في إطار الأنشطة الأدبية المصاحبة لاجتماعات المكتب الدائم للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب احتضن مقر اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في أبوظبي مساء أمس الأول أمسية شعرية أحياها سبعة شعراء هم عبد السلام بوحجر من المغرب، إبراهيم بوهندي من البحرين، عبد القادر الكتيابي من السودان، محمد طيبي وعدالة عساسلة من الجزائر، رجاء القحطاني من الكويت، وعبد الهادي القمري وطلال سالم من الإمارات، وقدّم للأمسية الكاتب إسلام بوشكير .
قصائد الشاعر عبدالقادر الكتيابي كانت محكمة السبك جزلة الألفاظ، ذات نزعة بيانية قوية تجمع كل خصائص شعر العمود التقليدية، وتوحي بأن الشاعر قد خبر طرق شعر الأقدمين، وامتلك ناصية البيان، واستطاع أن يقدم لمسات تصويرية ملحوظة . . يقول من قصيدة حسبي قبست السنا:
أهذي وخصلاتها السكرى تغالطني
بين الهواجس في ما لا أرى وأرى
فلتعصف الريح في أضلاع أشرعتي
وليصعد الموج في صدري إذا قدرا
فالشعر واشج في الأمشاج أنسجتي
قد كان لي قدرا، من يدفع القدرا
الشاعرة عدالة عساسلة قرأت نصا من قصيدة النثر اتكأت فيه على تكرار لازمة سردية هي أجيء من فجاج التي تفتتح بها فقرات نصها، وفي كل مرة يتغير الفضاء الذي تجيء منه، ففي الفقرة الأولى من نصها بدأت بأجيء من فجاج الفوضى لتفتح ذهنية المتلقي على شكل تلك الفوضى التي خلفتها وراءها، والتي تشي عبارات سراديب الروح، تصحر الأوج، وتفجع المطرقة بأنها فوضى هدامة، وفي المقطع الثاني تنقلنا الشاعرة إلى فضاء آخر أجيء من فجاج العصيان التي تنفتح على التمرد والثورة، المقطع الثالث أجيء من فجاج التورط لكن التورط هنا هو تورط بالإنساني والعاطفي . . تورط بالحب، وفي المقطع الرابع أجيء من فجاج الاغتراب، فتبدو ملامح الحياة كئيبة راكدة، وفي المقطع الخامس أجيء من فجاج البوح، حيث الشكوى والحنين لعل الروح والجسم أن يسترخيا ولو في لحظة ضياع .
نص عساسلة في مجمله نص مباشر، وإن كانت تستعيد خلاله الكثير من الاستخدامات التعبيرية الرائجة في الشعر المعاصر، وقد أنقذها الاتكاء على اللازمة المكررة من السقوط في التقريرية التامة، تقول:
أجيء من فجاج العصيان / تجترني الغد / تفضحني نفسي / أمام العادات والتقاليد / أنظر للخلف قليلاً / الأرض لا تستسلم
الشاعر إبراهيم بوهندي قرأ قصيدة رمضان وهي نص من شعر التفعيلة أقامه على توتر المقابلة بين لحظتين في حياة شخصية سماها رمضان، هما اللحظة الحاضرة التي يبدو فيها رجلاً هرماً صامتاً محدقاً في الفراغ أمام ناظريه، فتشعل عيناه الذكريات البعيدة في رأسه، كي تعود بسمته وترحل بين آونة وحين، ومع العودة والرحيل تتدحرج قصيدة بوهندي راسمة تقلبات روح ذلك الرجل المثقل بالسنين بين الحاضر والماضي في لحظات كالبرق لا تجيء إلا لتنسحب، يومض في ذاكرته النخيل وزرقة البحر والاحتماء بظل النخلة من لهب الشمس الحارق، ثم يعود لحاضره يتفرس وجوه العابرين، ثم تومض فيه ذكرى الشباب والقوة والآمال العريضة والبهجة البريئة والحب الذي ملك قلبه ثم يرتد أيضاً لحاضره الأسيف، وهكذا بنوع من السردية الاسترجاعية يطوف بنا الشاعر في حياة رمضان التي استحالت رماداً خامداً بعدما كانت تشع بوهج الحياة، وبعدما ضربته الخيبات المتتالية التي قضت على كل آماله، وقد أعطت هذه التقنية السردية والمقابلة الضدية للقصيدة شيئا من التوتر والتشويق، يقول بوهندي:
رمضان يذكر أنه / لما رأى ما خبأت / عما سواه / ورتلت في صمتها / رمانة في دربه / عرفت لها خلجاته / خفق التجلي / حين يدركه الغرام .
الشاعر رجاء القحطاني في رفيق الجرح يحمل الكثير من دلالات الحيرة، فالذكرى مبعثرة كأنها حطام مدينة والحاضر لا يمكن التحقق من مآلاته، وجراح الخيبة لا تزال تنزف حتى لتوشك أن تسلم صاحبها إلى الموت، والملاحظ أن القحطاني يسرف في تكرار معنى الخيبة والحرمان بعبارات كثيرة يحشدها حشداً، ويراكمها، من دون أن يكون ذلك نابعا من توتر داخلي يولد المعنى، ويحفز الصورة، يقول القحطاني:
صادم غارة الحرمان / واهزمها ولا تهزم بقية وجهك المنسي / في دوّامة الدنيا / نبض عاطفي / يثير جنون قافيتي / ويدفعني إلى اللاشيء من أسطورة الماضي .
الغربة الروحية هي الثيمة التي تدور عليها قصائد الشاعر طلال سالم وهي لا وصول غربة وطوفان وغفوة التعب وطفل كسير وعلى عكاز الفجر، وأول ما يحيل على الغربة هو تلك الأسئلة الحائرة التي تضج بها قصائد الشاعر، فهي أبرز خاصية أسلوبية لديه، ففي قصيدة لا وصول صدّر كل سطر من الأسطر السبعة الأولى بسؤال، ولنا تخيل عظم الحيرة التي يعيشها الشاعر، وعمق الخيبة التي يحس بها بعدما تلاشت الأحلام وأصبحت بلا رمق، واختزلت الأماني البيض، ويتكئ الشاعر على الإيقاع بشقيه، إيقاع البحر الخليلي، والإيقاع الداخلي الذي يصنعه عن طريق تنويعات أسلوبية تكسر الرتابة، مثل تكرار الأسئلة، وغير ذلك ألوان الإيقاع الذي يعمق الإحساس بالغربة والحيرة، يقول الشاعر:
وبعض ما ينتشي من جرح أغنيتي
يأس قديم بِحرْفي كاد يندمل
يأتي كحب تمادى في غوايته
وحين يأتي، أيأتي وهو يبتهل
يأتي كليلى، كسلمى في تسكعها
يأتي سرابا بهذي العين يكتحل
الشاعر محمد طيبي قرأ من قصيدته وجع الوقت التي مزج في مقاطعها بين البحر الخليلي وقصيدة التفعيلة، كنوع من المواشجة بين طرق الكتابة الشعرية، وبحث عن شكل جديد للإيقاع، وهو يتمتع بأسلوب سلس وقدرة جيدة على اختراع الصورة الشعرية، يقول:
لعله عصر الموجات في دمه
وثاب يسأل علّ الشوق أصحاه
يا رحلة الروح . . يا أسفار قافية
كوني رذاذا إذا ما الوجد أذواه
لشاطئيك لقاء عند رجفته
ويوشك الماء في التسبيح يغشاه
لسوف يغرق في الميقات مغتسلا
بنوبة الحال كي يختار رؤياه
أما عبد السلام بوحجر، فقد قرأ قصائد ركّز فيها على التكرار اللفظي كحامل للمعنى، ويبدو في شعره تقريرياً مباشراً:
ومها . . آه مها . . أن ترى الناس قد نظروا نحوها
تابعوا . . نبضها . . قدها . . حزنها . . حلمها
آه مها . . أن ترى عاشقين قد قدموا نحوها
هي لا تستطيع أن ترى لحظة حسنها .
الشاعر عبد الهادي القمري بدا في قراءته متأثرا محملا بعشق للإمارات، وما تفتحه أمام الشعراء من أفق للإبداع، ويبدو القمري متمكنا من ناصية الشعر، محكم العبارة، مسترسل الصورة .