ضفدع الغابات، حيوان برمائي يعيش في المناطق البادرة، في درجات الحرارة تصل إلى -٨١ درجة مئوية) C (وذلك عن طريق التجمد، والسر في تحمله لهذه الظروف السكر، فكيف ذلك؟
يعد موسم الشتاء اختباراً لكثير من الحيوانات، لكنه بالنسبة إلى ضفدع الغابة فصل التحدي حيث يتحول فيه إلى قطعة من الرخام بتجميده نفسه، فعندما يضرب الصقيع شمال القارة الأمريكية، حتى الاسكا، فإن الضفدع Sylvatica rana (وهو الاسم العلمي) لا يهتز أبداً، ففي الوقت الذي يحتمي فيه بعض أقرانه من الأنواع الأخرى تحت الأرض أو في قاع النهر، فإنه يبقى في الهواء الطلق من دون أي قلق على الإطلاق، مجمداً نفسه حتى يأتي فصل الربيع بعد أشهر عدة من لعب دور الكائن المتجمد، حيث يستيقظ ويستأنف حياته البرمائية الصغيرة كأن شيئاً لم يكن.
ولو أن إنساناً حاول قضاء فصل الشتاء بهذه الطريقة، فإنه سيعرض نفسه للموت لا محالة، ومثل كل الثدييات، يجب علينا كبشر إبقاء حالة أجسامنا الداخلية عند درجة حرارة ثابتة، فإذا انخفضت إلى أقل من ٧٣ درجة مئوية، فإن الآلية الخلوية لدينا تنكمش وتتوقف قلوبنا إلى الأبد.
ويوضح ماري أوهلر، اختصاصي البرمائيات في متحف التاريخ الطبيعي بفرنسا فيرى أن الضفدع Sylvatica rana()، الذي ينتمي إلى ذوات الدم البارد، يمكن أن تختلف درجة حرارة جسمه تبعاً لظروف بيئته، ولكن هذا لا يفسر السبب في مقاومته للبرد إلى ما دون الصفر المئوي، وبما أنSylvatica rana () يتكون أساساً من الماء فإنه عندما يتحول الماء إلى جليد داخل الجسم، فإن ذلك لا يكون جيداً للصحة لأنه عندما تتجمد خلية، فإن الماء الذي تحتويه يزداد حجماً (الجليد يأخذ مساحة أكبر من الماء السائل)، وفي نهاية المطاف تنفجر مثل زجاجة مملوءة وضعت في الثلاجة.
فضلاً عن ذلك فإن المياه الموجودة بين الخلايا لها أيضاً تأثير قاتل فالمركبات الذائبة فيه، مثل الصوديوم أو البوتاسيوم، تندفع خارج الجليد تدريجياً مع تشكله الأمر الذي يؤدي إلى زيادة حادة في تركزها في الماء المتبقي الموجود خارج الخلايا في الحالة السائلة، ولإعادة هذا المعدل إلى مستوى معقول واستعادة التوازن الاسموزي، يتم امتصاص الماء من الخلايا المجاورة وبالتالي فإن هذه الأخيرة تذبل وتموت.
وقام دون لارسون، الباحث في معهد علم الأحياء في القطب الشمالي في الاسكا، بدراسة الضفادع خلال أربعة فصول شتوية من ١١٠٢-٤١٠٢، في محاولة لفهم كيف تنجو من هذا المصير الرهيب، واكتشف أنها أكثر مقاومة مما كان يعتقد سابقاً لأنها قادرة على البقاء متجمدة ما يقرب من مئتي يوم في درجات حرارة تتراوح بين -٦ْ C إلى - ٨١درجة مئوية، ومع معدل للبقاء على قيد الحياة بنسبة ٠٠١٪ واكتشف الباحث أن المادة التي تسمح لها بالقيام بهذا العمل الفذ هو السكر المتواجد بجرعات كبيرة في جميع أنحاء جسمها، ويعتقد لارسون أن السكر يحمي الضفدع من التعرض للتدمير بفعل الجليد، حيث إنه يلعب دوراً مشابهاً لمضاد التجمد في محرك السيارة بمعنى أنه عندما يتواجد بوفرة كبيرة في الخلية، فإنه يقلل من نقطة تجمد الماء الموجود فيها، مثل الملح تماماً الذي يمنع ماء البحر من التجمد عند أكثر -٤ درجة مئوية، والواقع أن الماء في خلايا الضفادع يكون في فصل الشتاء مفعماً بالسكر إلى درجة أن بلورات الجليد لا يمكن أن تبدأ بالشكل إلا عند -٠٢ْ C مئوية وبالتالي، فإن الوسط الذي يحيط بالخلايا هو الذي يتجمد في فصل الشتاء أما ما في الداخل فيبقى سائلاً، ويقول دون لارسون: «هذه النسبة العالية من السكر في الخلية لها تأثير واق آخر فهي تمنع الماء من الانجرار خارج الخلية لاستعادة التوزان الاسموزي مع الوسط الخارج، وهكذا نرى أن حياة ضفدع الغابة تدور حول السكر، وخلال «الحارة» وفي موسم الحر (مفهوم نسبي ينطبق على الاسكا) يخزن هذا الحيوان كمية كبيرة منه في الكبد المتطورة جداً، ومع بداية الأيام الأولى يطلقه تدريجياً في دمه وبالتالي فإن نحو ٠٧٪ من المياه في جسمه قد تجمد من دون إلحاق أي أضرار في عناصره الحيوية، وعندما يحل فصل الربيع، يعود القلب المجمد لفترة طويلة إلى الخفقان مرة أخرى، ضاخاً دماً مملوءاً بالسكر في جميع أنحاء جسم الحيوان، على أن يستأنف دورة جديدة في فصل الشتاء المقبل، ولكن السر الآخر الذي يبقى هو كيف يمكن لقلب هذا الحيوان الذي توقف لأشهر الانتعاش من جديد من دون أي تدليك أو استخدام جهاز محفز؟