ضفدع الغابات‮ ‬تقاوم البرد بالنوم

السكر يحمي الخلايا من تجمد مائها
06:09 صباحا
قراءة 3 دقائق
إعداد‮: ‬محمد هاني‮ ‬عطوي

ضفدع الغابات،‮ ‬حيوان برمائي‮ ‬يعيش في‮ ‬المناطق البادرة،‮ ‬في‮ ‬درجات الحرارة تصل إلى‮ -٨١ ‬درجة مئوية‮) ‬C‮ (‬وذلك عن طريق التجمد،‮ ‬والسر في‮ ‬تحمله لهذه الظروف السكر،‮ ‬فكيف ذلك؟

يعد موسم الشتاء اختباراً‮ ‬لكثير من الحيوانات،‮ ‬لكنه بالنسبة إلى ضفدع الغابة فصل التحدي‮ ‬حيث‮ ‬يتحول فيه إلى قطعة من الرخام بتجميده نفسه،‮ ‬فعندما‮ ‬يضرب الصقيع شمال القارة الأمريكية،‮ ‬حتى الاسكا،‮ ‬فإن الضفدع‮ ‬Sylvatica rana‮ ‬(وهو الاسم العلمي‮) ‬لا‮ ‬يهتز أبداً،‮ ‬ففي‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يحتمي‮ ‬فيه بعض أقرانه من الأنواع الأخرى تحت الأرض أو في‮ ‬قاع النهر،‮ ‬فإنه‮ ‬يبقى في‮ ‬الهواء الطلق من دون أي‮ ‬قلق على الإطلاق،‮ ‬مجمداً‮ ‬نفسه حتى‮ ‬يأتي‮ ‬فصل الربيع بعد أشهر عدة من لعب دور الكائن المتجمد، حيث‮ ‬يستيقظ ويستأنف حياته البرمائية الصغيرة كأن شيئاً‮ ‬لم‮ ‬يكن‮.‬
ولو أن إنساناً‮ ‬حاول قضاء فصل الشتاء بهذه الطريقة،‮ ‬فإنه سيعرض نفسه للموت لا محالة،‮ ‬ومثل كل الثدييات،‮ ‬يجب علينا كبشر إبقاء حالة أجسامنا الداخلية عند درجة حرارة ثابتة،‮ ‬فإذا انخفضت إلى أقل من ‮٧٣ ‬درجة مئوية،‮ ‬فإن الآلية الخلوية لدينا تنكمش وتتوقف قلوبنا إلى الأبد‮.‬
ويوضح ماري‮ ‬أوهلر،‮ ‬اختصاصي‮ ‬البرمائيات في‮ ‬متحف التاريخ الطبيعي‮ ‬بفرنسا فيرى أن الضفدع ‬Sylvatica rana‮(‬)،‮ ‬الذي‮ ‬ينتمي‮ ‬إلى ذوات الدم البارد،‮ ‬يمكن أن تختلف درجة حرارة جسمه تبعاً‮ ‬لظروف بيئته،‮ ‬ولكن هذا لا‮ ‬يفسر السبب في‮ ‬مقاومته للبرد إلى ما دون الصفر المئوي،‮ ‬وبما أن‬Sylvatica rana‮ (‬) يتكون أساساً‮ ‬من الماء فإنه عندما‮ ‬يتحول الماء إلى جليد داخل الجسم،‮ ‬فإن ذلك لا‮ ‬يكون جيداً‮ ‬للصحة لأنه عندما تتجمد خلية،‮ ‬فإن الماء الذي‮ ‬تحتويه‮ ‬يزداد حجماً‮ (‬الجليد‮ ‬يأخذ مساحة أكبر من الماء السائل‮)‬،‮ ‬وفي‮ ‬نهاية المطاف تنفجر مثل زجاجة مملوءة وضعت في‮ ‬الثلاجة‮.‬
فضلاً‮ ‬عن ذلك فإن المياه الموجودة بين الخلايا لها أيضاً‮ ‬تأثير قاتل فالمركبات الذائبة فيه،‮ ‬مثل الصوديوم أو البوتاسيوم،‮ ‬تندفع خارج الجليد تدريجياً‮ ‬مع تشكله الأمر الذي‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى زيادة حادة في‮ ‬تركزها في‮ ‬الماء المتبقي‮ ‬الموجود خارج الخلايا في‮ ‬الحالة السائلة،‮ ‬ولإعادة هذا المعدل إلى مستوى معقول واستعادة التوازن الاسموزي،‮ ‬يتم امتصاص الماء من الخلايا المجاورة وبالتالي‮ ‬فإن هذه الأخيرة تذبل وتموت‮.‬
وقام دون لارسون،‮ ‬الباحث في‮ ‬معهد علم الأحياء في‮ ‬القطب الشمالي‮ ‬في‮ ‬الاسكا،‮ ‬بدراسة الضفادع خلال أربعة فصول شتوية من ‮١١٠٢-٤١٠٢‬،‮ ‬في‮ ‬محاولة لفهم كيف تنجو من هذا المصير الرهيب،‮ ‬واكتشف أنها أكثر مقاومة مما كان‮ ‬يعتقد سابقاً‮ ‬لأنها قادرة على البقاء متجمدة ما‮ ‬يقرب من مئتي‮ ‬يوم في‮ ‬درجات حرارة تتراوح بين‮ -٦‬ْ‮ ‬C‮ ‬إلى‮ - ٨١‬درجة مئوية،‮ ‬ومع معدل للبقاء على قيد الحياة بنسبة ‮٠٠١‬٪‮ ‬واكتشف الباحث أن المادة التي‮ ‬تسمح لها بالقيام بهذا العمل الفذ هو السكر المتواجد بجرعات كبيرة في‮ ‬جميع أنحاء جسمها،‮ ‬ويعتقد لارسون أن السكر‮ ‬يحمي‮ ‬الضفدع من التعرض للتدمير بفعل الجليد، حيث إنه‮ ‬يلعب دوراً‮ ‬مشابهاً‮ ‬لمضاد التجمد في‮ ‬محرك السيارة بمعنى أنه عندما‮ ‬يتواجد بوفرة كبيرة في‮ ‬الخلية،‮ ‬فإنه‮ ‬يقلل من نقطة تجمد الماء الموجود فيها،‮ ‬مثل الملح تماماً‮ ‬الذي‮ ‬يمنع ماء البحر من التجمد عند أكثر‮ -٤ ‬درجة مئوية،‮ ‬والواقع أن الماء في‮ ‬خلايا الضفادع‮ ‬يكون في‮ ‬فصل الشتاء مفعماً‮ ‬بالسكر إلى درجة أن بلورات الجليد لا‮ ‬يمكن أن تبدأ بالشكل إلا عند‮ -٠٢‬ْ‮ ‬C‮ ‬مئوية وبالتالي،‮ ‬فإن الوسط الذي‮ ‬يحيط بالخلايا هو الذي‮ ‬يتجمد في‮ ‬فصل الشتاء أما ما في‮ ‬الداخل فيبقى سائلاً،‮ ‬ويقول دون لارسون‮: «‬هذه النسبة العالية من السكر في‮ ‬الخلية لها تأثير واق آخر فهي‮ ‬تمنع الماء من الانجرار خارج الخلية لاستعادة التوزان الاسموزي‮ ‬مع الوسط الخارج،‮ ‬وهكذا نرى أن حياة ضفدع الغابة تدور حول السكر،‮ ‬وخلال‮ «‬الحارة‮»‬‮ ‬وفي‮ ‬موسم الحر‮ (‬مفهوم نسبي‮ ‬ينطبق على الاسكا‮) ‬يخزن هذا الحيوان كمية كبيرة منه في‮ ‬الكبد المتطورة جداً،‮ ‬ومع بداية الأيام الأولى‮ ‬يطلقه تدريجياً‮ ‬في‮ ‬دمه وبالتالي‮ ‬فإن نحو ‮٠٧‬٪‮ ‬من المياه في‮ ‬جسمه قد تجمد من دون إلحاق أي‮ ‬أضرار في‮ ‬عناصره الحيوية،‮ ‬وعندما‮ ‬يحل فصل الربيع،‮ ‬يعود القلب المجمد لفترة طويلة إلى الخفقان مرة أخرى،‮ ‬ضاخاً‮ ‬دماً‮ ‬مملوءاً‮ ‬بالسكر في‮ ‬جميع أنحاء جسم الحيوان،‮ ‬على أن‮ ‬يستأنف دورة جديدة في‮ ‬فصل الشتاء المقبل،‮ ‬ولكن السر الآخر الذي‮ ‬يبقى هو كيف‮ ‬يمكن لقلب هذا الحيوان الذي‮ ‬توقف لأشهر الانتعاش من جديد من دون أي‮ ‬تدليك أو استخدام جهاز محفز؟

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"