دين الله.. ثورة أخلاقية وفكرية

كتاب «فجر الإسلام» لأحمد أمين
04:15 صباحا
قراءة 5 دقائق

كتب: عثمان حسن

«كان للإسلام أثر كبير في تغيير قيمة الأشياء والأخلاق عند العرب، فارتفعت قيمة أشياء، وانخفضت أخرى، وأصبحت مقومات الحياة في نظرهم غيرها بالأمس.
وقد لاقى النبي صلى الله عليه وسلم صعوبات كبرى - في نقلهم من عقليتهم الجاهلية إلى عقليتهم الإسلامية».
هذا النص من كتاب «فجر الإسلام» للمفكر الإسلامي أحمد أمين وقد صدرت طبعته الأولى عام 1929، وهو واحد من سلسلة تتألف من 3 كتب ضمت «ضحى الإسلام» و«ظهر الإسلام»، والكتاب يبحث في الحياة العقلية في صدر الإسلام إلى آخر الدولة الأموية، وفيه أرخ أمين لحياة العرب المسلمين الفكرية وبدايات تشكل نزوع عقلي تطور في ما بعد، فسطع ضوؤه.
يدلل أمين على الصعوبات التي واجهها الإسلام في بداياته حيث يورد قول ابن عباس: «والله إن كان المشركون ليضربون أحدهم ويجيعونه، ويعطشونه، حتى ما يقدر على أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، وحتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم.. الخ، حتى اضطر كثير منهم بعد خمس سنوات من الدعوة أن يهاجروا إلى الحبشة، فهاجر نحو مئة ممن أسلم، وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم في مكة مع عدد قليل من أصحابه، ولم ينتشر الإسلام، وبعبارة أخرى لم تنتشر العقلية الجديدة إلا بعد الهجرة إلى المدينة، وانهزام قريش حربيا. وحقا أن هذا النزاع بين النبي الكريم وقريش أولا، ثم بين المدنيين والمكيين ثانيا، ثم بين من دخلوا الإسلام ومن لم يدخلوا، إنما هو نزاع بين عقليتين: عقلية وثنية تباح فيها اللذائذ، وتمنح فيها الحرية إلى حد بعيد، وتقدر فيها الأخلاق تقديرا خاصا، وعقلية أخرى موحدة تداس فيها الأصنام، وتمتهن، وتكسر من غير هوادة، ولا تباح فيها اللذائذ إلا بمقدار، وتدفع فيها الضرائب ليصرف منها للفقراء وللصالح العام، وتقيد فيها الحرية بجملة قيود: عبادات في أوقات خاصة، واحترام ملكية واحترام نفوس، وتقلب فيها قيمة الأخلاق قلبا: فالانتقام والأخذ بالثأر لم يعد خير الخصال، وهلم جرا. وقد عبر خير تعبير عن الفرق بين الحالتين ما روي أن جعفر بن أبي طالب قال للنجاشي، وقد سألهم عن حالهم: «كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، حتى بعث الله علينا رسولا منا، نعرف حسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى».

روح جديدة

وفي هذا النص يذكر أمين العديد من المواقف التي غيرت في المفاهيم، كمفاهيم الشجاعة، والأنفة، والعدل، والأمانة، والصدق، والعمل وغيرها، وعلى المستوى الأخلاقي فقد حركت روح الإسلام عند العرب نزعة التفكير في مفاهيم الشجاعة، والتضحية، والإباء، والمروءة مما زحزح قليلا من عقلية الثأر والعصبية والتناحر، وأسس لمعطيات جديدة، من التكافل، والتراحم والرأفة والحث على فضائل الخير والبذل، بدلاً من نزعات الاستعلاء والإفساد واضطهاد الأقل والأضعف.
كان صلاح المجتمع بكل ما للكلمة من معنى، هو النقلة النوعية التي خلقت مجتمعا تسود فيه الكرامة للجميع، الفقير قبل الغني، والضعيف قبل القوي، ضمن أطر جديدة من الوحدة الإنسانية، التي لا تعرف العنصرية أو القومية في مجتمع واحد تسنده وحدة جديدة من المعايير التي تتأسس على كرامة الفرد، بغض النظر عن حسبه، ونسبه، ومكانته المادية والاجتماعية.
يضم كتاب «فجر الإسلام» سبعة أبواب، يتفرع كل منها إلى فصول عدة: العرب في الجاهلية، وظهور الإسلام وتعاليمه، وتأثير الأدبين اليوناني والروماني على الإسلام، والحركة العلمية في القرن الأول الهجري، والحركة الدينية في القرن الأول الهجري، والفرق الدينية، وغيرها.
والنص جاء في الباب الثاني تحت عنوان «بين الجاهلية والإسلام» وفيه يسلط المؤلف الضوء على تأثير الإسلام في المسلمين، وقد غير من طرق تفكيرهم، بعد أن كانوا عربا يحتكمون إلى مفاهيم العصبية الجاهلية، بكل ما فيها من ظلم وجور، ونقائض، فأصبحوا بعد دخولهم في الإسلام، أمام بداية جديدة من التحول في حياتهم الدينية والاجتماعية والسياسية والفكرية، وهو الذي أدى بدوره إلى تغيير في مواقفهم ونفسياتهم، وقد صاروا أمام دين جديد، قضى أول ما قضى على الوثنية، وأقر بمبدأ التوحيد، وعبادة الله وحده لا شريك له، وأقر الكثير من النظم والمبادئ التي شكلت منهجا وطريقا للهداية.
يستعرض أمين أبرز ملامح التطور الفكري عند العرب حتى صار تفكيرهم منظما، ويشمل فروع التشريع والتفسير والحديث والتاريخ والسير، فيسلط الضوء على الأثر العلمي عندهم، وهو الذي شجعهم على النظر في الكون للاستدلال على الله وصفاته، كما يستعرض إيجابيات الإسلام في حث المسلمين على تعلم لغات أخرى، ومن جهة أخرى، حثهم على التقدم في البناء والعمران، كما قربهم من أحوال الأمم الأخرى، فتطورت من ناحية ثالثة قوانين الأحوال الشخصية عندهم من زواج وطلاق وشؤون مدنية وجنائية، وهو الذي نشط بدوره حركة التفكر والتدبر، التي تطورت فيما بعد إلى علوم متنوعة في الفلك والطب والرياضيات وغيرها.

منهج مستقل

ولد أحمد أمين في القاهرة عام 1886، وتوفي في 1954، وهو كاتب ومؤرخ مصري، صاحب تيار فكري مستقل قائم على الوسطية، درس في بواكير طفولته كما حال مفكري زمانه في الكتاتيب، وبعدها انتقل إلى مدرسة عباس باشا الأول الابتدائية، ثم إلى «الأزهر»، و«مدرسة القضاء الشرعي» حيث نال منها شهادة القضاء سنة 1911م، في 1926م عرض عليه صديقه طه حسين أن يعمل مدرسا بكلية الآداب بجامعة القاهرة، فعمل فيها مدرسا إلى أن أصبح عميدا لها في 1939م.
أنشأ مع بعض زملائه سنة 1914م «لجنة التأليف والترجمة والنشر» وبقي رئيسا لها حتى وفاته 1954م. شارك في إخراج «مجلة الرسالة» (1936م)، وأنشأ مجلة «الثقافة» الأدبية الأسبوعية (1939م). وفي 1946م بعد توليه الإدارة الثقافية بوزارة المعارف، أنشأ ما عرف باسم «الجامعة الشعبية» وكان هدفه منها نشر الثقافة بين الشعب عن طريق المحاضرات والندوات. في الفترة نفسها، أنشأ «معهد المخطوطات العربية» التابع لجامعة الدول العربية.
عرفت كتابات أحمد أمين بدقة تعبيراتها وعمق تحليلاتها، والنفاذ إلى الظواهر وتعليلها، كما تميز بعرضه المشوق، وسهولة اللفظ، البعيد عن التعقيد والغموض، وقد ألف نحو 16 كتابا، وشارك مع آخرين في تأليف وتحقيق عدد من الكتب. ومن كتبه يوم الإسلام، قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية، من زعماء الإصلاح في العصر الحديث، كتاب الأخلاق، حياتي، فيض الخاطر، الشرق والغرب، النقد الأدبي، هارون الرشيد، الصعلكة والفتوة في الإسلام، ابتسم للحياة، حرب الشر، كما كتب بالاشتراك مع زكي نجيب محمود «قصة الفلسفة في العالم» و «قصة الأدب في العالم».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"