محمد الحاج موسى، صبي في الثانية عشرة من عمري، ومن مخيم الرشيدية في لبنان، اسمي لن يعني لكم شيئاً، لكني حين أدفع كرسي المتحرك عابراً من أمامكم، مادّاً يديّ بعلبة لأحصل على ليرة واحدة أو حتى نصف ليرة، ربما يستوقفكم مشهدي هذا، فتشفقون وتشترون، وربما تحوّلون رؤوسكم عني، وتتابعون طريقكم دون أن تدفعوا لي مليماً واحداً، وربما تبلغ الوقاحة بالبعض منكم ليدفعني جانباً، وهو يلعن المسؤولين الذين يغضّون النظر عن أمثالي ممن يسيء الى المشهد العام للمدينة.
أما أنا فتصدمني ردات فعلكم، وقد أعتاد عليها وربما لا أفعل، لكنها في كل الأحوال هي المشكلة التي أرفضها جملة وتفصيلاً. من هنا أستطيع القول إن اسمي الذي لا يعنيكم يعني لي الكثير، ومن حقي أن أكون فخوراً به، أو على الأقل، أن أتصالح معه، فلا يكون وقعه على أذنيّ كلسعات السوط أو نظرات الازدراء.. لا فرق، فكل منها تسحق الوجدان وتميت القلب، وأنا من دونها لن أكون محمد الحاج موسى ذلك التلميذ الذي يشتعل حياة ولا يتوانى عن إشعالها من حوله والذي يرى سعادته في عيون رفاقه وأهله.
كيف أبدأ قصتي ومن أين؟
من هذا المخيم القابض على اسمه وهويته على مدى أكثر من نصف قرن رافضاً أن تطمسها رمال أو تمحوها رياح، يتنفس الجوع والقهر والتحدي مع كل صباحاته العقيمة التي تعبر أزقته وجدرانه ثقيلة موجعة مذيلة بحروف اسمها الأمل!.
أو من هذا البيت الذي يشبه أي جُحر عدا البيوت، والذي رغم هذا أحبه وأرى في جدرانه المتداعية، وجه وطن أو حلم وطن يجعلني أستيقظ كل صباح ضاحكاً رغم الوجع، فأنا ككل أطفال العالم لي أرض وبيت ولكن هناك في فلسطين وكما يقول أبي لي جذور ووطن.
من أين أبداً؟ من وجه أبي الغارق في التعب والهم والحيرة، وفي البحث عن لقمة الخبز لأطفاله الأربعة.
هنا في مخيم الرشيدية لكل بيت حكاية، ولكل حكاية طعم الوضع، وأنا مطارد به ومحاصر وحتى الوجع أيضاً، من هنا كان عليّ أن أتعلم كيف أتحداه فأحاربه مرة، وألهو به مرات وأطوعه.
أنا محمد الحاج موسى فتحت عيني لأول مرة على مخيمات اللجوء والبؤس، وقد ولدت لأسرة فلسطينية من بين مئات الأسر التي يكتظ بها مخيم الرشيدية.. عمري 12 سنة، والدي وأمي واخواتي الثلاث ولعنة التشرد التي تطاردنا في كل تفاصيل حياتنا، دفعتني لبناء عالمي الخاص، ربما لأهرب إليه من هذا الواقع، أو ربما، وهو الأرجح، لأعدّ نفسي لمواجهته، لم يكن حلمي مستحيلاً ولا عبثياً، فأنا ككل أطفال العالم أنسج خيوط مستقبلي لوحات جميلة تضيء مخيلتي وعيني وحتى قلبي الصغير، من هنا كانت ملامحي تتناقض تماماً مع واقع البؤس الذي أعيش، فالأمل بحد ذاته وسط هذا الواقع معجزة، لكني تعلمت كيف أتماهى معه ليشعّ من حولي، وما يضجّ في ملعب المدرسة، وحتى داخل قاعة الفصل، وما كان لينقصني الذكاء أو الارادة، ولا حتى العزيمة لأكون الرجل الذي أردت ان أكون، ومن حقي أن أكون. وهكذا عرفت في المدرسة طالباً متفوقاً وان كان مشاكساً أيضاً، ولم يكن من الصعب ان يكتشف أساتذتي ذلك العناد الذي يدفعني دائماً لاثبات نفسي، وحرصي على الريادة والمبادرة، حتى انني نجحت في اكتساب ثقة زملائي لأصبح مَثَلَهم وقدوتهم. ولا أخفي أن ثمة سعادة غريبة كانت تشعل كياني كلما التقطت اعجاب رفاقي وأساتذتي، لتزداد ثقتي بنفسي وبمستقبلي. نعم هكذا كنت أحلم لنفسي بمستقبل متميز وما كنت أفكر للحظة واحدة بالتنازل عن حلمي هذا أو ربما الفشل في تحقيقه لسبب ما، لهذا كانت صدمتي كبيرة وربما أكبر من أن أحتملها اذ اعتدت أن أكون مركز الاستقطاب ومحور اهتمام الآخرين، وأنا من غير ديناميّتي هذه لا شيء! لست محمد الحاج موسى ولا حتى شبيهه أيضاً.
من هنا كان التحدي الذي أواجهه كبيراً، وأكبر من سنواتي عمري، أن يعود محمد الى دائرة الضوء والحياة وأن أسترد بعودته الأمل المنطفئ في عيني، أن تدبّ الحياة في حلمي المقتول، ولكن كيف والحزن يمتص عروقي حتى آخر قطرة حياة فيها.
لحظات انكسار: ربما هو الانكسار والعجز أبشع ما يمكن أن يعانيه طفل في مثل حالتي. كان ذلك المساء من السابع عشر من يوليو/تموز لا يشبه غيره من المساءات المزروعة بالفرح والحياة.
حيث كانت رائحة الموت تنبعث من حلقاته السوداء المخيفة، وتعلن بلا خجل عن وجهها البشع لتتحدى فيه عالماً بأكمله.
في ذلك المساء من هذه الحرب في الجنوب استهدفني العدو كما العشرات غيري من الأطفال الذين راحت تطاردهم طائراته بقذائفها وألغامها وصواريخها الملعونة، والتي انفجر أحدها بجسدي الصغير لتحوله الى ما يشبه الأشلاء، كتلة لحم حمراء ممزقة وبلا ملامح يستحيل ان تنبض فيها حياة، كنت حينها عائداً بدراجتي بعد أن قمت بتوزيع أربطة الخبز على بيروت المخيم، انه الموت يباغتني قبل يوم واحد من عيد ميلادي، ولا يترك لي فرصة وداع أحد من الأهل أو الأصدقاء، وكان هذا عبر انفجار أحد الألغام الكثيرة المزروعة في المكان، لا بدّ وأنني متّ وفاتتني فرصة الاحتفال مع الأصدقاء بيوم آخر يمرّ على صمودنا في الجنوب، ولا بد وأنهم أيضاً سيحزنون كثيراً لهذه الهدايا التي بالتأكيد اشتروها لي بعد اقتطاع ثمنها من جنى ثمار كامل من العمل في ورشة الميكانيك أو الحدادة أو حتى الفرن الذي أعمل فيه.
افتقدهم اللحظة بشدة! أفتقد أكفهم الدافئة المجرحة تصفق بحرارة لنشيد فلسطين في طابور المدرسة الصباحي، أفتقد ضحكاتهم.. همساتهم.. ومقالبهم الصغيرة ضد أستاذ الرياضيات العابس دوماً.
هل أنتهي هنا وحيداً تنهش لحمي الكلاب الجائعة؟!
بودّي لو كان الأمر كابوساً، مجرد كابوس مرعب ينتهي بعد أن أستيقظ منه، وتنسال الدموع على وجنتي ليلسعني الألم، أحاول الصراخ لكني بالكاد أسمع صدى أنين وجعي، وكأنه آتٍ من بتر عميق جداً وبعيد جداً. ليتوقف الزمن من حولي فأفقد احساسي بنفسي، وأسقط في غيبوبة لم أصح منها الا على صوت الطبيب يهنئني بالسلامة وبالعودة الى الحياة مجدداً، والغريب هنا أو المفارقة أن الكلب الضال الذي خشيت أن ينهش لحمي ميتاً، كان هو الذي أنقذ حياتي بنباحه المجنون، ونجح من خلاله بلفت انتباه سكان المخيم، وقادهم الى مكان وجودي ليتم اسعافي بفارق بسيط من الزمن ربما هي ثوان فقط نقلتني من عتبة الموت الى بوابة الحياة، ولكن أي حياة هذه التي سأعيشها وقد سلبتني الحرب ساقي، وزرعت شظاياها في جسدي وشوهتني؟؟ أولم يكن الموت أرحم لي من حياة العجز التي تنتظرني؟!.
دفنت وجهي بين كفيّ رافضاً النظر في المرآة، ولا حتى في وجوه الأهل والأصدقاء. خاصمت الحياة التي خذلتني وكسرت أحلامي، وقذفت بي الى هوامشها عاجزاً على كرسي بدواليب، يثير مشهده الشفقة أو الرثاء في وقت تذبحني فيه نظرات الشفقة هذه أكثر مما لو كانت نصل سكين.
الصورة ذاكرة: لم يكن ليخطر لي وأنا غارق في عزلتي أن ثمة خطوط ضوء يمكن ان تشعّ من حولي، أو أن ثمة حدثاً ما قد يعيد ضخ الأمل في عروقي، حتى كان ذلك اليوم الذي دخل عليّ بعض رفاقي حاملين بين أيديهم كاميرات، تصوير ضمن مشروع تشرف عليه جمعية مهرجان الصورة ذاكرة والتي تهدف لتعليم الأطفال في المخيمات الفلسطينية مهنة التصوير، في محاولة منها لاكتشاف مواهبهم وتأهيلهم، كانوا يحتضنون كاميراتهم وكأنها كنوز ثمينة، وراحوا يحدثونني كيف أصبحوا يجيدون استعمالها، وكيف انهم التقطوا بها صوراً للختيار، ولملصق الأقصى ولوحة بيت أبو سعيد التي تجسد مدينته يافا.
كنت أصغي باهتمام من دون أن أدرك أن ثمة علاقة ما بيني وبين ما يقولونه... مالي أنا وكاميراتهم!؟
لم يخطر لي حينها أن هذه الكاميرا تحديداً ستفتح أمامي نافذة للأمل. لم أتوقف أمام تلك الصور التي التقطوها، والتي كما قلت أطلقت مشروعها الخاص لتدريب الأطفال ما بين السابعة والثانية عشرة على استعمال الكاميرا، وممارسة التصوير بهدف التعبير واهتماماتهم ليدركوا أهمية الصورة في الذاكرة الفلسطينية، عدا عن هدف تأهيلهم مهنياً ورعاية المتفوقين منهم، كانت صورتي كما حكايتي قد لفتت رئيس الجمعية، فقرر إهدائي كما زملائي كاميرا. أعجبتني الفكرة وإن تعاملت معها في البداية بحذر شديد، وربما خوفاً من الفشل، وكانت هي الوسيلة الوحيدة والقادرة كما رأى رفاقي على اخراجي من عزلتي بعد أن فشلت محاولاتهم جميعها. احتضنت كاميرتي ورحت التقط الصور لأصدقائي في ورش العمل كما اعتادت عيني تصيّد والتقاط المشاهد في شوارع المخيم وعلى أعتابه وزواريبه لتنشأ لاحقاً ما بيني وبين هذه الكاميرا علاقة حب رائعة بدأت تدفعني لتوسيع دائرة حركتي لتتنوع معها المشاهد والصور.
أدرك رئيس الجمعية رمزي حيدر، أنني أمتلك قدرات تستحق احتضانها وتنميتها فقرر الوقوف الى جانبي ودعمي، وحين سنحت الفرصة لإعادتي الى الحياة الطبيعية بادر لالتقاطها فقدّمني الى طبيبة ألمانية ناشطة، كانت تزور المخيم آنذاك فتعهّدت أن تجد لي المستشفى الذي يتبنى علاجي مجاناً كما تعهدت الجمعية بدورها تحمّل نفقات سفري للعلاج.
حتى كان ذلك اليوم الذي فاجأني فيه رئيس الجمعية.. قال لي بهدوء وابتسامة واسعة تضيء وجهه استعد للسفر غداً. صرخت وهللت وكبّرت، وكدت أقفز من على مقعدي لولا أنني تداركت نفسي في اللحظة الأخيرة حتى لا أقع فأحرج نفسي وأفسد فرحتي وفرحة الآخرين معي. كان رئيس الجمعية قد سعى لإتمام انجازات السفر بصمت من دون أن يضعني في التفاصيل خشية ألا تنجح المحاولة، ويتسبب الفشل بصدمة لا أقوى على احتمالها، وربما كنت في غنى عنها وسط ظروفي الصعبة، لكنها زبطت وها أنا مسافر غداً. سالت الدموع على وجنتي، لكنها هذه المرة كانت دموع فرح لا وجع أو ألم.
شهرة تخطت حدود الوطن
ها أنا في طريقي الى فرانكفورت تقلني طائرة لم أحلم يوماً ان أجد نفسي على متنها والى أين؟ الى بداية جديدة تشكل لي جسر الأمان لأعبر المستقبل وأشق طريقي في الحياة!.
احتضنت كاميرتي الخاصة، والتي ألححت على رمزي أن يزودني بها. ودخلت المستشفى من دون أن أشعر بقلق أو رهبة مما قد يحدث لي أو أواجهه في بلد لا أهل لي فيه ولا أصدقاء. أحسست منذ الوهلة الأولى بحافز قوي دفعني لأستر نفسي، وبقوة رفعت كاميرتي ورحت أصور مداخل المستشفى جدرانها، وجوه الممرضات والأطباء وجدران الممر الطويل، وحتى تلك الوجوه الشاحبة في قاعات الانتظار، ورفضت أن أفكّر لحظة بمجموعة العمليات الجراحية التي تنتظرني في داخل غرفة العمليات، والتي ستنتهي بتركيب أطراف صناعية لي تساعدني على المشي والحركة. ليس مهماً استئصال الشظايا، وترميم وجهي وجسدي بقدر ما هي مهمة هذه الأطراف، التي ستعيدني محمد الحاج موسى من جديد.
نجحت العملية، قال الطبيب بثقة وهو يربت على كتفي، لكني فهمت لاحقاً ان ثمة مشكلة في الأطراف الصناعية كوني لا أزال صغيراً وفي طور النمو. وبالتالي لا بد من تغيير هذه الأطراف في كل مرحلة من مراحل النمو الأمر الذي يقتضي التعاقد مع أحد المصانع التي تصنّع هذه الأطراف. انها مشكلة فعلاً، قلت لنفسي وقد غمرني احساس بالقلق والتوتر، كدت استسلم معه للعزلة من جديد الى أن علمت بإيجاد صيغة للحل، وافقت عليها بلا تردد وكان العرض الذي قدمه مندوب أحد المصانع، الذي وافق على تزويدي بالأطراف شرط أن أزودّهم بكل ما أصوره خلال المراحل التي يقومون فيها بتقديم الأطراف لي، ليضعوا تلك الصور على الموقع الخاص بهم على الانترنت. كذلك أرادوا تعهداً خطياً بالموافقة على العرض.
وكأنما أزيح عن كاهلي حمل ثقيل، قلت وأنا أحتضن كاميرتي بعشق: ليكن ذلك وأنا مستعد. وهكذا بدأت خطواتي الأولى نحو بناء مستقبلي بعد أن استرددت هدفي ودفء أحلامي وطموحي وضجيج هذا العالم، الذي تفور به شراييني ليصبح بعد أكثر من شهر ونصف الشهر من وجودي في المستشفى كل من فيه أصدقاء لي، تحتضن وجوههم كاميرتي كما تحتضن أصواتهم أذني، ثمة تواصل جميل ربط بيني وبين عائلتي الجديدة من أطباء وممرضات ومرضى، أعادني الى دائرة الضوء من جديد، وجعل من حضوري بينهم جزءاً لا يتجزأ من نظام حياتهم اليومي، يفتقدونه اذا اختفى لحظة.
ها أنا ذا محمد الحاج موسى أقف على قدمي، أشق طريقي كمصوّر محترف في الثانية عشرة من عمره. أدخل معهد التصوير في ألمانيا لأتعلّم خصائص المهنة. كما أدرس اللغة الألمانية وأتواصل من خلالها مع الناس، لكن الأجمل من هذا كله أنني نجحت في بناء صداقات عديدة حتى اصبح لي أكثر من بيت وأسرة، تتسابق على استضافتي في المناسبات والأعياد، كما حدث في ليلة الميلاد حيث أمضيتها برفقة عائلة لبنانية جنوبية، لنحتفل معاً بعبَق وطن حاضر فينا.
فلسطين ولبنان وحلم لم تنجح بتغييبه المنافي كما لم تنجح بقتله قنابل متفجرة أو قذائف. وها أنا اليوم ربما أصغر مصور محترف تلتقط عدسته الحدث، وجوهاً ومشاهد وتفاصيل حية واضعاً فيه بعضاً من قلبه ووجدانه والكثير الكثير من نبضه، اعترف أنني محظوظ جداً، فليس مثلي الكثير ممن يحظى بمعجزة الحياة بعد عبور نفق الموت وعتبة النهاية.
ولدت من جديد وبين أصابعي مهنة أعشقها، منحتني شهرة تخطت حدود الوطن وعلّمتني كيف أقبض دائماً على الأمل، وكم أتمنى لأمثالي، من ضحايا الغدر والعدوان أن يحظوا بفرص مماثلة، لأننا نستحق العيش بكرامة، كما نستحق هذا الوطن الذي كنا ولا نزال نفتديه بالروح والدم.