قال تعالى في سورة الرحمن: (مُتَّكِئِينَ عَلَىا فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ)، ولو قال مكانه: (وثمر الجنتين قريب) لم يقم مقامه، من جهة المعنى واللفظ.
أما من جهة المعنى: فإن لفظ (الجنى) يدل على نضج الثمر، وأنه صار إلى حال يجنى فيها، وصار يانعاً تشتهيه الأنفس وتلذ به الأعين، وهذا زيادة في النعيم إذ انتظار نضجه لا يخلو من قلق للنفس، ولو قيل: (وثمر الجنتين) لفات هذا المعنى؛ إذ لفظ (الثمر) لا يشعر بذلك، ولفظ (دان) يدل على أنه شديد القرب يسهل تناوله من دون كلفة أو عناء، وفي هذا جمال للعين وراحة للمتناول، بينما لفظ (قريب) قد يراد منه القرب النسبي الذي في تناوله نوع من مشقة لا يريدها الله تعالى لأهل الجنة.
وأما من جهة اللفظ: فبين (الجنى) و(الجنتين) جناس لفظي، وهو أمر يعطي النص جمالاً، ولفظ (دان) فيه مؤاخاة الفواصل وتناسبها، فإن فواصل السورة تنتهي بالألف والنون: (الرحمن، القرآن، جنتان، دان، تكذبان) ولهذا أيضاً حذف منه الياء فانتهى بالنون (دان) مكان (دَاني) فتمت المحافظة على النغم الموسيقي للسورة كلها.
ومثله قوله تعالى في سورة الضحى: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىا
).
قال الفراء: «يريد: ما قلاك، فألقيت الكاف، كما تقول: أعطيتك وأحسنت، ومعناه: أحسنت إليك، فتكتفي بالكاف الأولى من إعادة الأخرى، ولأن رؤوس الآيات بالياء فاجتمع فيه ذلك».
فرأى الفراء حذف الكاف لأمرين:
الأول: الإيجاز بالحذف اكتفاء بدلالة الكاف الأولى في (وَدَّعَكَ).
والثاني: مراعاة الفواصل في السورة: (والضحى، سجى، قلى، فترضى، فَآوى، فهدى).
وكلاهما أمر بلاغي، فمن المعلوم أن مراعاة المعنى وطلب الاختصار بلاغة، ومراعاة اللفظ وطلب المناسبة بين الألفاظ بلاغة، لما فيه من حسن وجمال.
ومثله حذف الكاف من السورة نفسها في قوله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىا ، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىا
) والمعنى: فآواك، فهداك.
«وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُور»
قال تعالى في سورة فاطر: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىا
وَالْبَصِيرُ، وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ).
قال ابن كثير: (يقول تعالى: كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة كالأعمى والبصير لا يستويان، بل بينهما فرق وبون كثير، وكما لا تستوي الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور كذلك لا تستوي الأحياء ولا الأموات.
وهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمنين وهم الأحياء، وللكافرين وهم الأموات.. فالمؤمن بصير سميع، في نور يمشي، على صراط مستقيم في الدنيا والآخرة، حتى يستقر به الحال في الجنات ذات الظلال والعيون، والكافر أعمى وأصم، في ظلمات يمشي، لا خروج له منها، بل هو يتيه في غيّه وضلاله في الدنيا والآخرة، حتى يفضي به ذلك إلى الحرور والسموم).
ونقف في الآية على كلمة (الحرور) لنجد هذه الكلمة البديعة التي جاءت في هذا الموضع كالنجم المتلألئ، ويعز على الفصيح أن تخطر بباله فيستعملها في مثل هذا الموضع.
الحرور: على وزن فعول، مشتق من الحر، وفيه معنى التكثير، أي الحر المؤذي، ولهذا قيل: لا يكون الحرور إلا مع شمس النهار.
فلفظ (الحرور) في الآية يظهر الفرق الكبير بين الحر الشديد المؤذي، والظل البارد المريح. فكم من فرق بين شخص تحت حر الشمس يؤذيه لفحها، وآخر تحت ظل وافر تنعم نفسه بالبهجة والسرور؟!.
وهذه اللفظة صوّرت غاية التأذي، فالشمس ساطعة وريحها كالسموم يشوي الوجوه، ولا تجد هذه الإيحاءات لو قيل: فلان تحت الشمس.
وهذه المبالغة في التمثيل جيء بها لتأكيد غاية البعد بين منزلة المؤمن والكافر، فسبحان هذا الإله الذي أحكم كتابه العظيم.
* مدير الجامعة القاسمية - الشارقة
«...وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ»
في رحاب آية
2 يونيو 2017
03:15 صباحا
قراءة
3
دقائق
د. رشاد سالم *