمية في الدول العربية كافة ويكون استثناء المؤتمرات المتخصصة .

وأضافت: نبالغ أحياناً في تقدير اللغات الأخرى، كل المؤتمرات نعقدها باللغة الانجليزية، حضرت قبل فترة مؤتمراً يناقش واقع واحدة من فئات المجتمع العربي، بمعنى أنها قضية عربية إلا أنه يا للأسف بحكم وجود 3 ضيوف أجانب تحولت الكلمة الرئيسية في المؤتمر إلى اللغة الإنجليزية، رغم أن الحضور 90% منه ناطق بالعربية .

وأكدت الصايغ عدم رفضها مواكبة العصر، ولكن شريطة ألا يكون على حساب لغتنا .

وألمحت إلى أنها خلال الأسبوعين الأخيرين شاركت في اجتماع لاتحاد كتاب الإمارات ناقش الوثيقة الوطنية في اتحاد الكتاب وحضرها الكاتب محمد المطوع من هيئة الثقافة بدبي، وحبيب الصايغ رئيس الاتحاد، وإبراهيم الظاهري مدير دائرة الثقافة والإعلام في عجمان، وكان من بين ما ناقشناه، ماذا نريد للإمارات في 2021؟ وركزت الوثيقة على اللغة العربية والمرافق والخدمات، واللغة أكبر تحد خاصة أن بعض المؤسسات الرسمية ومنها وزارة التعليم العالي، ما زالت تستخدم في كل مراسلاتها اللغة الإنجليزية، في الوقت الذي لا توجد دولة أو أمة أصبحت الأفضل بغير لغتها .

وأوضحت أن الشباب الذين تدرّسهم في الجامعات اليوم لا يقبلون على قراءة أي شيء مطبوع، ضعفاء في الإملاء ولا يتمكنون من كتابة فقرة صحيحة باللغة العربية، فضلاً عن أنهم لا يتقنون الإنجليزية ولا العربية .

الدكتور محمد الحناش باحث مغربي في اللغة العربية مقيم بالدولة قال: مشكلة اللغة العربية تكمن في أهلها، فهم الذين يتهافتون على اللغات الأجنبية، من دون أن تسعى هذه اللغات إلى فرض نفسها عليهم، ومع أننا نرى أن معرفة اللغات الأجنبية، وإتقانها أصبح ضرورياً ويؤهل الفرد ليصبح من سكان العالم الجديد، فإن هذا التهافت أدى مع الأسف إلى نسيان لغتنا الأم، وأصبح الشباب يتباهى بما يتقنه من لغات غير لغته، والكثيرون أصبحوا يبررون ارتكاب الأخطاء في لغتهم الأم بأنهم من ذوي الثقافة الغربية، وأنهم لم يتعلموا العربية جيداً .

وحذر الحناش من أنه إذا كان هذا هو الوضع الذي توجد عليه الصورة الشعبية والتعليمية في وطننا العربي، فمن الضروري أن تصبح العربية في آخر الصف، وتحتل اللغات الأجنبية، خاصة الإنجليزية والفرنسية، المرتبة الأولى في التعامل اليومي، والرسمي وهذا الأمر أصبح واقعاً .

وأوضح أن إطلالة قصيرة على الإنترنت اليوم تكفي للتعرف إلى أن المحتوى الرقمي بالعربية لا يتجاوز 13 .0% من مجموع ما ينشر باللغات الأجنبية الأخرى، كما أن مستخدمي الإنترنت في العالم العربي لا يتجاوز 13% من مجموع سكانه، أما إذا انتقلت إلى ميكنة التعليم فلن تجد أمامك إلا الفراغ، حيث لا يوجد رقم فوق الصفر يمكن وضعه في هذه الخانة، فعالمنا العربي لم يشرع في التفكير في رقمنة تعليمه بعد، على الرغم من توافره على إمكانات مادية تفوق إمكانات بعض الدول المتقدمة، مما يدل على أن العبرة لا تكمن في المادة، بل في الإرادة .

وأشار إلى أن كتابة عبارة مثل e-Learning ستأتيك النتائج بالملايين من المواقع، لكن لن يوجد من بينها موقع تتبناه حكومة عربية، ربما نجد بعض المواقع التجارية التي تسير بك في اتجاه مضحك، لأن أغلبها يعتقد أن وضع المادة التعليمية المتخلفة على الشبكة الدولية سيكون حقق هذا الشرط، والبعض الآخر يتاجر بالمصطلحات الجديدة، لكن الأكيد أنك لن تجد تعليماً رقمياً بالمعنى الذي يتم فيه تصميم رقمي للمادة التعليمية التفاعلية على الشبكة، فالتعليم التفاعلي أو الرقمي له معنى جديد لم تدركه الدول العربية بعد، والذين يتاجرون بهذا التخصص يشكلون عائقا في وجه التوجه المستقبلي نحو بناء مجتمع المعرفة الرقمي، لأنهم يضللون الباحثين عن هذا التوجه الجديد من خلال جريهم وراء المادة لا أكثر . والمطلوب الآن من الحكومات العربية أن تتجه نحو التعليم بلغة الضاد إذا أرادت أن تحمي هويتها وثقافتها من الاندثار .

الحناش لا يرى مبرراً للخوف على مستقبل العربية من الاندثار، فقد بدأت جهات كثيرة في وطننا العربي في مراجعة هذا الوضع، حيث بدأنا نشهد مبادرات المجتمع المدني في إنشاء جمعيات للغة العربية مدعومة من الجهات الرسمية، كما بدأنا نسمع عن مراكز وأكاديميات للغة العربية في ربوع الوطن العربي، حيث من المؤمل أن تعوض الفراغ الذي أدت إليه رسمية مجامع اللغة العربية، وعجزها عن نشر ثقافة العروبة بين شباب الأمة، كونها مؤسسات شاخت برجالها وأعمالها التقليدية ولم تعد قادرة على العطاء أو الانتشار الإعلامي الذي تقوم عليه المجتمعات المعاصرة .

وتابع: بدأنا نسمع ونقرأ عن اهتمام الجهات الرسمية باللغة العربية خوفاً على ضياع الهوية الوطنية للكثير من البلدان في وطننا العربي، بعض هذه الدول يربط اللغة بالهوية والثقافة الأصيلة، حيث يلاحظ تراجع كمي وكيفي في التوازن السكاني، والحديث عن الخلل في التركيبة السكانية يؤدي حتما إلى الحديث عن خلل في الهوية اللغوية، حيث أصبح السؤال المطروح اليوم: هل نحن قادرون على الحفاظ على عروبية مجتمعاتنا في ظل هذا الخلل؟ كما أن بعض الدول العربية شرعت في رقمنة الموارد التعليمية، وإن كانت ما تزال في بداية الطريق .

وعن شرط إتقان اللغات الأجنبية في التوظيف أشار إلى أنه باعتبار أن اللغة بنت الإنتاج كما قال بعض الحكماء قديماً، وبما أننا لا ننتج ما نحتاج إليه في حياتنا اليومية، فإننا سنحتاج إلى التعامل مع الجهات الأجنبية التي تزودنا بما نريده لنعيش، ولا يمكن أن يوظف أناساً غير قادرين على التعامل مع مصادر الإنتاج في العالم، فأنت مضطر يومياً إلى مراسلة جهات كثيرة في العالم من أجل الحصول على ما تريده، لا أقصد بعبارة ما نريد البضاعة المادية فقط، بل أشمل به البضائع والمهارات التعليمية، والشهادات الجامعية العليا، والتدريب الذي نستورد تقنياته من الأجانب، والموضة وجميع عناصر التطور الحضاري .

واقترح الحناش الترجمة حلاً للخروج من أزمة اللغة والتعامل مع الإنجليزية قائلاً: يمكن التغلب على نقطة ضعفنا بالترجمة، فنحن أمة تفضل أن تقرأ باللغات الأجنبية ولا تنقل المعارف إلى لغتها الأصلية، خلافاً لدول كثيرة في العالم تفرض أن تنقل إليها المعارف بلغتها الأم، ولننظر إلى أسبانيا التي تترجم في سنة واحدة ما يعادل ما ترجمه العرب منذ قيام دولة يعرب إلى اليوم .

المذيعون يتحدثون مفردات هجينة

الإعلام متهم بإهمال لغة الضاد

تعاني اللغة العربية في منطقة الخليج بسبب العديد من المشكلات منها خلل التركيبة السكانية من جهة، وما فرضته معطيات العولمة من انشغال باللغة الإنجليزية كلغة للسوق والعمل وإهمال للغة الأمة من جهة أخرى، فضلاً عن الدور السلبي الخطير، والتشويه المتعمد الناتج عن إهمال المسؤولين عن الإعلام في أكثر من 300 فضائية عربية للغتهم الأم، وهو ما نطرحه في السطور التالية .

الإماراتي جمال مطر المذيع في تلفزيون سما دبي والمؤلف المسرحي قال إنه ليس بالضرورة أن يكون تشويه الإعلام للغة العربية متعمداً، أو لأن اللغة لم يعد لها قيمة إلى جوار قيمة الصورة، وشكل المذيعة أو مقدمة البرامج من دون النظر لمعيار اللغة، فالتلفزيونات مملوءة بأنصاف الموهوبين، وتدخل في اختيار الوجه الإعلامي معايير أخرى غير اللغة .

واتهم مطر بعض القنوات بالمبالغة في تعقيد اللغة والبعد عما أسماها لغة الإعلام السهلة غير المخلة والتي تسكن في اللاوعي عند المذيع أو مقدم البرامج، مطالبا بلغة عصرية تقدم في طبق جميل لا تنفر المتابعين لها ويفهمها رجل الشارع العادي .

أما الإعلامي أيمن إبراهيم مقدم الأخبار في تلفزيون دبي فيتفق في أن اللغة العربية من أهم أسلحة المذيع، وأن هناك ما يشبه العقد غير المكتوب بين المذيع والجمهور في أهم بنوده أن يلتزم باللغة العربية ويحافظ على تقاليد المجتمع الذي يخاطبه والالتزام بقواعد اللغة العربية، ولكنه يبرر ما اسماه سقطات السهو للمذيعين والتي تعبر عن خطأ غير مقصود .

ونفى إبراهيم أن يكون توجه الفضائيات لتقليل الحديث باللغة العربية ناجم عن تشويه متعمد بل ينم عن عدم دراية بأهمية الاختيار في الإعلام على أسس سليمة .

الإعلامي ثاني جمعة المذيع بقناة الظفرة الفضائية فضل التعامل مع نصف الكوب المملوء بالماء وقال: الإعلام له دور كبير إذا أراد الحفاظ على اللغة العربية، الآن مقصر، والدور في عملية النهضة يعود إلى القائمين على وسائل الإعلام .

وكشف جمعة أنه يشجع التحدث باللغة العربية نطقاً وكتابة حتى في حياته الشخصية مع أولاده، وإن كان يستخدم لغة سهلة تربى عليها وتأثر فيها بمعلميه في المراحل الدراسية المختلفة، لافتا إلى أن التعليم هو الركيزة الأولى التي ينبغي التشديد عليها، بجانب الاهتمام بمعلم اللغة العربية .

محمد خالد المذيع بتلفزيون الشارقة من الإعلاميين الذين يقتربون من تحقيق حلمهم بالتحول من العمل الإعلامي إلى الكرسي الأكاديمي في كلية دار العلوم جامعة القاهرة، أنهى دراسة علم النحو وكان عنوان رسالته تقويم علم النحو المعياري في ضوء علم اللغة الحديثة ويستعد بعد شهور لمناقشة رسالة الدكتوراه في عمل معجم تاريخي للغة العربية يضم 135 كلمة تعبر عن الحضارة قال فيها إن اللغة كائن حي يؤثر ويتأثر، بدليل تأثر اللغة بكلمات أجنبية أصبحت في صلب الكلمات العربية ومنها كلمة إقليم ذات الأصل اليوناني وأستاذ ذات الأصل التركي .

ومنطلقاً من بحثه يرى خالد أن اللغويين اعترفوا بجواز تأثر اللغة بلفظات غريبة عنها مما يجعل بعض وسائل الإعلام صاحبة تأثير سلبي في اللغة العربية، وأن الإغراق في استخدام العامي واللهجات المحلية وإقحام كلمات أجنبية داخل اللغة العربية مظاهر يستخدمها المذيعون اليوم في أغلب القنوات، وبالتالي فلا عجب من أن تفقد اللغة هويتها وشخصيتها .

وقال: دستور الإعلام في الدول العربية يعلي من شأن اللغة العربية، وعليه فإن استخدام اللغة في حديث الإعلام لم يصبح حسب الأمزجة الفردية لصاحب قناة أو محطة فضائية .

وحذر خالد من إهمال اللغة العربية كمعيار للصحافي أو المذيع في ظل دعوة قديمة أطلقها المهندس الإنجليزي وليم كوكس في محاضرة له بالقاهرة سنة ،1880 وقال خلالها كلاماً كثيراً شائناً بحق العرب حينها ومما قاله إن اللغة العربية تحد من قدرة المخترع العربي .

وأضاف: للأسف تبنى هذا الكلام عدد من أساطين التغريب ومنهم فرح انطون وشبل شميل وسلامة موسى، ووقف الشاعر حافظ إبراهيم في قصيدة شهيرة عنوانها اللغة العربية تنعى حظها بين اللغات ومن أبياتها أنا البحر في أحشائه الدر كامن . . فهل سألوا الغواص عن صدفاته، أيطربكم من جانب الغرب ناعب . . ينادي بوأدي في ربيع حياتي .

وأشار إلى أنه لا يتصور خضوع الإعلام لهذا المخطط، بدليل ميثاق العمل الإعلامي والذي يدرس ويحفظ في وزارات الإعلام في أنحاء العالم العربي، ولكنها معايير غير مفعلة، وإن كانت مفعلة بشكل كبير في قنوات مثل الشارقة، والجزيرة، والرحمة، والناس وحتى BBC العربية .

وقال: نحن بحاجة إلى توفل عربي على غرار التوفل الإنجليزي، الذي تشترطه الجامعات على معيديها حتى أولئك الذين تركز دراساتهم على اللغة العربية، مضيفاً أنه ينبغي على المؤسسات الإعلامية أن تقوم بعمل إجازة لغوية على غرار التوفل الانجليزي، كما ينبغي التركيز أكثر على الشق الرئيسي في الإعلام وهو السينما والمسرح والمسلسلات الدرامية والتي تعتبر أساس الشارع والحياة اليومية .

الباحث والأديب ماجد بوشليبى قال إنه لا يرى تعمداً مباشراً لتشويه اللغة العربية، ولكنه أكد أن مشكلة الإعلام مع اللغة العربية في المسؤولين عن الإعلام، ففاقد الشيء حسب المثل الشهير لا يعطيه . البعض يعمل وفق تدريبه الذي تلقاه ولا يركز على اللغة، باعتبار المضمون المرئي للإعلام يخلو من القراءة الجادة، التي تحمل هم الرسالة الإعلامية، وبالتالي لا يعطون أهمية للغة العربية .

وأضاف: هذه العناصر الجديدة إن لم يكن لديها موهبة خاصة واهتمام شخصي باللغة العربية، فإنها لن تعبر عنها .

وعن تعامله الشخصي مع الإعلام كشف أنه مزاجيته تأتي به للإذاعة، لذلك فهو مغرم بها، ويرى أنها الكيان الإعلامي الأقل تأثراً بالهجوم على اللغة العربية وجماليات الرسالة، وأنها لم تشوه كثيراً إلى جانب الصحافة والتلفزيون .

جامعات عربية تفتح أبوابها للأجانب

لم يكن تعليم العربية لغير الناطقين بها حتى منتصف القرن الماضي من الموضوعات التي تحتاج إلى بحث أو دراسة، بسبب غياب الوعي عن قيمة نشر لغتنا، وتعليمها للآخرين .

وقد بدأ الاهتمام يتزايد بتعليم اللغة العربية في مراكز أجنبية، ووضعت مناهج وخططاً تدريسية في مؤسسات وجامعات غير عربية، بهدف إيجاد متعلمين قادرين على دراسة الثقافة العربية، لأغراض بحثية أكاديمية، أو لإيجاد متخصصين قادرين على دراسة الأوضاع الاجتماعية والسياسية والفكرية في العالم العربي لأغراض وغايات مختلفة .

وفي بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، بدأ الاهتمام بإقامة المعاهد المتخصصة لتعليم اللغة العربية لغير أبنائها، فكان منها ما أنشئ في عواصم ومدن العالم العربي، ولا تكاد تخلو جامعة من برنامج متخصص في هذا المجال، وتنوعت أساليب التدريس، وتطورت، واستفادت من وسائل التقنية المعاصرة .

ومع هذا الاهتمام بدأت الإرساليات في شكل مجموعات من الطلبة الأجانب لتعلم اللغة العربية في المعاهد والجامعات العربية، وساعد ذلك كثيراً في تطوير تعليم اللغة، لأن الطالب الأجنبي لا يدرس اللغة دراسة نظرية من الكتب والمناهج، وإنما يدرسها على أرض الواقع، من خلال معايشة أهل اللغة والاختلاط بهم .

في السطور التالية نسلط الضوء على أثر تعلم اللغة العربية في غير الناطقين بها والموجودين في الدولة، فضلاً عن بعض الجهود التي يشرف عليها العمل الأهلي الذي يجد الدعم المباشر من بعض المؤسسات الحكومية .

عثمان فيدان خطاط من الجنسية التركية يعمل في متحف الحضارة الإسلامية بالشارقة، يتقن الحديث والكتابة باللغة العربية، عندما سألته عن رحلته مع اللغة العربية قال: بدأت من الصفر، رحلتي بدأت، من خلال بعثة من تركيا إلى المملكة العربية السعودية ودرست هناك اللغة العربية في معهد متخصص يتبع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهو من أكثر المعاهد على مستوى العالم تميزاً في تعليم اللغة العربية، وكانت الكتب المخصصة لتعليم الطلاب اللغة العربية مميزة .

وأنا حالياً أعرف اللغات التركية، والإنجليزية، والعربية، وعندما تقارن اللغتين مع العربية تجد الأخيرة محيطاً واسعاً .

وأضاف: أذكر أن أول كلمة عرفتها بالعربية كانت أهلاً وسهلاً، وكنا نرددها جماعياً مع بقية الطلاب، ثم بدأنا نطق الحروف بشكل صحيح وبالكلمات، بكل سهولة بدأنا التفاعل مع اللغة العربية أكثر بالتعامل مع من ينطق اللغة العربية باعتبارها لغته .

وأشار إلى أن برنامج التعلم كان ميسراً جداً ومن يدرسوننا كانت لديهم مهارة كبيرة في تعليم اللغة العربية ومنهم الدكتور محمد الميرغني وهو من الأساتذة الذين أشهد لهم . لافتاً إلى أن الجامعة بعد عامين من تعلم اللغة العربية، وعن طريق مواد مثل التعبير والقراءة والكتابة ودروس فقه الحديث والتفسير قبلتنا لندرس فيها 4 سنوات متصلة .

وأضاف: حالياً مكاتباتي ورسائلي بالعربية .

في إطار الاهتمام باللغة العربية نظمت مراكز ثقافية خاصة وجمعيات مثل جمعية حماية اللغة العربية على مدى عامين دورات لتعلم اللغة العربية خرّجت العديد من الدارسين غير العرب من مهتمين ودبلوماسيين وغيرهم، ومن هؤلاء محمودي ايكانو وهو شاب فلبيني متزوج من فتاة عربية رغب في تعلم اللغة العربية ليقترب أكثر من زوجته والتي كانت سبباً في حبه للإسلام واللغة العربية .

وقال إيكانو: استفدت كثيراً من هذه الدورة، ولا سيما أنها الثانية لي ولن تكون الأخيرة، وستساعدني في الحوار مع المجتمع والتعرف إلى عاداته وتقاليده، لذلك لا اخفي سعادتي بتنظيم الجمعية لهذه الدورة .

د .رضوان الدبسي مدير إدارة جمعية حماية اللغة العربية قال: عندما كنت معلماً للغة العربية منذ أكثر من 27 عاماً في مدارس الدولة، وشاركت في تأليف كتب اللغة العربية المدرسية الحديثة والمطورة . وعن تعليم اللغة العربية لغير الناطقين أضاف: من أهداف جمعية حماية اللغة العربية في الدولة تعليم العربية لغير الناطقين بها، وقامت الجمعية قبل عامين في مقرها القديم بالقصباء بالتعاون مع شركة البوابة الخضراء السورية في تعليم غير الناطقين اللغة العربية من خلال برنامج حاسوبي خاص وكانت الجمعية تطرحه دون مقابل لمن يريد التعلم .

واستقبلنا خلال هذه الفترة كل من يرغب بتعلم اللغة من غير الناطقين بها وبرسوم شبه مجانية، وكان الغرض من هذه الرسوم إلزام المتعلم بمتابعة تعلمه، وقد نجحنا بفضل الله في تعليم عدد كبير من غير الناطقين نطقاً وكتابة، وذلك بعد أن أضفنا للبرنامج الحاسوبي برنامجاً مساعداً لإتقان القراءة والكتابة للمتعلمين، أشرف عليه أعضاء مجلس إدارة جمعية حماية اللغة العربية .

فريق لإنقاذ "العربية"

شكلت بلدية دبي أول فريق على مستوى الدوائر الحكومية لدعم وحماية اللغة العربية، هو فريق لغة الضاد، المكون من 13 موظفاً بقيادة علي محمد مراد، بهدف ترسيخ قواعد اللغة العربية بالتوعية المستمرة، وتعريب المصطلحات الأجنبية المستخدمة في العمل، ورفع مهارات اللغة العربية عند الموظفين، إضافة إلى تشكيل قنوات لتبادل المعرفة في مختلف مجالات اللغة العربية .

انطلق الفريق قبل 8 أشهر وعقد حتى الآن 13 اجتماعاً، وبدأ عمله فعلياً بعدما تم اعتماد فكرته في أعقاب قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وكانت بدايته في إدارة المعرفة بالبلدية ثم استقل للعمل بذاته بعدما قررت البلدية تخصيص دعم مادي ومعنوي مستقل للفريق، والذي من مهامه الرئيسية: إعداد نشرة إلكترونية شهرية تثقيفية وتوعوية لموظفي الدائرة، وتقديم دورات تدريبية في مجال الخط العربي والفن الإسلامي، وتقديم معارض فنية للخط العربي، والرد على استفسارات الموظفين عبر الهاتف، وعبر البريد الإلكتروني، وتقديم دروس في قواعد اللغة العربية إلكترونياً .

من جانبها عمدت بلدية دبي إلى اتخاذ خطوات جادة، وبرامج عديدة لتأكيد الهوية الوطنية في كل ما تنتهجه من عمل حاضراً ومستقبلاً، وللدلالة على ذلك اطلاق الأسماء العربية على المشاريع، واستخدام اللغة العربية في الوثائق والمعاملات والمراسلات مع مختلف الجهات، كذلك دورها في تبني حملة لغتنا هويتنا من خلال اعتماد اللغة العربية لغة رسمية للتداول والتعاملات والمراسلات الداخلية والخارجية .

نيلا درويش عضو الفريق أكدت أنها اشتركت فيه لاقتناعها بمهمته وحبها للغة العربية وقالت: هدفنا تعزيز اللغة بالمقام الأول .

وأشارت إلى أن مهمتها الرئيسية هي في متابعة الاجتماعات وتسليم محضر الجلسات والاجتماعات والتنسيق لهذه الاجتماعات ومتابعة الدعوات والتحضير لمختلف الفعاليات، وعمل الإعلانات للفريق ومتابعته إعلامياً .

وأضافت: تستفزني اللغة الخليط ونواجهها بتوعية الموظفين وننظم شهرياً لقاء دورياً وتعقد محاضرات عن الخط العربي وجمالياته، ودورات لتعليم الخط بأنواعه، وفعاليات أخرى لتقوية أسلوب الكتابة لدى الموظفين من خلال دورة تمتد لمدة أسبوع في الفترة المسائية .

ولفتت إلى أن الندوات تعقد بعد دعوة رسمية، تقدم للعاملين في البلدية وتأتي مشاركات كثيرة، ولا تقتصر على موظفي البلدية بل تمتد لمؤسسات أخرى، ومنها محاكم دبي، والنيابة العامة، وجمعية النهضة النسائية، ولا تقتصر الدورات على العرب بل يمكن أن نتعاون مع الأجانب .

وأضافت: نتولى مهمة الرد على استفسارات الموظفين بوضع رقم الفريق، وبريده الإلكتروني على النشرات الداخلية، التي يتلقفها الموظف والمتعامل مع البلدية .

وقال ربيع غازي مدقق اللغة العربية في بلدية دبي وعضو الفريق: الجهد الذي جمع الفريق ناتج عن الخطة التي رسمتها الدولة، والأول من نوعه من حيث مهامه وأهدافه التي قام من أجلها لحماية اللغة العربية تزامنا مع الهوية الوطنية التي تتبناها الدولة، فضلاً عن علاج الخلل الحادث في اللغة بفعل التركيبة السكانية، فلدينا لهجات تطغى وعبارات أجنبية، وبما أننا في بقعة عربية فاللغة العربية هي الأم .

وأضاف: أعتبر نفسي أحد المتطوعين لخدمة اللغة العربية، وقسمنا المهام بين أعضاء الفريق، وكل منا ينهض بجانب معين حسب قدرته ووقته وخبرته، ومن مهامي اختيار الموضوعات التي تكون ضمن النشرة الشهرية التي يصدرها الفريق، والنشرة يتاح فيها النشر لكل المهتمين باللغة العربية سواء من الفريق أو من خارجه .

قائد الفريق علي محمد مراد قال إن فريقه تأسس بتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وتوصياته بأن تكون لغة المراسلات ومكاتبات المؤسسات الرسمية باللغة العربية، وبدأنا في تشكيل الفريق قبل 8 أشهر، وعقدنا عدة اجتماعات خرجت بعدة فوائد، منها فوائد عملية مثل إقامة دورات في فن الخط العربي، وتجهيز فريق للخط يشارك في الدورات والمعارض العلمية، وشاركنا مؤخراً في فعالية الهوية واللغة العربية، كما نظمنا في فترة سابقة معرضاً ودورة في الخط العربي في النيابة العامة بمحاكم دبي تحت عنوان لغتنا هويتنا .

وعن مهمته في الفريق أشار إلى أنه يقود فريقاً من 13 متطوعاً كلهم أكفاء ولهم باع في التعامل مع اللغة سواء كمجال عمل أو هواية تم اعتمادهم من إدارة المعرفة بالبلدية .

وأكد أن الفريق يسعى إلى أن يملك بعض الصلاحيات الخارجية، ومنها الضبطية القانونية، ولكنهم ينتظرون حتى يكون الفريق قوياً ومدعوماً، مثلما يحدث مع ملوثي البيئة وشوارع الإمارة .

عبيد سالم الشامسي مساعد المدير العام لقطاع الشؤون الدولية والشراكة، وراعي الفريق قال: يسعدني هذا الإقبال والاهتمام باللغة العربية، وبموجب الوثيقة الوطنية التي أعلنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، جاءت فكرة التطوع من قبل أفراد البلدية، وعندما عرضوا علي المشاركة معهم رحبت وشاركت ثم عرضوا علي الإشراف ثم تولي مسؤولية الفريق، وعقد الفريق عدة اجتماعات ووضعت مخططاً لمنهج العمل ونظمنا أنشطة رئيسية تركز على اللغة العربية، حتى إن الزملاء أخبروني أن كثيراً من محبي اللغة يرغبون في التطوع من خلال الفريق ممن هم من خارج البلدية، وقبلناهم مرحبين بهذه الخطوة .

وأضاف: أهدافنا تركز على تعزيز اللغة العربية ثم مساعدة الأفراد داخل البلدية وخارجها الذين يعانون صعوبة في الفهم والكتابة والقراءة باللغة العربية أو تصحيح بعض المعلومات .

وأنجز الفريق خلال الفترة الماضية عدة دورات متخصصة في الخط العربي والقواعد، وسوف نشهد الفترة المقبلة إقامة معارض ودورات وزيارات للمدارس وتواصلاً مع عدد من الدوائر المحلية وعمل دورات مشتركة مع فرق عمل أخرى .

جرائم ضد اللغة

بات وجود بعض الأخطاء الإملائية في بعض اللافتات الموجودة في المحلات أو بعض المشاريع التجارية، أو اللوائح الإرشادية، مشهداً مألوفاً ويحتاج إلى تدخل سريع، بحكم أن ذلك يشوه لغتنا العربية .

وحسب القائمين على البلديات فإن هناك عدة أسباب لعل أهمها أن أغلب محلات الخطاطين يقوم عليها أشخاص من جنسيات آسيوية، العربية ليست لغتهم الأم، بل يخوضون فيها كما يخوض بعض العرب في اللغات الأجنبية، ما يجعلهم أكثر عرضة للأخطاء الإملائية أثناء الكتابة .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"