الأمانة تلخيص للقيم الإسلامية

12:59 مساء
قراءة 5 دقائق

جاء الإسلام بمنظومة متكاملة من القيم والآداب والسلوكيات الحضارية الراقية التي تجعل المسلم متميزا في سلوكه، متحضرا في كل تصرفاته، يقبل الجميع على التعامل معه برضا ورغبة وتسامح ومودة، إلا أننا اليوم كما يقول علماء الإسلام والأخلاق والتربية والاجتماع نعاني أزمة سلوك، بعد أن أهملنا آداب الإسلام وقيمه وأخلاقياته وانسقنا وراء رغبات وأهواء وأطماع أفسدت حياتنا ونشرت الضغينة والبغضاء بيننا وأظهرتنا في أحيان كثيرة في صورة لا تليق بعظمة ديننا ورقي حضارتنا.

لقد أصبح عثور إنسان على مبلغ مالي في الطريق أو في وسيلة مواصلات وتسليمه لصاحبه أو للجهات الأمنية المسؤولة خبرا جيدا يحظى بالرعاية والاهتمام في كل وسائل إعلامنا في البلاد العربية والإسلامية.. مع أن هذا التصرف هو السلوك الصحيح المعتاد الذي تربينا عليه وتعلمناه من تعاليم ومبادئ ديننا.. وأصبح رفض موظف قبول رشوة من شخص يتطلع للعدوان على المال العام أو يطمع في الحصول على حقوق الآخرين قصة خبرية جيدة تحظى برعاية واهتمام كل وسائل الإعلام أكثر من الاهتمام بأخبار وقصص اللصوص الذين يمدون أياديهم إلى الحرام ويهدرون حقوق الناس من أجل الحصول على رشوة.

هذه الموازين المقلوبة هي نتيجة طبيعية لتلاشي قيمة الأمانة في حياة كثير من الناس وخاصة هؤلاء المعنيين بإعطاء كل ذي حق حقه من الموظفين الذين يتولون الأعمال والأمانات العامة.. أو هؤلاء المعنيين بشؤون المال والعلاقات التجارية في الأسواق أو على مستوى الفرد العادي صاحب العلاقات المالية المحدودة.

من أجل ذلك يدق علماء الاجتماع والتربية والأخلاق في بلادنا العربية والإسلامية ناقوس الخطر بعد أن كشفت التقارير الاقتصادية والاجتماعية عن حجم التجاوزات المالية، وتلاشت قيمة الأمانة في التعامل بين الناس، وأصبح ما ينشر ويعلن ويتردد عن الاختلاسات والرشاوى وسرقة المال العام والتزوير والخداع مخيفا ومزعجا.

الدكتور محمد عبدالحليم عمر المفكر الاقتصادي الإسلامي وأستاذ المحاسبة بجامعة الأزهر يرى أن خيانة الأمانة من الرذائل التي شاعت في حياة المسلمين اليوم وتتخذ أشكالا عديدة وأنماطا مختلفة تنذر بعواقب وخيمة، فقد عم وباء الرشوة مختلف البلدان العربية والإسلامية وأصبح الحديث عن الفساد المالي أمرا مألوفا في كل الأقطار العربية دون استثناء، وهذا يستدعي مراجعة الدوافع التي تؤدي إلى هذا السلوك المشين الذي كنا نخجل حتى من مجرد الحديث عنه منذ سنوات قلائل.

من علامات الإيمان

ويؤكد الدكتور محمد عبدالحليم عمر أن شيوع هذه الانحرافات الأخلاقية والرذائل السلوكية المرتبطة بخيانة الأمانة من شأنه أن يضاعف من خوف الناس من بعضهم بعضاً، فالأمانة من الأخلاق الفاضلة التي تؤدي إلى إشاعة الثقة بين الناس، ولذلك اهتم الإسلام بنشرها بين الناس إلى الحد الذي جعلها صنوا للدين، وعلامة من علامات الإيمان.

ويضيف: ولما لخلق الأمانة من أهمية في حياة الناس، ونظرا لخطورة رذيلة الخيانة على المجتمع كله، فقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الرذيلة، وجعلها علامة من علامات النفاق، فقال إن إحدى العلامات الأساسية للمنافق إذا أؤتمن خان ولا خلاف على أن خيانة الأمانة يرتبط بها العديد من الرذائل التي تحط من قدر الإنسان أمام نفسه وأمام الناس وأمام الله عز وجل.

الأمانة الكبرى

وخيانة الأمانة لا تقتصر على الجوانب المادية بين الناس كما قد يفهم البعض، بل هي سلوك مشين له صور وجوانب كثيرة، فالذي لا يؤدي حقوق الله خائن للأمانة، والذي يبوح أو يكشف أسرار الناس خائن للأمانة، والذي ينقل كلاما بين الناس استمع إليه منهم هو خائن للأمانة.. فالأمانة لها صور عديدة تشمل كل مجالات الحياة، وعلى رأس قائمة الأمانات تأتي الأمانة الكبرى التي اختارها الإنسان لنفسه، والتي تعني مسؤوليته عن الوفاء بالتزامات التكليف الإلهي المنوط به في هذا الوجود.

فالقرآن الكريم يبين لنا أن الله عرض هذه الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم تطق أي منها تحمل هذه الأمانة وقبلها الإنسان، وأصبح الإنسان بذلك مسؤولا عن هذا الوجود الذي سخره الله له بأرضه وسمائه وما بينهما، وهي مهمة ثقيلة ومسؤولية ضخمة ومنها تتفرع بقية الأمانات الأخرى.

ومن صور الأمانة على سبيل المثال الأمانة على الأموال والأعراض والأمانة على شعائر الدين وتعاليمه والأمانة على العلم، والأمانة على حفظ الأسرار وعدم إفشائها، والأمانة على الأسرة والحرص على رعايتها رعاية تامة، والأمانة على البيئة وعدم تلويثها وعلى الصحة وعدم الإضرار بها وعلى الحياة وعدم تعريضها للخطر، وعلى العقل وعدم تغييبه عن الوعي بأي شكل من الأشكال، والأمانة على الوطن وعدم تعريض أمنه للخطر.. إلخ. وهذه كلها أمانات سوف يسأل الإنسان عنها يوم القيامة.. ومن ذلك ما جاء في الحديث النبوي الشريف: لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به.. كما أن الإنسان سوف يسأل كذلك عن سمعه وبصره وعقله ماذا فعل بهم، فكلها أمانات لديه، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا.

المواجهة المطلوبة

ويقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية وعضو مجمع البحوث الإسلامية: لابد أن نواجه كل صور خيانة الأمانة التي شاعت بين كثير من الناس الآن.. فغياب خلق الأمانة يعني فساد حياة الإنسان كلها، فالأمانة من القيم الأخلاقية الرفيعة ومن الخصائص التي تتميز بها شخصية المسلم، فالإنسان الأمين ذو ضمير حي، وذو قلب سليم، ومعاملاته مع الناس نقية من الشوائب، وعلاقاته الإنسانية تشرق بالحب والإخلاص وتتسم بالصدق، ونفسه عفيفة، وكفه شريفة نظيفة، يحافظ على حقوق الناس، ويصون أماناتهم فهو موطن الرجاء، وملتقى الثقة، يقبل الناس على معاملته بيعا أو شراء، ويأمنون على ودائعهم وأسرارهم عنده.

ويضيف: لابد من مواجهة كل صور خيانة الأمانة التي شاعت في مجتمعاتنا الآن، والمواجهة لا تعني تشديد الإجراءات وإصدار المزيد من قوانين العقوبات فحسب، بل ينبغي إلى جانب كل ذلك أن نعود إلى وسائل المواجهة الأخلاقية عن طريق التربية الدينية الصحيحة، فالأطفال ينبغي أن نعلمهم وندربهم منذ نعومة أظفارهم على احترام أمانات الله عندنا وأمانات الناس، ولابد أن نخيفهم من أكل أموال الناس بالباطل، وأن نحذرهم من إفشاء أسرار الآخرين.. كما ينبغي أن نكون قدوة طيبة لهم من خلال الحرص على حقوق الناس، وإعطاء كل ذي حق حقه.

علينا أن نربي أولادنا داخل بيوتنا أولا على كيفية الحرص على الأمانة.. أمانة التكليف الديني التي ألزمنا الله بها وأصبح هو وحده الرقيب علينا فيها.. أمانة الحفاظ على الوديعة وإعادتها إلى أصحابها.. وأمانة الحفاظ على أسرار الناس وما يبوحون به إلينا.. أمانة القول الصادق، وشهادة الحق، والعمل بإخلاص، وأمانة البيع والشراء بما أحله الله من دون ظلم أو غش.. كل هذه القيم التربوية الفاضلة لابد أن نربي أولادنا عليها منذ الصغر حتى يكونوا مثالا للأمانة في حياتهم وعلاقاتهم بالآخرين.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"