حينما نتأمل المشهد القصصي في الكويت (القصة القصيرة تحديدا)، سنجد أنه ضارب في القدم، يحمل الكثير من عبق التاريخ وأصالة الثقافة، برغم ما نلحظه من انصراف الكثير من كتاب هذا الجنس الأدبي الى الرواية، كتابة وتفاعلا . أما المشهد الروائي فإنه في حقيقة الأمر لا ينفصل عن المشهد الروائي العربي، ويسير وفق منظومته، ويكمل مسيرته، بفضل ما يشهده من تطور ملحوظ ومتابعة مستمرة لكل جديد على الساحة الروائية العربية والعالمية، من خلال التقنيات والأشكال والمضامين .
من الواضح أن أغلب الذين ركبوا موجة كتابة الرواية في الكويت، هم في الأساس كتبوا القصة القصيرة، وتفاعلوا مع ومضاتها ومفاهيمها وتحاوروا مع شخوصها وأغراضها، وأثروا الساحة بإنتاج قصص قصيرة، سواء تلك المنشورة في الصحف أو المجلات المتخصصة أو الصادرة في مجموعات قصصية .
ومازال البعض من كتاب القصة القصيرة محافظين على منهجهم الأدبي ولم ينصرفوا الى الرواية، برغم الإغراءات التي تحتلها هذه الكتابة، وذلك من خلال رؤية البعض أننا في زمن الرواية، وأن الشهرة لم تأت إلا من خلال الدخول في هذا الجنس الأدبي، وعليه انصرف الى الرواية كثير من كتاب القصة القصيرة، وحتى الشعراء، ليس في الكويت فحسب ولكن في مختلف البلدان العربية وفي العالم .
وأكد الكثير من الباحثين ان قصة منيرة كانت الانطلاقة الأولى لظهور جنس القصة القصيرة الأدبي في الكويت والخليج العربي، ونشرها الكاتب والشاعر خالد الفرج في مجلة الكويت في عام ،1929 وهي المجلة التي أسسها الرائد عبدالعزيز الرشيد .
وفي كتابه الفن القصصي في الكويت عرج الباحث الدكتور مرسل فالح العجمي بكثير من التفصيل على ظهور القصة القصيرة وتطورها عبر أجيال متلاحقة فيقول: ظهرت القصة القصيرة في الكويت عندما توافرت لها شروط الموضوعية التي هيأت المناخ الأدبي لقبول هذا الجنس الجديد من ناحية، ولاستثمار إمكاناته في الدعوى الاصلاحية من ناحية أخرى، وقد أسهمت مجموعة من الرواد في توفير هذه الشروط الموضوعية التي تمثلت في نشر التعليم وتأسيس المكتبة الأهلية وإنشاء النادي الأدبي والاشتراك في المجلات العربية .
واذا كانت القصة القصيرة قد ولدت في حضن الصحافة، نستطيع ان نتتبع أجيال القصة القصيرة في كتاب العجمي من خلال ما أشار إليه من تحولات لحقت بفن القصة القصيرة بداية من جيل الستينات، فعلى مدى أربعة عقود نشر سليمان الشطي ثلاث مجموعات، كما نشر سليمان الخليفي ثلاث مجموعات، بينما نشر اسماعيل فهد اسماعيل مجموعتين، ونشر عبدالعزيز السريع مجموعة واحدة .
وتحدث العجمي عن الجيل الرابع، ويقصد به الجيل الذي بدأ النشر منذ منتصف السبعينات الى منتصف التسعينات من القرن الماضي، مشيرا إلى ان المرأة في هذا الجيل سجلت حضورا بارزا، فمن خمسة عشر اسما ظهرت ثمانية أسماء نسائية، مثل فاطمة يوسف العلي وعالية شعيب وليلى العثمان وليلى محمد صالح ومنى الشافعي، وأشار العجمي الى أعتاب الألفية الثالثة، حين بدأ جيل جديد من الشباب في نشر قصصه، مثل: استبرق أحمد وميس العثمان ومي الشراد وباسمة العنزي وغيرهن .
ومن خلال مشهد القصة القصيرة في الكويت في الوقت الراهن يرى الكثير من الباحثين أن الرواية، وكذلك الشعر، أخذا موقعا أكثر رسوخا وحضورا على الساحة الثقافية أكثر من القصة، برغم نضج القصة القصيرة وتطلعها الى آفاق كبيرة من التطور، ويعود ذلك إلى أن كثيرا من كتاب القصة القصيرة هجروها الى الرواية، فقد هجرها بعضهم نهائيا بلا عودة، والآخر هجرها جزئيا، ومع ذلك فقد حصلت القصة القصيرة على التكريم حينما حصلت القاصة باسمة العنزي على جائزة الدولة التشجيعية في دورة ماضية، ولكن حدثت بعض الانتكاسات حينما حُجبت جائزة القصة القصيرة في دورة أخرى، ولم يتمكن المتقدمون إليها من كتاب القصة من أن يحصلوا عليها، وهذا الأمر ترك انطباعا مؤلما في مشاعر كتاب القصة الذين يرون أن كتاباتهم مازالت بخير، وأنها في تطور مطرد تماشيا مع لغة العصر .
لقد تعايش كتاب القصة القصيرة مع حالة الهدوء أو الاستسلام لطغيان الرواية عليها، ومن ثم لم يكن أمام كتاب القصة القصيرة، الذين مازالوا محافظين على كيانها في كتاباتهم ولم يهجروها الى الرواية، إلا أن يستمروا في الكتابة وإثراء الساحة بالنشر عبر منافذ الدوريات والمطبوعات والجرائد والمجلات، وكذلك من خلال إصدار مجموعات قصصية، ولعل من أبرز هؤلاء الذين حافظوا على القصة القصيرة في كتاباتهم الأديبة ليلى محمد الصالح والكاتب وليد المسلم وغيرهما .
كما أن الأديبة ليلى العثمان ابحرت عبر سنوات طويلة في عالم القصة القصيرة، كي تصدر الكثير من المجموعات القصصية ثم اتجهت بعد ذلك إلى كتابة الرواية، وكذلك كتابة السيرة الذاتية، وأيضا تجريب ما يطلق عليه القصة القصيرة جدا، ومازالت العثمان بين فترة وأخرى تثري الساحة بقصصها القصيرة الى جانب الكاتب اسماعيل فهد اسماعيل الذي له تاريخه مع القصة القصيرة، وهو الآن متجه بكل وجدانه إلى كتابة الرواية، وكذلك النص المسرحي، بالإضافة إلى ان الأديبة الدكتورة فاطمة يوسف العلي كانت لها الريادة في كتابة الرواية، ومع ذلك فإنها أثرت الساحة بقصصها عبر مجموعات قصصية مختلفة . واتجه الكاتب وليد الرجيب إلى الرواية، بعدما كان له باع طويل في كتابة القصة القصيرة، وكذلك الكاتب طالب الرفاعي وغيرهما .
ظهر جيل في نهاية الثمانينات امتد حتى الآن، بعضه تمسك بالقصة القصيرة والبعض الآخر اتجه إلى الرواية، سواء بشكل كامل او جزئى، لنجد مثلا ان استبرق أحمد وباسمة العنزي، احتفظتا بالكتابة في مجال القصة القصيرة من دون ان تدخلا غمار الرواية، بينما اتجهت ميس العثمان وغيرها من الكاتبات إلى الرواية بعد إصدار عدد من المجموعات القصصية .
ومن خلال منتدى المبدعين الجدد ظهرت أسماء قصصية عدة مثل حميدي حمود، وعبدالعزيز الحشاش، ويوسف ذياب خليفة وغيرهم، ما أوجد اتساعا كبيرا في مجال الكتابة القصصية، ويحاول هذا الجيل الجديد ان يشق طريقه بقوة، من خلال المشاركة في الأمسيات القصصية، والنشر في المطبوعات المختلفة وإصدار المجموعات القصصية .
وأخذت تقنية القصة القصيرة جدا حيزا مهما وواضحا على الساحة الأدبية، وهي القصة الومضة التي لا تحتاج في كتابتها إلا إلى عدد من الأسطر او الكلمات، ولكنها تحمل معنى كبيرا من خلال التكثيف والإيحاء .
ولعل الخيوط الإبداعية التي ذكرناها تشير إلى أن مشهد القصة القصيرة في الكويت يتمتع بملامح كثيرة وبخصوصية المكان، وبالكثير من الصفات التي أهلته إلى ان يحتل مكانته المميزة محليا وعربيا .
خصوصية
المشهد الروائي في الكويت يتميز بالكثير من السمات التي تعطيه خصوصيته الواضحة على صعيدي الشكل والمضمون، ونتيجة لما تحتويه الكويت من تعددية ثقافية لاحتوائها على جنسيات عربية وأجنبية مختلفة فإن الروائي الكويتي أصبح ممزوجا بطابع مرن، ومتفاعلا مع كل الثقافات، إلى جانب الاحتفاء الذي أولاه للتراث والبيئة، وهذا الاحتفاء ظهر جليا في كثير من الروائيات الصادرة .
حينما نتأمل المشهد الروائي في الكويت خاصة وفي الوطن العربي عامة، نجده الآن مسيطرا على كل المشاهد الأدبية الأخرى، مثل الشعر والقصة القصيرة والمسرح، تحدث الباحث الدكتور مرسل فالح العجمي في كتابه الفن القصصي في الكويت عن الرواية الكويتية من حيث بدايتها، معتمدا في دراسته على مدونة روائية تتألف من سبعين رواية كتبت على مدى أربعة عقود ونشرت في مجلة العلوم الإنسانية في جامعة البحرين، مشيرا إلى بعض الملاحظات في هذه المدونة منها أن العام 1948 شهد ظهور أول رواية كويتية لمؤلفها فرحان راشد الفرحان، وقد أخذت الرواية عنوان آلام صديق، وانها كتبت بطريقة متواضعة إلى حد بعيد، وشهد عقد الستينات ظهور روايتين هما قسوة الأقدار لصبيحة المشاري في عام ،1960 ومدرسة من المرقاب لعبدالله خلف عام 1962 .
وذهب العجمي إلى أن عقد السبعينات شهد ظهور ثلاثة أسماء هي فاطمة يوسف العلي، في روايتها وجوه في الزحام، ونورية السداني في روايتيها العبور وواحة الحرمان، واسماعيل فهد اسماعيل في رواياته كانت السماء زرقاء والمستنقعات الضوئية والحبل والضفاف الأخرى وملف الحادثة 67 والشياح .
ويتفق الشاعر الدكتور خليفة الوقيان مع الدكتور مرسل العجمي في أن أول رواية كويتية ظهرت كانت في العام 1948 وهي آلام صديق لفرحان راشد الفرحان، وهي أول رواية مطبوعة بصور مستقلة في كتاب، ومن ثم فقد قال الوقيان: يرى الدكتور محمد حسن عبدالله إن رواية مدرسة من المرقاب، التي صدرت في العام 1962 هي الرواية الأولى، وهي للكاتب عبدالله خلف، وتتفق الدكتورة نسيمة الغيث مع الدكتور محمد حسن عبد الله، إذا تعدها الرواية الكويتية الأولى، أما رواية آلام صديق لفرحان راشد الفرحان فترى انها تدخل في مصطلح الرواية من ناحية الموضوع، أو المحتوى، لكن حجمها محدود جداً، ولا يزيد على خمسين صفحة تقريبا .
واستطرد الوقيان في كتابه الثقافة في الكويت . . بواكير واتجاهات، بأن اول كاتبة صدر لها بكتاب مستقل عمل يقع بين القصة القصيرة والرواية هي صبيحة المشاري، وحمل غلاف ذلك الكتاب اسم العمل وهو عبث الأقدار، مشيرا إلى ان أول رواية نشرت في كتاب يحمل تاريخا موثقا لكتابتها ونشرها فهي رواية الحرمان للكاتبة والمخرجة التلفزيونية نورية السداني .
أجيال جديدة
ظهرت أجيال عدة في سياق ما حظيت به الكويت من تطور مناحي الحياة، هذه الأجيال تحملت مسؤولية النهوض بالرواية، خصوصا الحراك الثقافي الذي حدث بعد تأسيس منتدى المبدعين الجدد في رابطة الأدباء، كي تظهر أسماء جديدة على الساحة الروائية مثل ميس العثمان التي قدمت كثيرا من الروايات، وكذلك هديل الحساوي وماجد القطامي وغيرهم، بالاضافة الى ما انتجته الروائية بثينة العيسى من روايات، حصلت في واحدة منها على جائزة الدولة التشجيعية . واللافت أن هناك شعراء شبانا اتجهوا إلى كتابة الرواية مثل الشاعر محمد المغربي وغيره .