عالم سنة نبوية فريد استطاع بعلمه وجهده المتميز أن يضع اسمه في مقدمة علماء السنة في العالم الإسلامي.. وداعية عرفته أشهر وأكبر مساجد مصر، وفي مقدمتها الجامع الأزهر العريق وجامع عمرو بن العاص أول مسجد عرفته أرض الكنانة.. ولأنه خطيب مفوه، وعالم موسوعي، وصاحب فكر إسلامي معتدل، التفت حوله الجماهير في كل مكان ذهب إليه، وكل مسجد اعتلى منبره.
إنه العالم الأزهري الكبير د. إسماعيل الدفتار أحد أبرز علماء السنة النبوية المعاصرين، وعضو هيئة كبار العلماء، صاحب الثمانين عاما- مواليد مايو 1936- من عائلة أزهرية معروفة في محافظة الغربية وسط دلتا مصر.
في رحاب مشيخة الأزهر التقينا الدكتور الدفتار وكان لنا معه الحوار التالي:
هل تحدثنا عن نشأتكم وقصة التحاقكم بالأزهر وسر نبوغكم في الخطابة؟
- أنا من أسرة أزهرية، ومن الطبيعي أن يهتم والدي - رحمه الله - بإلحاقي بالأزهر، وكانت بدايتي في معهد أزهري شهير اسمه «المعهد الأحمدي» بمدينة طنطا، حيث تقع قريتي على بعد كيلومترات قليلة عن هذا المعهد، فأكملت تعليمي الأساسي والثانوي به، ثم التحقت بكلية أصول الدين وتخرجت فيها سنة 1964.
وبعد تخرجي فضلت العمل بالتدريس والخطابة، وأكرمني الله باعتلاء منبر الجامع الأزهر لسنوات طويلة، ثم انتقلت للخطابة في جامع عمرو بن العاص - أول المساجد التي أنشئت على أرض مصر - وكانت لي أنشطة دينية وثقافية كثيرة، وكنت عضواً بالمؤتمر القومي عام 1968، كما كنت أحد أعضاء (لجنة ال100) التي تضع خطة المؤتمر القومي، والذي وضع اسمي فيها هو الرئيس جمال عبد الناصر.
هناك اتهام من بعض الأزهريين للرئيس عبد الناصر بأنه قوض مسيرة الأزهر.. هل تتفق مع هؤلاء؟
- هذا الكلام غير صحيح، ففي عهد عبد الناصر تم تطوير الأزهر، وصدر قانون التطوير سنة 1963 على يد عالم أزهري مخلص هو الدكتور محمد البهي، رحمه الله، وفي عهده انتشرت المعاهد الأزهرية في قرى مصر، فالرجل كان يدعم المنهج الديني الوسطي الأزهري.
فرصة لمراجعة النفس
كيف ترى سلوكيات المسلمين في رمضان الآن.. وبماذا تنصحهم؟
- للأسف لا يدرك كثير من المسلمين قيمة هذا الشهر الكريم وما فيه من الخير لهم، ولا يقفون طويلاً عند قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لو تعلم أمتي ما في رمضان من خير لتمنت أن يكون العام كله رمضان»، فخيرات رمضان وبركاته كثيرة ومتنوعة لمن كان له عقل وقلب.
ما الذي صرف المسلمين عن بركات رمضان من وجهة نظركم؟
- في الوقت الحاضر أصبحت وسائل اللهو كثيرة من فضائيات ومسلسلات وبرامج تلفزيونية كثيرة وفيسبوك وغيره، وكأن رمضان قد أراده الله لكي نشاهد فيه مسلسلات تافهة ونسهر أمام الشاشات حتى الصباح ثم نذهب إلى أعمالنا كسالى لا نستطيع أن نؤدي عملا ولا عبادة، وهذا عبث يجب أن ينصرف المسلمون عنه.
ولذلك ننصح جميع المسلمين بأن يجعلوا من رمضان فرصة لالتقاط الأنفاس، ومراجعة النفس، وأن يعود المسلم إلى تعاليم وتوجيهات دينه ووصايا رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - وأن ينشغل معظم الوقت بالعمل والعبادة، والعمل في رمضان لا يقل أجره وثوابه عن العبادة، ولذلك لا يجوز لموظف أن يعطل مصالح الناس لكي يصلي أو يقرأ القرآن، فقضاء مصالح الناس وأداء الواجبات الوظيفية والحياتية أفضل عند الله من الانشغال بالعبادة.
علينا أن نعود إلى مناخ رمضان كما كان في الماضي، حيث الالتزام الديني الصحيح، وحيث التواصل الاجتماعي والإنساني والتكافل بين الغني والفقير، ولذلك كنا نعيش أجواء رمضانية حقيقية زاخرة بالعبادة والعمل والإنتاج وصلة الرحم وموائد الرحمن والحرص على صلاة التراويح، حيث خلت معظم المساجد الآن من الذين يؤدون هذه الصلاة التي حثنا عليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
ونحن نوصي الجميع من خلالكم بالحرص على آداب وأخلاقيات فريضة الصوم حتى يكون صومهم مقبولا وينالوا عليه الأجر والثواب وحتى تحقق هذه الفريضة أهدافها في حياتهم ويكون لها دور في تهذيب سلوكهم.. وأذكر كل مسلم هنا بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، لكي يكف عن الإسفاف والتشاجر مع خلق الله وترديد الألفاظ البعيدة عن أخلاق الإسلام ثم تحميل الصوم نتيجة إسفافه! مع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك ويدك».
علينا أن نعلم أن الصوم «أمانة» يجب على المسلم أن يؤديها على أكمل وجه، وأن يصون لسانه عن كل ما يهدر أو ينقص ثواب صومه، وأن يتحاشى قول الزور والعمل به، وأن يتخلى عن الرذائل ويتحلى بالفضائل، ومن يفعل ذلك يتكفل الله بجزائه، حيث يقول سبحانه وتعالى «الصيام لي وأنا أجزي به».
قيمة مهدورة
من الملاحظ أن كثيراً من المسلمين لا يدركون قيمة الوقت ولا يوظفون أوقات فراغهم كما ينبغي.. ماذا يقول لهم د. الدفتار؟
- للأسف لم يعد للوقت قيمة في حياة معظم المسلمين، وبعض الذين يهدرون أوقاتهم في العبث يفعلون ذلك لأنهم عاطلون عن العمل، فكثير من الشباب المتعلم والحاصل على شهادات جامعية لا يجدون عملا، وهذه مشكلة كبرى تؤدي إلى انحراف كثير من الشباب.. وليس من حقنا هنا أن نلوم هؤلاء على إهدار أوقاتهم، لأنهم بلا عمل، والبطالة تجلب كل صور الانحراف السلوكي.
وعموماً فإن المسلم مسؤول عن شغل وقته فيما يفيد، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به».
ولذلك يجب أن يكون للوقت قيمته في حياة المسلم، فلا يتكاسل عن عمل واجب عليه ولا يضيع وقته في اللهو والعبث، ولا يجلس في بيته أو مكتبه طاقة معطلة عن العمل والإنتاج، ولا يهدر وقته في أعمال غير مفيدة وقاتلة للوقت، فرسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - يحث المسلم من خلال العديد من التوجيهات النبوية الكريمة على ضرورة استغلال كل لحظة من حياته لعمل الخير، كما أنه - صلى الله عليه وسلم - ينبهنا إلى ضرورة الوعي بالزمن، ويحثنا على استغلال كل دقيقة من عمرنا فيما يعود علينا بالنفع في دنيانا وأخرانا، ويحذرنا من إهدار الوقت فيما لا يفيد. إنه يعلمنا أن حياتنا لا يمكن أن تستقيم ومشكلاتنا لا يمكن أن تحل، ومجتمعاتنا لا يمكن أن تنهض وتتقدم، ونحن نهدر أوقاتنا في اللهو والعبث.. فالمسلم الحق هو الذي ينظم وقته بين الواجبات الدينية والواجبات الدنيوية، وهو الذي يعطي كل ذي حق حقه من دون أن يفرط في جانب لحساب الجوانب الأخرى.
..بحثا عن وظيفة
أشرتم إلى البطالة التي يعانيها كثير من الشباب في بلادنا العربية وأنها سبب مباشر للانحراف.. ماذا تقولون للشباب المتعلم الذي يجلس بلا عمل، بحثا عن وظيفة حكومية مناسبة وكرسي ومكتب؟
- أولاً: واجب الحكومات أن توفر فرص عمل مناسبة لكل العاطلين، لو كان بمقدورها أن تفعل ذلك، وإذا لم يكن في مقدورها أن توفر فرص العمل فعليها أن توفر مناخ العمل وفرص الاستثمار في القطاع الخاص، حتى يمكن استيعاب العاطلين، وعلى الدولة التي تنشد الاستقرار أن تسعى جاهدة للقضاء على البطالة، لأن الإنسان العاطل بيئة خصبة للانحراف، كما أنه من السهل استغلال ظروفه من الجماعات المنحرفة التي تجند الشباب للإضرار بمجتمعاتهم.
وما نقوله للشباب هنا أن الإسلام طالبنا بالسعي في الأرض لتحصيل الرزق، ولا يوجد في قاموس الإسلام عمل مناسب وعمل غير مناسب، بل يوجد فيه عمل مشروع وعمل غير مشروع، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه» وكل العاطلين يعيشون عالة على أسرهم، وقد تكون أسرهم فقيرة أو محدودة الدخل، ولا ينبغي لشاب مسلم أن يرضى بهذا الوضع، فعلى الشباب العاطل أن يرضوا بفرص العمل المتاحة حتى ييسر الله لهم.
آفة النفاق
حذرت دراسة اجتماعية صدرت مؤخرا من وباء النفاق ومخاطره في عالمنا العربي، حيث أكدت أنه يهدر حقوق المجيدين في أعمالهم.. كيف ينظر د. الدفتار إلى قوافل المنافقين الذين أفسدوا حياتنا السياسية والاجتماعية والأخلاقية؟
- النفاق من أقبح الرذائل التي ابتليت بها مجتمعاتنا الإسلامية، وهو رذيلة لا يقتصر خطرها على الحالة النفسية والإيمانية للمنافق، بل يتجاوز ذلك إلى التأثير في حياة المسلمين الدينية والاجتماعية والأخلاقية، فالمنافق لا ينافق لوجه الله، ولا يوزع أكاذيبه على الناس من باب المجاملة، بل يتطلع إلى مكاسب ومنافع تعود عليه من وراء كذبه ونفاقه.. وبالتالي فإن المنافقين في مختلف المواقع يتسببون في مفاسد كثيرة تلحق أبلغ الضرر بالمجتمع كله، وهذا ما أرشدنا إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».
وهذا التوجيه النبوي الكريم يؤكد لنا أن المنافق ليس إنسانا سويا، بل هو ضعيف الشخصية لا يثق في قدرته وإمكاناته، ولذلك يلجأ دائما إلى ما يعوض به النقص الذي يشعر به.. ومن شأن هذا الإنسان الذي تفوق رغباته وشهواته إمكاناته أن يلجأ إلى الكذب، والكذب في حد ذاته رذيلة من أقبح الرذائل التي تفسد حياة الناس.
من هنا يجب على المجتمع كله أن ينبذ المنافقين ويحتقرهم وهذا كفيل بردعهم ودفعهم إلى محاسبة أنفسهم، كما يجب مواجهة كل مظاهر النفاق السياسي التي نراها في وسائل الإعلام المختلفة كل يوم، ووضع معايير موضوعية دقيقة لتقييم العاملين في كل أجهزة الدولة وكل مؤسسات القطاع الخاص، ففي ظل غياب هذه المعايير الموضوعية يسطو المنافقون على سطح الحياة ويحصلون على حقوق الآخرين بنفاقهم وتقربهم إلى المسؤولين بكل الوسائل.
إلى جانب كل ذلك يجب أن يتخلى أصحاب القرار عن احتضان المنافقين ومنحهم الوظائف والامتيازات، ولا بد أن تكون الكفاءة والخبرة والعلم مقاييس اختيار كبار المسؤولين في الدولة، لأن احتضان المنافقين يخلق أجيالا جديدة أكثر إبداعا في النفاق.
حال لا يسر
المراقب لأحوال المجتمعات العربية يرى أن القسوة أصبحت تسيطر على علاقات كثير من الناس في محيط الأسرة أو خارجها.. كيف نواجه هذا الخطر؟
المجتمع الذي يريده الإسلام هو المجتمع المتآخي المتحاب المتكافل إنسانياً واجتماعياً والذي يقوم فيه الغني برسالته الإنسانية تجاه الفقير، ويرحم فيه القوى الضعيف، لكن من المؤسف أن نرى القسوة والعنف يسيطران على سلوك كثير من المسلمين.
إن مطالعة صحيفة عربية واحدة وتصفح صفحات الحوادث والجرائم بها يكفي لإدراك الخطر الذي يحيط بنا من حجم ونوعية الجرائم والحوادث التي تحدث في المجتمع، ولا سبيل لمواجهة ذلك إلا بنشر القيم والأخلاق الإسلامية، فالإسلام بقيمه وأخلاقه قادر على مواجهة هذه الانحرافات والتجاوزات السلوكية، وفي الإسلام تجد الرحمة والعفو عند المقدرة، والصبر والإيثار، والصدق والعدل وكل ما هو جميل ومثالي من الأخلاق.
ولكي نصلح من أحوالنا ونعيد الهدوء وروح التسامح إلى مجتمعاتنا من جديد لا بد أن نعترف بأن العنف الذي ساد حياتنا في معظم المجتمعات الإسلامية سببه الرئيسي غياب قيم وأخلاقيات الإسلام، فلو عرف المتشاجرون فضل الرحمة وقيمتها لانتزعت القسوة من قلوبهم، ولو تربى الصغار على خلق الرحمة والرأفة والإيثار والعفو داخل منازلهم وغرست هذه القيم والأخلاقيات الفاضلة في نفوسهم منذ الصغر من خلال التربية داخل البيوت ومن خلال مناهج الدراسة والدروس وخطب الجمعة في المساجد لما شاع العنف في حياتنا بهذا الشكل المزعج.. ولذلك نحن في أمس الحاجة الآن إلى تعاليم وأخلاق الإسلام لنواجه بها كل مظاهر العنف والظلم والقسوة التي أفسدت حياتنا.