“الفلية” ذاكرة خضراء

المزارع كانت تزينها قبل تبدّل الأحوال
13:43 مساء
قراءة 5 دقائق

تعتبر الفلية احدى مناطق رأس الخيمة القديمة تاريخياً، إذ كانت حتى الماضي القريب احدى المحطات المشهورة بمزارعها ونخيلها السامقة التي كانت تميزها عن غيرها من المناطق إلا ان الزمان قبل أن تتبدل حالها كمعظم المناطق الزراعية، ومما يزيد أهمية المنطقة أنها شهدت توقيع أهم معاهدة بين الاحتلال البريطاني وشيوخ القبائل في الإمارات.

ولم تتوقف الحركة عن الفلية كلياً، إذ قطنها مواطنون في منازلهم الشعبية التي جاورت مزارعهم فيما شيدت العمارات حاليا بجانب حصنيها وتزداد الحركة تدريجيا لتنبئ بعودة النشاط الى اراضيها.

سيف عبدالله سليمان الشامسي أحد الشواب في الفلية قال متوكئاً على عصاه: الحياة كانت قاسية إلا أننا أحسسنا بقسوتها الآن فقط، إذ كنا نشعر بتحدينا للمصاعب أن حياتنا مترفة. ويشير إلى انه كان يعمل في توصيل الركاب من الفلية إلى دبا ومنها إلى رأس الخيمة وأحيانا يوصلهم إلى عمان، موضحا انه في احدى رحلاته مشى على مدى شهر كامل إلى عمان على قدميه واخذ أجره الذي لم يتعد الخمس روبيات.

وأوضح الشامسي ان الفلية احدى مناطق رأس الخيمة التي لم تختلف فيها الأوضاع عن غيرها من المناطق إلا في حادثة واحدة في عام ،1982 إذ هطلت الأمطار لمدة عشرة أيام متتالية وامتلأ السد المحاذي للمنطقة وأغرق معظم المناطق وجاء أفراد الجيش والدفاع المدني لينقذوا الأهالي من الغرق وكانت تلك الحادثة هي الوحيدة التي طبعت غرقت فيها القرية عن بكرة أبيها.

وقال الشامسي إنه عمل في منطقة دبا يقطع الأخشاب ويبيعها، وفي رأس الخيمة سجن ثلاث مرات لقطعه لشجر الغاف، مشيرا الى ان السجن والغرامة كانا عقابا قاسيا، رغم أنه لم يكن في المنطقة غير تلك المهن التي يقتات منها البسطاء، لكنه أكد أن تلك الاجراءات حافظت على أشجار الغاف التي لا يزال قطعها محظورا.

ويتذكر عبدالله سيف أول مرة ذهب بها إلى مدرسة القاسمية في الستينات وكيف انتقل بعدها للمعهد الاسلامي ثم التحق بالشرطة بعد عدة محالات فاشلة، إذ كان المسؤول يرفض لصغر سنه، إلا انه أصرّ على الانضمام، ونجح في ذلك عام 1970 براتب قدره 260 روبية.

ويقول عبدالله وهو في العقد الرابع من العمر إنه يتذكر حادث غرق الفلية، إذ كان متزوجاً آنذاك وأخرج أهله جميعهم ونسي طفله سليمان في المنزل الخشبي داخل الغرفة وحين أنقذه وجد المنزل فوق الماء يطفو وبه الطفل نائما فحمله وأخرجه ولم يمسسه سوء.

تحذيرات

وأكد عبدالله راشد حثبور (70 عاما) وقد علت الابتسامة محياه ان اسم الفلية جاء من اسم فلج حيث يمر فيها فلج الى ان يصل الى هير بو عوانه قريبا من الجزيرة الحمراء او جاء من مفلى وهو المكان الذي ترعى فيه المواشي، مشيرا الى ان الفلية كانت مكانا خصبا حيث تغطى الحشائش المنطقة بأسرها. ويتذكر حثبور حينما كان يرعى الغنم في صغره مع أقرانه ويصلون بها لمنطقة الخران وكانت امهاتهم يحذرنهم من ان لا يتخطين الغزوانية وهي منطقة ابعد من الخران وان لا يتخطين الشنانه وهي منطقة سميت باسم شجرة تسمى الشنانه بجانب ملعب الجولف حاليا موضحا ان سرقة الأطفال كانت منتشرة آنذاك لذا كانت الأمهات يخفن على اولادهن ويحذرونهم من الابتعاد.

ويقول حثبور ان منطقة الفلية تحدها من الشرق الحرف والريبية والغافية والضبعية فيما تحدها من الشمال ملحة ومن الجنوب المنعية ومن الغرب منطقة الدهيسة والشنانه وطرفة وهي مناطق بمسميات قديمه قل ما تستخدم حاليا.

ويشير الى أنه كان يبيع أيضا الحطب بنصف روبيه ويشتري مير للمنزل وعمره آنذاك عشر سنوات وحين نضج وأكمل الستة عشر عاما رحل الى الكويت وعمل فيها عاملا كولي ب 200 روبية في الشهر ولم يستقر الا عندما باع ارضه واشترى سيارة عام 1967 وعمل كسائق تاكسي ثم انتقل الى العمل بوزارة التربية والتعليم كسائق حافلة. ويؤكد أن الغربة كانت صعبة للغاية حيث كان ولده البكر يناديه باسمه وهو في عمر 3 سنوات من كثرة غيابه عنه. وأكد حثبور انه شهد أيام اليوعة المجاعة التي مرت على البلاد في الأربعينات من القرن الماضي أثناء الحرب العالمية حين انقطعت المؤنة عن البلاد من الخارج وانتشر وباء الجدري ومات الكثير من الأهالي من المرض والجوع، موضحا انه لم يساعدهم في تلك الأيام الا زراعة الحبوب التي كان البعض يمتهنها في الجبال وفي السهول.

ويتذكر حثبور ايام انقطاع المطر لمدة 7 سنوات في إحدى الفترات وأن الأهالي دقوا المناحيز التي تطحن بها القهوة لدعوة أبناء المنطقة الى صلاة الاستسقاء، مؤكداً أن الدعاء استجاب وهم في طريقهم للمنزل بعد إحدى الصلوات.

وعن اعمال الماضي والاشغال اليدوية اكد الحثبور ان الاهالي من الرجال لم يزاولوا أياً من الاشغال اليدوية، لكن النساء كان عليهن احضار الماء سواء كان للشرب ام الاستحمام وعليهن خياطة الملابس، مشيرا الى ان النساء كن يمتهن بعض الاشغال الحرفية كسف سعف النخيل وعمل بعض الادوات البسيطة منها.

أكلات

وعن الأكلات الشعبية قال عبدالله الشامسي إنهم كانوا يشترون المالح وهو السمك المملح اما اللحم فيملحونه ويعلقونه بخيط ليجف ومن ثم يوضع في الخابية او الخرس وهي أسماء لأوان فخارية قديمة ويؤكل منه حين يستضيفون القادمين اليهم اما اهل البيت فيأكلون اللبن مع العيش ويبقى اللحم على حد قوله ذخيرة للضيوف. وأوضح الشامسي ان الفلية منطقة تاريخية وقعت على أراضيها وفي المسجد القائم فيها الى الآن أحد المعاهدات المشهورة بين الشيوخ والاحتلال البريطاني مؤكدا ان الأهالي كانوا يعيشون بجانب تلك القلعة والمسجد اللذين حوطتهما الجهات المختصة في الإمارة سوراً حولهما للحفاظ عليهما.

وتذكر الشواب كيف كانت ملابسهم قديماً عبارة عن وزار وهو قطعة قماش تلف حول الوسط ويلبسون عليه الصديري وهو يشبه القميص او نصف كندورة مشقوقه من الجانبين، موضحين انهم كانوا لا ينتعلون الاحذية فقد كانوا يعتمدون على أرجلهم الحافية التي كانت تحتمل المشي عليها لمسافات بعيدة وبعد ذلك لبس البعض منهم نعالاً تصنع من جلد الاطارات.

كما ذكروا ان أول من عاش في الوقت الحديث في الفلية كان حميد بن عتيبة وراشد بن هلال حيث كانت الفلية تنقسم إلى قسمين الحارة الجنوبية والحارة الشمالية واول من بنى منزلا من طابوق فيها كان خميس بن راشد وسعيد بن عبدالله، وبنى كل منهما حجرة واحدة فقط عام 1965 تقريبا وكان المقاول يدعى سالم بن خميس بن سباع.

وذكر الدكتور عبدالله الطابور الباحث في تاريخ رأس الخيمة في كتابه جلفار عبر التاريخ ان الفلية تعتبر إحدى القرى في رأس الخيمة وتقع جنوب شرق مدينة رأس الخيمة وسميت بذلك الاسم نسبة الى المفالي ومفردها فلاة وهي الارض الواسعة ذات المراعي الخضراء كما ان الفلية قد تكون جمع فلج وهو فلج الماء. ويضيف في كتابه قديما ذكر الربان سالم بن كلبان وهو رجل عالم ومطلع وله اهتمام بالكتب الدينية والجغرافية، فلجا مشهورا ينبع من الجبل واسمه فلج بو عوانه وهو من اكبر الأفلاج في رأس الخيمة ويصب في نخل بوعوانه التي توجد الآن على عمق ثلاثة الى اربعة ابواع من عمق البحر امام شاطئ رأس الخيمة.

وتوجد في المنطقة مربعة الفلية التي عقدت فيها اتفاقية بين الانجليز وحكام الامارات عام 1820 وبها ايضا مربعتان متقابلتان احداهما تسمى المشيوح بناها حسن بن رحمه أمير الفلية وقديما كانت الفلية مصيفا لحكام القواسم.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"