تربية الأبناء على الفضائل واجب الزوجين

الأسرة المسلمة
13:22 مساء
قراءة 8 دقائق

جعل الله الأولاد زينة الحياة الدنيا، ونعمة من أجلّ نعمه على عباده سبحانه وتعالى، فهو بقدرته وإرادته، يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور ويجعل من يشاء عقيماً، كما أخبرنا القرآن الكريم .

هذه النعمة (الأولاد) لا ينبغي إساءة التعامل معها والتفريط في حقوقها، فالله سبحانه لم يرزقنا الأولاد لكي نهمل تربيتهم أو نسيء التعامل معهم أو نهدر حقوقهم أو نسخّرهم لفعل ما يضرهم ويضر المجتمع، كما يفعل بعض الآباء الآن، حيث يتركون باسم الفقر والحاجة أطفالهم للضياع يمارسون كل ما هو ضار وشاذ وفاسد، وإذا ما سألتهم عن سبب ترك أطفالهم يعبثون ويمارسون الرذائل والقبائح تحججوا بالفقر والحاجة .

كما لا ينبغي للقادرين مادياً الذين وهبهم الله الرزق الوفير ترك أولادهم يعيشون حياة عابثة باسم الحرية . فالأولاد أمانة لدى آبائهم، وواجب الإنسان أن يحسن التعامل مع الأمانات، خاصة إذا ما كانوا أولاده فلذات كبده .

هؤلاء الأطفال لهم حقوق على الوالدين وأبرز هذه الحقوق التربية الدينية والأخلاقية السوية التي تجعلهم عناصر مفيدة وصالحة للأسرة والمجتمع، وكلما أحسنّا تربية أولادنا على الفضائل كانت بيوتنا مستقرة وهادئة وكانت هذه البيوت في حراسة الخالق سبحانه وتعالى .

والسؤال المهم الذي نبحث عن إجابة عنه هنا: ما واجب الآباء والأمهات تجاه أبنائهم وكيف يحصنونهم بالتربية الأخلاقية؟

في البداية يوضح المستشار التربوي، الدكتور صالح عبدالكريم، أستاذ التربية في جامعة عين شمس، أن هناك خطأ فادحاً يقع فيه الكثير من الرجال في عالمنا العربي والإسلامي وهو التخلي عن دورهم الأبوي في تربية وتوجيه الأبناء، حيث ينشغلون بلقمة العيش وتأمين المستقبل المادي وتكوين الثروات ويعتمدون على الأم اعتماداً كلياً، حيث تجد الأم نفسها تحمل وحدها مسؤوليات تربوية لا طاقة لها بها فتتملص هي الأخرى من دورها وتبحث لنفسها عن تفوق في العمل أو دخل إضافي أو صداقات وعلاقات تلهيها عن غياب الزوج، والضحية الوحيدة هنا هم الأبناء .

أبقى من المال

ويقول: يجب على كل أب وأم أن يدركا أن تربية الأبناء وتنشئتهم على الحق والهدى أثمن وأغلى ما يورثانه لهم، بل إن ذلك أنفع وأبقى من المال الزائل الذي قد يكون سبباً للفساد . فمهما يكن الإغراء بتوفير حياة مادية مرفهة فهو لا يساوي أبداً ضياع أولادهم وفساد دينهم وأخلاقهم، فلن تتحقق السعادة لهم حينذاك، وعندما تقوم الأسرة بدورها تستطيع أن تكمل المدرسة اللبنة الطيبة؛ لأن نجاح الابن وتفوقه في حياته مرهون بسلامة المتلقي واستعداده لذلك، وهو استعداد لا يتوافر إلا إذا صنعه البيت .

ويشير الدكتور صالح إلى أنه لا يمكن لعاقل أن ينكر الجهد الذي يقوم به كل أب يكدح ويشقى لكي يوفر لأهله حياة مستقرة، وقد يصل الليل بالنهار في العمل والكفاح من أجل توفير مقومات الحياة الكريمة لهم، ومثل هذا الأب لا يستطيع أحد أن يلومه أو ينكر عليه هذا الجهد المضاعف الذي يبذله من أجل أولاده، لكن ما يحدث أن كثيراً من الآباء لتحقيق متطلبات أولادهم يخرجون لعملهم في الصباح قبل أن يستيقظ الأبناء ويعودون في المساء بعد أن يناموا، ولا يرى الابن أباه إلا في أيام العطلات .

وينبه الدكتور صالح هنا إلى أن الأسس التربوية الحديثة في تنشئة الأطفال والمستمدة من قيم الدين ومبادئه كفيلة بتخريج نشء صالح، إلا أن الواقع يكشف غياب هذه الأسس عن أذهان الآباء والأمهات رغم ارتفاع نسبة التعليم، ويقول: لقد كانت حياة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتربيته أبناء الصحابة منهاجاً يهتدي به السلف الصالح، لذا خرجت الأجيال التي أتت من بعدهم نافعة صالحة لا تعرف الانحراف الذي صرنا نعانيه اليوم نتيجة غياب هذه التربية والقدوة وعدم التزامنا بالقيم والمبادئ التي وجهنا إليها ديننا الحنيف، ويحذر الآباء والأمهات من سياسة الحرية المطلقة أو ترك الحبل على الغارب التي يتبعها البعض، لأن هناك منافذ عدة يمكن للانحراف أن يدخل منها إلى الأبناء، منها: أصدقاء السوء الذين هم أكثر تأثيراً في أقرانهم، أكثر من البيت نفسه، وبالتالي يفرض هذا على الأب مراقبة الأبناء ومعرفة أصدقائهم .

مائدة طعام واحدة

الدكتور محمد عبدالرحمن حمودة، أستاذ الطب النفسي في جامعة عين شمس، يرى ضرورة تناول الطعام على مائدة واحدة تجمع أفراد الأسرة، لأن هذا الأمر يضفي على العلاقة دفئاً وحميمية، ويحذر من سلوكات الجيل الجديد الذي أصبح يتناول طعامه خارج البيت أو داخله في أوقات مختلفة، ويرى أن ذلك جعل أفراد الأسرة غرباء عن بعضهم بعضاً يعرف الواحد منهم عن الفنان أو لاعب الكرة أكثر مما يعرفه عن أخيه أو أخته، وأصبحت الأسرة العربية تشكو من ظاهرة الصمت والجفاء .

ويحذر الخبير النفسي من انفراد أحد الزوجين بعبء التربية الذي يجب أن يتحمله الزوجان معاً، ويقول: لا يجوز للأب أن يترك أبناءه من دون رعاية، بل يجب عليه أن يجلس معهم جلسات يومية، يتعرف إلى أخبارهم ويستمع إلى ما فعلوه في يومهم ثم يوجههم ويرشدهم إن أخطأوا ويشجعهم إن أصابوا، حينئذ تسود روح التفاهم والتعاون بين أفراد الأسرة، ولا يجوز في هذه الحالة أن يستأثر أحد الطرفين بهذه المهمة ويهمش دور الطرف الآخر نهائيا، فالأم عليها أن تدرك أن الأب لا غنى عنه مهما تصورت نفسها قوية وحازمة لا يمكن لها أن تحل محله، كما أن الأب لا يستطيع مهما فعل أن يعوض الأبناء عن حنان أمهم ويعمل في شخصيتهم بما يمكن لها أن تفعل .

ويشدد الدكتور حمودة على الآباء والأمهات بأن التربية مسؤولية كبيرة سيسألون عنها يوم القيامة، فكما قال تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه حسنا، قال جل شأنه: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس الحجارة . لكن للأسف الشديد والكلام للدكتور حمودة يرى بعض الآباء أن القسوة والعنف مع الأبناء هما الطريق للتربية السليمة، رغم أن هذا الأسلوب أثبت فشله على مر العصور، وكما قال النبي، صلى الله عليه وسلم: إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف .

ويضيف: الطفل الذي تظهر عليه مظاهر التمرد والعصيان هو أكثر شخصية تحتاج إلى التعامل برفق ولين، والتمرد أمر يحدث كثيراً مع الأطفال والمراهقين ويكون في أغلب الأحيان من مظاهر النمو والرغبة في الاستقلال والإحساس بالذاتية، وهو بهذا الاعتبار يحتاج إلى رعاية وعناية وحسن تعهد حتى يحصل الآباء على الثمرة الطيبة ويكونوا أسعد الناس بها .

ويحذر الدكتور حمودة الآباء من إهمالهم واجباتهم في التربية ويقول: الدور الأبوي يأخذه الولد عن أبيه باعتباره المثل والقدوة، ومن هنا فلا بد من وجود الأب في الأسرة، والحياة مملوءة بالنماذج التي يغيب فيها الأبوان أو أحدهما عن الأسرة وتكون النتيجة ما لا تحمد عقباها .

جيل سويّ

الدكتور صبري عبدالرؤوف، أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر، يؤكد أن تربية الأبناء ليست مجرد أفعال وأقوال وإنما هي حقوق يجب أن تؤدى كاملة غير منقوصة . لكن للأسف كثير من الآباء والأمهات يغفلون هذه الحقوق أو يقصرون في الوفاء بها، وكثيرون لا يعلمون بوجودها أصلاً، وأكثر العلماء والمتخصصين مقصرون في بيانها والتذكير بها .

ويقول: الأولاد هم زينة الحياة الدنيا، وهم أمنية كل زوجين، لذا يجب على الأبوين أن يبذلا جهدهما لتربية الأبناء أحسن تربية ليكوّنوا ذرية صالحة، تأتمر بأوامر الله وتنتهي عما نهى عنه، أما إذا ترك الزوجان الأبناء من دون تعهد أو تربية سليمة فإنهم يكونون نقمة لا نعمة .

ويضيف: لقد جعل الإسلام للطفل حقه في الرعاية الدائمة والحكيمة من والديه بداية من مهد صحي سليم ومناخ عائلي مستقر وأب وأم يتقيان الله ويقومان بحقوق أبنائهما خير قيام منذ اللحظات الأولى التي يفكران فيها في الزواج . وأول هذه الحقوق التي كفلها الإسلام للطفل حقه في اختيار اسم حسن له، فهو في طفولته لا يملك من أمر نفسه أو اسمه شيئاً، لذا كان حقا له أن يختار الأبوان له اسماً حسناً لا اسماً سيئاً أو مكروهاً يتحرج منه بعد ذلك عندما يكبر .

ويرى الدكتور صبري عبدالرؤوف أن تعاون الزوجين في التربية يقتضي تعهد الأبناء بالرعاية وقضاء حوائجهم من غير تقتير ولا إسراف ومن دون تفرقة أو تفضيل لأحدهم على الآخر، ويقع عبء التربية الأكبر على الأم؛ لأنها تشارك طفلها نهاره وليله وتطعمه وتسقيه وتمنحه الحنان والدفء وتعلمه مبادئ الدين وتعاليمه وكيف يأخذ النافع ويترك الضار وغير ذلك حتى يشب نافعاً لأسرته وأمته ونفسه .

رسالة المسجد

ويلتقط خيط الحديث الدكتور عبدالله بركات، العميد السابق لكلية الدعوة في جامعة الأزهر، ليؤكد هو الآخر أن الشريعة الإسلامية أمرت الأبوين بتعليم أطفالهما كل ما يعود عليهم بالنفع في الدنيا والآخرة، ولا يمكن الاستغناء عن دور أحدهما في القيام بهذه المهمة، فلكل واحد منهما طابعه في حياته وأهميته في تكوينه، ولا يغني أحدهما عن الآخر، فالتربية الدينية الصحيحة تنطلق من الأسرة وتبدأ بالمحاكاة والتلقين ويحرص الإسلام على أن يكون الآباء والأمهات قدوة طيبة لأطفالهم، فلا يكذبون ولا يمارسون أمامهم سلوكيات مرفوضة دينياً وأخلاقياً ولا يهملون الواجبات الدينية والاجتماعية والإنسانية حتى لا ينشأ الصغار على هذا السلوك المرفوض دينياً واجتماعياً .

ويضيف الدكتور بركات: المؤسسات الدينية، خاصة المساجد، تقع عليها مسؤولية كبرى في تنبيه وتذكير الآباء بواجباتهم الدينية تجاه أطفالهم، فالأب عليه مسؤولية كبرى في التربية والتوجيه وتقويم السلوك، والعلماء والدعاة يذكرون دائماً بهذه الواجبات، وتنصح الأم بأن تدرك مسؤوليتها تجاه أولادها وتحترم وقتها فلا تضيعه في الثرثرة عبر الهواتف والجلوس في النوادي ولا في الجلوس بالليالي والساعات الطويلة، أما ما نراه من مشاهد فلا تبنى عقلاً ولا تشكل شخصية، فإذا أدركت المرأة نضجها وقوة إرادتها واحترامها مسؤولياتها وقيمتها كراعية لأسرتها سوف تنجح في تربية أجيال وتفهم مغزى حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في تحميلها حق المسؤولية وحق أن تكون راعية في بيتها لزوجها وأولادها .

أما الأب والكلام للدكتور بركات فعليه ألا يضيع حق أولاده في التربية فيلقي بالمسؤولية كاملة على الزوجة؛ فهو المسؤول الأول عن متابعة أولاده ومراقبة سلوكهم وتصرفاتهم وتوجيههم أولاً بأول حتى لا يترك أبناءه لتقاليد سيئة أو عادات قبيحة تضيعهم، فقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جاء في الحديث الصحيح: ألزموا أولادكم وأحسنوا أدبهم .

فتلك هي مسؤولية الآباء وواجباتهم تجاه الأبناء، وهي تأتي في مقدمة الحقوق الأخرى الحسية والمادية من مطعم ومشرب ومسكن وغير ذلك، بل إنها ألزم وأوكد منها، لأنه بتلك الآداب تقوم النفس وتصلح الروح والإنسان بنفسه قبل جسمه .

ويشير أستاذ الدعوة إلى أن الأطفال تربة خصبة تستقبل وترعى ما يغرس فيها من نبت سيئ أو طيب، والخطر أن نتجاهل أهمية الغرس المبكر للدين والعبادة، ويقول: إذا بلغ الطفل العاشرة ولم يستجب للمواظبة على الصلاة كما تعلمه أمه فهنا علينا أن نلجأ لضربه ضرباً رمزياً لإخافته ودفعه إلى الالتزام، وهو ما طالبنا به الرسول، صلى الله عليه وسلم: مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر .

كذلك يجب تعويد الطفل على الصيام، فيبدأ من سن 6 سنوات بشكل تدريجي، ويجب على الأبوين أيضاً أن يكونا قدوة في تعليم أطفالهما ذكر الله وتسبيحه وقراءة القرآن أو الاستماع إليه وحفظ أجزاء منه .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"