لم يستثن التطور الهائل للعصر الرقمي الذي نعيشه أياً من جوانب الحياة بما فيها منظومة القيم والتقاليد الاجتماعية التي تنقسم إلى جزء ثابت صامد أمام التغيير، وآخر مرن قابل للتبدل، خاصة على أيدي الشباب. وتقوم هذه المنظومة في جانب مهم منها على مبدأ المنع الذي يحظر سلوكيات أو أقوال بعينها، رغم ان هذا المنع قد يزيد الرغبة في تجربة هذه السلوكيات والأقوال، وهو الأمر الذي نتج عنه القول الشهير كل ممنوع مرغوب.
ويدعو ذلك للتساؤل: ما الذي تغير في هذه المنظومة؟ وما هي القيم التي تحررت من المنع مع التطور وتلك التي دخلت مجدداً قائمة الممنوعات؟ وما رأي الشباب؟
محمد كاظم، خريج جامعة بوسطن الأمريكية ويعمل موظفا، يقول: عندما يكون الشخص مقتنعا بمنظومة القيم الاجتماعية والدينية لديه، لن يسعى لتجربة الممنوع، لأن القيم هي التي تجدد الخير والشر سلفا، وخلال دراستي في الخارج لم أقع في هذه التجارب باستثناء بعض الأشياء المصنفة خطأ في خانة الممنوع، وهي أشياء بسيطة مثل الاختلاط ونكون مضطرين لها خاصة عندما ندرس في جامعات غربية، وهذا ساعدني كثيرا في التعرف على عوالم أخرى. ويضيف:
لا أتفق مع قاعدة أن كل ممنوع مرغوب، لكن هناك البعض ما زال على قناعات غير ثابتة، فيلجأون لتجربة ما هو مرغوب وما هو ممنوع ليعثروا على الاختيار الصحيح في النهاية، وهناك فئة تقوم بالتجربة وتتوقف بعد ان تتعظ، وهناك من يستمر وينغمس فيها حتى تصبح جزءاً من طريقة حياته.
معاوية عجيب، 25 عاما، يرى أن قاعدة كل ممنوع مرغوب تعبر عن الصراع بين رؤى الأفراد والجماعات حول المجتمع، فغالبا ما يتهم أنصار الأصالة والتراث كل من يتبنى بعض الأفكار الجديدة من الشباب بأنهم اتجهوا للممنوع، ولا أجد كل ممنوع في نظر المجتمع خطأ. ويضيف:
سابقا كانت هذه القاعدة ربما صحيحة، لأن الممنوع كان واضحا، الآن توسعت هذه الدائرة بحيث أصبحت تشمل أشياء جديدة، صحيح أن المشروبات الكحولية مثلاً حرام شرعا، وهذا لا يتغير بالتاكيد، لكن تسمية ارتداء الشباب للجينز بأنه ممنوع مفهوم سطحي، وأسمع هذ الكلام يوجه لي مثلا لأني أسمع الموسيقا الغربية أحيانا.
محمود القدومي 29 عاما يعمل في مجال بيع النظارات، يقول: مجال عملي يضعني في احتكاك مباشر مع قاعدة الممنوع والمرغوب، الكثير من زبائني لا يجرؤون على اقتناء نظارات شمسية بموديلات وأشكال مميزة خوفاً من تعليقات الأهل والأقرباء، ويقتنون أشكالا تقليدية. لذلك حتى في مجال اللباس فإن الموديلات القديمة في منطقتنا العربية تستمر طويلا على عكس أوروبا التي يقضي فيها الموديل الجديد على القديم بشكل مستمر.
ويرى أن قاعدة الممنوع والمرغوب بقيت في الأمور الأساسية المتعلقة بالشرع والسلوك الاجتماعي العام، لكنها لم تصمد في مواجهة الموضة، فباستطاعة أي فتاة حاليا اختيار النظارة الشمسية التي تريد خاصة مع تحالف العلم والطب مع الموضة، فالنظارة الشمسية ليست للمظهر فقط بل لها فوائد طبية.
محمد حمدي، 27 عاما، ويعمل في مجال التسويق، يقول: حسب تجربتي فإن مبدأ كل ممنوع مرغوب يشمل جانباً متغيراً وآخر ثابتا كتلك التي تتعلق بالشرائع الدينية، ومفهوم العيب مرتبط بهذه المفاهيم أيضا، وأعتقد أن الشاب الذي يقيم بعيدا عن أهله أكثر انغماسا في الممنوع، لكن كل المقاييس نسبية، مثلا الممنوع يشترط كثيرا توفر المال. ويضيف: جربت بعض الأمور، ولن أدعي أنني بلا خطايا وأني التزمت بتوجيهات عائلتي لي من المرة الأولى، كنت احتاج إلى تجربة بعض الأمور والتحقق منها ومعرفة سبب منعها وماذا يعني العيب ومتى، أحيانا يحتاج الانسان إلى التجربة للتأكد ولإزالة الشك، وهنا يمكن معرفة معدن الانسان، لأن البعض يحب تكرار التجربة طيلة حياته من دون ان يستنتج شيئا.
سامر خليل 24 عاما ويعمل موظفا، يرى أن الممنوع واضح في حياتنا وهو ما جاء به الشرع الاسلامي، لكن المرغوب يكون ضبابيا لأنه متجدد ويحتمل أكثر من وجهة نظر.
ويقول: القنوات الاباحية لا خلاف عليها أبدا، فهي ممنوعة،ومن يشاهدها يرتكب مخالفة اجتماعية ودينية واخلاقية، لكن بعض الشباب يضع كل هذا خلف ظهره مدفوعا بمشكلات عديدة مثل تأخر سن الزواج إضافة إلى سهولة مشاهدة هذه القنوات التي تعمل العديد منها من دون تشفير، وحسب رأيي فإن التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية تقلل من التصادم بين الممنوع والمرغوب.
محمد علي ديوب، 32 عاما، ويعمل في قطاع السياحة، يقول: في السنة الأولى من الجامعة لم اكن اختلطت قبلها بالاناث أثناء الدراسة، ورأيت نفسي في بيئة جديدة، انقسمنا كمجموعة أصدقاء حول مدى صلاحية قاعدة الممنوع والمرغوب، فهل التحادث مع الطالبات والجلوس في المقهى معهن هو ممنوع؟ البعض كان يرى ذلك وهؤلاء هم الذين لم يثقوا بأنفسهم، وتجدهم يرتبكون عندما تتحدث معهم فتاة بشكل عابر، لذا أؤيد فكرة التجربة للتحقق، لكن ليس في أساسيات الممنوع التي جاء بها الشرع واضحا، فليس كل ما نسمع أنه ممنوع هو كذلك فعلا.
وفي رأي أحمد المنوفي، 26 ويعمل في مجال التصميم الالكتروني، أن كل شيء واضح، البعض يحاول الالتفاف على الشرع والقانون بطرق عديدة ويتذرع بالتجربة وينسى أن العادة عبارة عن تكرار للتجربة الأولى. ويقول: من يضمن ان تجربة الممنوع لن تتكرر، كل المدمنين على المخدرات والمشروبات الكحولية كانوا ينوون في المرة الأولى التجربة فقط ولم تكن في نيتهم الاستمرار، لست مع قاعدة التجربة، لأنها ليست مضمونة.
ويرى الاختصاصي الاجتماعي نصر الدين فرج أن العيب مفهوم مرتبط بالعادات والتقاليد المتعارف عليها اجتماعياً أي أنه مفهوم بشري وأننا نطلق كلمة (عيب) على كل التصرفات غير المرغوب فيها لأي سبب اجتماعي أو اخلاقي أو ديني يندرج تحت الخروج عن المألوف.
ويؤكد أنه مع التطور التكنولوجي وانفتاح الأجيال على ثقافات الشعوب المختلفة من خلال التلفزيون والانترنت والوسائط التقنية الأخرى، أصبح هناك تغير في مفهوم العيب أو الممنوع وتغير في المبادئ والمعايير القيمية التي تحكم المجتمعات أخلاقياً.
ويضيف: من منطلق مفهوم العيب الجديد هذه الأيام لم يعد للمصطلح الشهير كل ممنوع مرغوب وجود أو تأثير قوي، لأن الكثير مما هو ممنوع أصبح مباحاً بطريقة وبأخرى وأصبحت الكثير من الأسر والمجتمعات تبارك الأفعال التي كانت تندرج تحت مفهوم العيب.
ويرفض ممارسة الممنوع تحت شعار التجربة أو اكتشاف الحقائق، لأن كل ما هو ضد المبادئ الأخلاقية الثابتة والمعايير القيمية الرئيسية التي تحكمنا يكون مرفوضاً وفي الوقت نفسه يعارض بعض المفاهيم الموروثة الخاطئة والتي تندرج تحت مسمى العيب وتساهم في عرقلة التقدم.
ويضيف: عمل المرأة كان عيباً لكنها تبوأت مناصب علمية وسياسية وإدارية واقتصادية جعلتها تشارك الرجال المسؤليات الكبيرة ضمن الاطار القيمي والأخلاقي لثقافة المجتمع، وبذلك لم يعد عملها من الأشياء الممنوعة، إلا فيما ندر في بعض الوظائف القليلة التي لاتستطيع طبيعة المرأة الفطرية القيام بها.
وعن دور الاعلام يقول: إن الفضائيات أسهمت في نشر مصطلحات جديدة لا تتفق وقيمنا الأخلاقية المجتمعية السائدة وبالتالي أصبحت هناك متغيرات اجتماعية وفكرية وثقافة قيمية جديدة تتعزز يومياً من خلال هذه الفضائيات التي تبث ثقافات متنوعة وفي الوقت نفسه لا يوجد برامج اعلامية قوية وشيقة نابعة من ثقافة مجتمعنا تواجه هذا الغزو الذي يسهم في كسر كل المعايير القيمية.