كتابُ النسيان

حل وترحال
03:37 صباحا
قراءة 3 دقائق
في "كتاب النسيان"، يمزجُ الشاعر الفرنسي برنار نويل بين الفلسفة والشعر على نحْوٍ فريد . وأما الشاعر العربي محمد بنيس، الذي ترجم الكتاب، فقد استطاع أن يضَعَهُ في العربية على نحْوٍ فريد . وقد احترمَ المترجمُ إرادة المؤلف في توزيع مادّة الكتاب، آخذاً بالاعتبار - كما أوضحَ في المقدّمة - "التصورَ العامّ لفضاء الصفحة وطريقة ترتيب المقاطع، كما لو كان توزيعاً لتأليفٍ موسيقيّ" . والكتابُ في صيغته العربية صادرٌ عن دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، 2013 .
العمق والشفافية، الكثافة والرشاقة، الومض والاستغراق، البساطة والتبصر، الاستخلاص والتشريح، وغيرها من الثنائيات ذات الطبيعة التناقضية نجدُها مجتمعةً أو مبثوثةً في "كتاب النسيان"، الذي هو نص واحدٌ في ثمانين صفحة، ولكنه، في ما يبدو،لم يُكتبْ كدفْقةٍ واحدة، ولا انطلاقاً من تجربةٍ مرتبطةٍ بحالةٍ واحدة، وإنما الأرجحُ أنه كُتِبَ على مدى فترةٍ طويلةٍ نسبياً، وانطلاقاً من حالاتٍ أو مواقفَ متفرّقةٍ أو متباعدة . ويشيرُ المترجمُ إلى هذا الأمر في المقدّمة إذْ يقول عن محتويات الكتاب: "إنها ملاحظاتٌ شرَعَ (المؤلف) في كتابتها سنة 1979 ولم تُنْشَرْ مجموعةً إلا في نهاية السنة 2012" .
"كما الورقةُ تنفصلُ عن الشجرة
وتنساها
تحتاج الصيرورةُ إلى النسيان"
النسيان إذاً حاجة، كالذاكرة التي هي حاجةٌ أيضاً . هما ضروريان لكل صيرورةٍ أو تحول . وكيف للزمن أنْ يجريَ أو يتمهلَ أو يوهمَنا بالتوقّف دون أنْ يكون لجريانه أو تمهله أو توقّفه الموهوم علاقةٌ بالذاكرة (أو التذكر) وبالنسيان؟
النسيان ليس نقيضاً للذاكرة أو التذكر . بل هما متكاملان في مجرى الصيرورة .
بمثل هذا التبصر، يُقدمُ لنا برنار نويل تشريحه للنسيان (بحسب تعبير بنّيس) .
يُقدمُ لنا كتاباً مفعماً بالمرامي البعيدة أو القريبة، وبالإصابات التي تبدو لنا في الغالب سديدةً أو مُحْكَمة . وكلّ ذلك من خلال شذراتٍ أو عباراتٍ أو مقاطعَ يمكنها أنْ تكونَ مستقلّةً بعضها عن البعض الآخَر، ويمكنها أيضاً أنْ تندرجَ في سياقٍ منظمٍ يُشكلُ بنيةً لنص تتضافرُ أجزاؤه وتتكامل .
"عندما يكون كل شيءٍ على أحسَن ما يُرام، يكون الجسدُ هو نسيان الجسد" .
واللغة، ألا تكون هي نسيان اللغة عندما يكون كل شيءٍ على أحسن ما يُرامُ في الكتابة خصوصاً في الكتابة الأدبية . فنحن إذْ نستغرقُ في قراءة نص أدبي يأخذُ بمجامعنا، ننسى لغتَهُ وكأنّها غائبة، وهي التي تكون حاضرةً حضورَها القويّ، على نحْوٍ يجعلُنا نتشرّبُهُ دون أنْ نكابدَهُ، أو حتى أنْ نشعرَ به .
وغيابُ الشيء لا يعني انعدامَهُ، بل يعني حضورَهُ في النسيان . والحضورُ في النسيان قد يكون "يقينياً" أكثرَ من الحضور في الذاكرة .
"النسيان عكسُ العدم . إنه يقينيةُ الغياب"
لكم هي عميقةٌ وجذابةٌ ورشيقةٌ معالجةُ "نويل" للنسيان، ولعلاقته بالذاكرة، وبالزمن، وباللغة، وبالكتابة . . . خصوصاً بالفقدان .
"ما يمضي لهُ مسكنُهُ في النسيان"
لقد أثارني هذا الكتاب . جعلني، وأنا أقرؤهُ، ألعبُ مع نفسي لعبةَ التذكر والنسيان . جعلني أفكرُ في ما نسيتُهُ وفي ما فقدْتُهُ . وإذْ بي أستعيدُ قصيدةً كنتُ كتبتُها قبلَ خمسةٍ وثلاثين عاماً، عنوانُها "الأشياء المفقودة"، وهي الآتية: "ما نفقدُهُ/ كيف لنا إذْ نتذكّرُ أنْ نعرفَ ما حل بهِ/ يُغْرينا أنْ نتسقّطَ عنه الأخبارَ/ أيبقى مفقوداً؟/ ما أقساهُ إذا جاءَ لينهشَ في ثقبٍ خلّفَهُ في البال/ يجيءُ كمن يبحثُ عن شيءٍ مفقودٍ/ يتسللُ/ ينسل/ يغيبُ . . ./ وقد لا يرجعُ/ ماذا يصنعُ في غيْبتهِ/ هل أحدٌ صادفَ شيئاً مفقوداً/ هل يتدبّرُ سُكْنى ومشاغلَ؟/ يلعبُ؟/ ينسى؟/ يفقدُ؟/ ماذا يصنعُ في غيْبتهِ؟/ هل تتجمّعُ كل الأشياء المفقودة في وطنٍ؟/ في وقتٍ؟/ وتفكرُ؟/ أو تتبعثرُ؟/ أو تتلاشى؟/ أجلسُ أحياناً/ أجلسُ للذكرى/ وتكر الأشياءُ المفقودةُ أعباءً ومخاوفَ/ لا شيءَ سوى الأشياء المفقودة" .
لقد أثارني "كتابُ النسيان"، لمؤلّفه برنار نويل ومترجمه محمد بنّيس، بعُمْقِهِ وجاذبيتهِ ورشاقته . جعلَني أحتفي بكل ما فقَدْتُهُ أو نسيتُهُ . فكل ما يمضي لهُ مسْكنُهُ في النسيان .

جودت فخر الدين
[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"