كانت الزينة، والتي منها الحليّ المختلفة ولا تزال تتوقف إلى حدّ بعيد على المستوى العام للمعيشة من جهة، وعلى مقدار التقدم الحضاري عند الشعوب والأمم من جهة أخرى . وقد كانت شبه الجزيرة العربية بمثابة الوطن للعرب قبل الإسلام، غير أنهم كانوا ينزحون ليستوطنوا خارجها، فيؤسسون ممالك ودويلات مهمة بلغت درجة عالية من التقدم والحضارة والرخاء . ومن أهم تلك الدويلات مملكة الحضر بجوار بغداد والتي ازدهرت وامتدت من نهر دجلة شرقاً إلى نهر الفرات غرباً . ومن جبال سنجار شمالاً إلى مشارف مدينة المدائن جنوباً . وظلت عامرة لخمسة قرون من سنة 300 قبل الميلاد إلى سنة 241 بعد الميلاد . وقد بلغت مدينة الحضر في ظل هذه المملكة أوج مجدها وحضارتها .
وتفيدنا دراسة أدوات الزينة التي كشفت عنها الحفائر والتماثيل والرسوم النسائية، أن اهتمام نساء مدينة الحضر في جوار بغداد كان كبيراً بتصفيفات الشعر المختلفة، ومنها لوي الشعر وجعله في خصل حلزونية ملتفة متجاورة ومتعددة . وكانت النساء العربيات في مدينة الحضر في جوار بغداد يتبعن تقسيم شعر الرأس إلى قسمين متساويين، ثم توزيعه في خصل صغيرة متساوية في الطول، يتبع ذلك ليّ الخصل الأمامية منها، ثم قلبها إلى الجهة الخلفية أو ثنيها وقلبها إلى الأعلى . وكانت المرأة العربية تستعين على ذلك بمواد شبه صمغية للخصل المثبتة أو المقلوبة .
وزيادة في التزين استخدمت المرأة العراقية الحضرية أكاليل الغار أو التيجان المختلفة الأشكال والأنواع، منها التيجان الصغيرة المكونة من أسلاك الذهب، أو الفضة، ومنها الكبيرة المرتفعة الأسطوانية أو المضلعة، والتي تنتهي في أسافلها بحافات غليظة مبرومة . وكانت تيجان النساء العربيات العراقيات الحضريات، تزينها أحجار كريمة كالياقوت أو اللآلئ والزمرد . أما بالنسبة إلى حليهن، فقد اتخذن الأقراط الحلقية الهلالية والدلايات الصغيرة . وكذلك الأقراط ذات الأشكال الكروية التي تتدلى من الأذن . وقد عرفت سيدات الحضر الأطواق التي تحيط بالعنق . وهي تختلف عن القلادات وغيرها من حلي الرقبة . وكان منها الأسطواني والمطروق .
ترف يفوق التصور
إن الأساس في حلي المرأة الحضرية والعراقية الذهب والفضة . وقد عرفت صناعة هذه الحلي في بلاد العراق وخصوصاً في مدنها وعواصمها التاريخية قبل الإسلام وبعده حوانيت ودكاكين ومحترفات خاصة بها . وكانوا يسمون اللؤلؤة قبل أن تثقب (الخريدة) واللؤلؤة الكبيرة (الدرة) والدرة قبل ثقبها (العذراء) . ومن الأحجار الكريمة التي كانت تدخل في صناعة الحلي في العراق، الياقوت والعقيق والمرجان، حيث صنعت منها الأقراط والشنوف وحلي الرقبة والصدار مثل المخنقة والطوق والعقد . كما تزينت أذرع وأصابع السيدات العراقيات بالأساور والخواتم، وزينت الساق بالخلاخيل والسناسل الذهبية والفضية وكانت تسمى أيضاً بالحجل .
ومع بناء بغداد مدينة المنصور المدورة وعاصمة الخلافة العباسية/ دار السلام بين عامي (145- 149ه) (762- 766م)، اتخذ تجار الجواهر (الجوهرجيّة) سوقاً لهم داخل المدينة المدورة مقابل قصر المنصور وبإزاء جامع الذهب الذي شيده قبالة القصر . ولم يمض على ذلك نصف قرن، حتى احتلت بغداد المقام الأول في العالم قاطبة في الثروة والرخاء الاقتصادي والحضارة والعلم والأدب، وبلغ الترف والبذخ والانفاق على التزين في بغداد زمن الخلفاء العباسيين، مبلغاً يفوق التصور . وكانت زينة النساء وحليهن طاغية في الاحتفالات الرسمية لتنصيب الخلفاء الجدد وإقامة أعراس الخلفاء والأمراء، ومواكب الحج واحتفالات الختان . وزفاف الخليفة هارون الرشيد على الست زبيدة، أنفق فيه على شراء الحلي وأنواع الزينة نحو 55 مليون درهم . أما زفاف المأمون على الست بوران فصرف عليه نحو أربعين مليون درهم . ويصف الخطيب البغدادي سيدات المجتمع العباسي في بغداد، بأنهن اتخذن زينة عظيمة من الحلي والجواهر والأحجار الكريمة المشغولة ببغداد وسائر المدن والعواصم في الأقاليم المجاورة، فجلبن الانتباه بفخامة ملابسهن وزينتهن وحليهن (تاريخ بغداد 1/118) .
والتمس الناس عامة في بغداد وجوه الزينة والصرف والبذخ واقتناء الحلي والجواهر . فكانوا يطلبون الجديد في اللباس، ويفرطون في استخدام الزينة، فكان من جملة ذلك أن أقبلت النساء اقبالاً عظيماً على التزين بمختلف أشكاله واقتناء الحلي بشتى أنواعه . وقطعت سيدات بغداد أشواطاً عظيماً متقدمة جداً في التزين . ويظهر لنا ذلك من خلال بعض المصورات الجدارية التي ترجع إلى تلك الحقبة الزمنية . وفيها سيدات بغداديات في بعض القصور البغدادية وفي قصور سامراء وكذلك نجد نماذج لها في رسوم النساء الممثلة في تزاويق المخطوطات وفي الخزف .
الوشم وتصفيف الشعر
ومن ألوان الزينة للسيدات البغداديات الوشم الذي اتخذ أشكالاً مختلفة ومتطورة عنه في العصور العربية السابقة . وفي رسوم سامراء الجدارية تصفيفات متنوعة لشعر السيدات، منها تصفيفة يتكور فيها الشعر خلف الرأس، في حين أن شعر الصدغين قد لوي في شكل حلزوني أشبه بحرف النون أو شوكة العقرب . ويذكر ذلك أبو نواس في شعره:
له عقربا صدغ على ورد خده
كأنهما نونان من كف ماشق
وأقبلت السيدات في بغداد على اقتناء واستخدام الحلي في زينتهن إلى حدّ الإفراط . وتركت السيدة شجاع أم المتوكل (ت 247ه) من الحلي والجواهر ما قيمته مليون دينار . أما ما خلفته قبيحة أم المعتز وزوج المتوكل (255 ه) من الحلي فإن قيمته تفوق مليوني دينار، وفي المتحف العراقي مجموعة تعود إلى قصور بغداد في العصر العباسي، فيها أقراط وأطواق وأساور وخواتم .