سوق دبي الكبير ذاكرة التجارة والمعمار

أقيم قبل 160 عاماً على ضفاف الخور
13:04 مساء
قراءة 5 دقائق

قبل160 عاماً، وعلى الضفة الشمالية لخور دبي شيد السوق الكبير في منطقة ديرة، حيث كان ولا يزال يشكل أهمية بالغة للتجارة في دبي، بسبب علاقته المباشرة مع الميناء الممتد على الخور، كما يعد السوق جانباً ومهماً من شخصية دبي، يحتفظ في أركانه بذاكرة التجارة التي نشطت عبر العصور وقد كان الحفاظ على الشخصية المعمارية للسوق الكبير وإحياء ملامحه الأصلية، تمسكاً راسخاً بالتراث الأصيل للمدينة وفهماً متواصلاً لشخصيتها التجارية والمعمارية .

يشتمل على عدد من الأسواق الصغيرة، أهمها سوق الفحم الذي يباع فيه الفحم، والحطب، وأوراق الطباق، والأدوات السعفية، وسوق المناظر والذي تباع فيه المرايا القديمة ذات الزخارف المزينة برسوم الطيور، والأشجار، التي كانت تجلب من بلاد الهند، كما يضم، سوقاً صغيراً للعطور تباع فيه أنواع العطور، والبخور، والعود، والصندل، وأوراق الورد، إضافة إلى أدوات العطارين .

وكان يحوي عدداً من الأسواق المتخصصة مثل سوق الذهب، الذي يقع بين منطقة الراس التاريخية وسوق منطقة السوق الكبير .

سعيد يراج، أحد التجار الذين توارثوا العمل في التجارة عن آباءهم وأجدادهم، وانتقلت تجارتهم من جيل إلى آخر، عن تجربته وحياته داخل السوق يقول: يعود المحل الذي أعمل فيه داخل السوق الكبير إلى جدي إبراهيم علي، وعلى الرغم من دارستي في الجامعة الأمريكية، وعملي عدة سنوات في مطار دبي، إلا أن العمل في التجارة مهنة توارثتها عن أجدادي، وعندما أحتاج الأمر إلى وجودي بالسوق، لم أتردد في تحمل المسؤولية .

ويضيف: تعود الرخصة التجارية لهذا المحل إلى العام ،1964 وهو من أقدم المحال التي عرفتها دبي قبل الاتحاد، وحسب ما ذكر لي والدي فكنا قبل هذا التاريخ نعمل في التجارة منذ العام ،1950 وتمتلك أسرتي عدة محال تعمل في تجارة التبغ والدخان، ولكن مع تطور الحياة التجارية في دبي، وتأسيس الدائرة الاقتصادية تقدمنا للحصول على رخصة لهذا المحل في السوق الكبير .

وعن تطور التجارة يقول: بدأ أبي وعمي العمل في تجارة التوابل بشكل محدود، فكانا يجلبان بعض التوابل مثل الكمون والفلفل الأسود واللومي من إيران، إلى أن تطور الأمر بهما إلى العمل في تجارة الجملة والتجزئة، حتى وصل بنا الأمر استيراد بعض التوابل من البرازيل وغواتيمالا والعديد من الدول، وتنوعت أنواع التوابل واستخداماتها بشكل كبير .

ويؤكد يراج على خصوصية السوق المعمارية والتجارية القديمة، في جذب أعداد كبيرة من الناس، لاسيما السياح، لشراء الكثير من الأشياء والتي لا تتوافر في المتاجر الحديثة . وهو ما أدركه من خلال تأجيره لأحد المحال في أحد المراكز التجارية الحديثة في متجر عصري، ليبيع فيه التوابل والأعشاب، ووجد أن السر ليس في البضائع فقط، بينما المكان له تأثيره، وقصص يسطرها الماضي بأصالته وعراقته .

اما أيوب رحيم فيدير تجارة أسرته التي بدأ عملها داخل السوق منذ 60 عاماً، حيث تطور المحل من مكتب لاستيراد وتصدير البضائع، إلى محل لبيع تجزئة العطارة والأعشاب .

وعن ذلك يقول: تعود الرخصة التجارية لهذا المحل إلى 60 عاماً، حيث كانت تجارة عائلتي تدار من خلاله وكان في البداية مقراً لتصدير واستيراد البضائع من إيران، ثم تطور الحال إلى أن يصبح أحد محال التجزئة، وأقف فيه أنا وأخي لبيع الأعشاب العطرية والطبية والعطارة .

وحول حركة الإقبال على الشراء يضيف: ينفرد السوق الكبير عن بقية الأماكن داخل دبي بأنه يجمع بين المتعة والتنزه والشراء في آن واحد، لأن الكثير من الناس لا سيما الأجانب يأتون إلى السوق بهدف التعرف إلى التراث والمناطق التي مازالت تتمتع بالطابع القديم . ثم تأتي بعد ذلك عملية الشراء، بجانب الزبون القديم الذي تعود على شراء احتياجاته من التوابل والأعشاب .

وداخل كافتيريا جعفر في السوق الكبير، التي تأسست قبل60 عاماً، يقف رمضان رضا عباس، يقدم لزبائن السوق العصائر والمشروبات المثلجة .

وبوجهه البشوش المضياف يقول: أعمل في هذا المكان منذ 32 عاماً وكنت أقدم للزبائن عصير الليمون البارد فقط، وكنت أضعه في غرشات المياه الغازية، وأقدمه بارداً للزبائن، لكن الآن تغير الوضع تماماً وأصبح المكان مزود بماكينات عصر الفاكهة والثلاجات، ونقدم للزبائن كل أنواع المشروبات، لاسيما مع في فصل الصيف حيث تساعد حرارة الجو في زيادة الإقبال على العصائر الباردة .

وحول ما يتذكره عن السوق يقول: كان عدد المحال لا يزيد على 25 وكانت الأبواب زجاجية، والمحال مصنوعة من سعف النخيل بعدما كانت من الجص، وكان هناك باب كبير يغلق يوميا على المحال كلها، وكانت البضائع تأتي من عمان وكان اغلبها يعمل في الفحم والتبغ، إلى جانب الرطب والفاكهة .

وأمام أحد محال بيع التوابل كانت ميشيل جونسون، بريطانية، تبحث عن الزعفران الأحمر، الذي تذوقته في أحد الطباق العربية عند أحد أصدقائها العرب، واردات أن تجرب أن تطهو الأرز الأحمر بالزعفران، وعندما سألت عن مكان شرائه وصف لها الأصدقاء طريق السوق الكبير .

وعن ذلك تقول: جئت إلى هنا لأشتري الزعفران، لكنني اكتشفت في السوق أشياء كثيرة بحاجة إلى التجربة، مثل أعشاب العناية بالبشرة والليمون المجفف والبهارات الهندية والإيرانية، في كلها أشياء تباع داخل السوق بأسعار رخيصة مقارنة بأسعارها في أوروبا .

وحول رأيها في المكان تضيف: يقع السوق في مكان متميز على خور دبي، إضافة إلى أنه تحفة معمارية مازالت تحافظ على رونقها وجمالها التراثي، وأعتقد أني سأعود إلى هذا المكان للاستمتاع به في الشتاء .

وعلى الرغم من الزحف العمراني الذي يحيط بالمناطق التاريخية في دبي، تعبيراً عن النمو الاقتصادي لها، إلا أن إدارة التراث العمراني قامت بإعادة ترميم السوق الكبير، للحفاظ على تصميمه وطرزه المعمارية .

وعن ذلك يقول المهندس بدر محمد آل علي، رئيس قسم دراسات التراث العمراني، هدف مشروع ترميم السوق الكبير إلى استبدال المحسنات التشكيلية والمعمارية، التي أُضيفت قديماً، وفق توجهات الحداثة والعصرية بعناصر من التراث المعماري للمدينة، كذلك سعى المشروع إلى التأكيد على الشخصية الأصيلة من خلال العمل على ترميم المباني التقليدية وصيانتها، على النحو الذي يسمح بمباشرة النشاط التجاري من دون اللجوء إلى تعديلها أو استبدالها .

كما حرص مشروع التجديد على إحياء الصورة التشكيلية والبصرية للسوق التقليدي ذي التاريخ الممتد، مع استرجاع العناصر المعمارية التي فقدها عبر سنوات الحياة والنشاط، مثل أبراج الهواء أو البراجيل، ولافتات الدكاكين وأبوابها المصنوعة من خشب التيك، ولم يهمل المشروع العناصر الحديثة مثل المكيفات والإضاءة والتجهيزات الكهربائية، ولكنه سعى إلى عدم سيطرتها على البناء المعماري والصورة الجمالية للفراغات . وتأكيد الخصوصية المعمارية لأسواق دبي التقليدية، باعتبارها عنصر جذب يوازي في أهميته خصوصيتها التجارية . وأضاف: بدأ مشروع الترميم العام 1994 بمراحل متعاقبة، أولاها إجراء المسح المعماري، ثم تحليل أوضاع الإنشاء ومعمار المباني، وقد تمت الاستعانة بالوثائق التاريخية والصور المسحية القديمة للوصول إلى الملامح الأصلية للمباني .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"