الاختراعات حبيسة بعد البراءة
ملف أعدته: إيمان عبدالله
علامات استفهام كثيرة تدور في أذهان المخترعين، الذين اقتحموا عالم الابتكار، بكل اجتهاد وحماسة، بعد أن فكروا وثابروا وعملوا للوصول إلى حل لمشكلة فعلية يعانيها المجتمع، ليجد الشباب الحلول الجذرية لمشكلة ما، وتتهافت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة لتسليط الضوء على هذا المنجز والتصفيق لهؤلاء المخترعين الذين يستحقون الإشادة، ولكن ماذا بعد التصفيق والإشادة؟ وماذا بعد أن نجحت الاختراعات إعلامياً؟ فعلياً وفي الواقع لا شيء يذكر بعد النجاح الإعلامي، لتظل هذه القصاصات الورقية والفيديوهات الإلكترونية مجرد ذكرى لدى المخترع، فإنجازه لايزال بين يديه ولم يحول إلى منتج يباع في الأسواق، فليس هناك من يدعم المنتج والفكر والاختراع المحلي .
رغم مصير الاختراعات التي أصبحت واضحة للجميع، وأصبحت معاناة لا تنتهي ويكررها المخترعون مراراً وتكراراً من دون أن يجدوا من يستمع إليهم ويمولهم، إلا أن الشباب مصر على الاختراع والابتكار، فاهتمام الشباب مستمر ليبتكروا أفكاراً جديدة، فما الدوافع التي تجعلهم يقبلون على الابتكار؟ وفي ظل الصراع المستمر، إلا أن هناك عدداً قليلاً من المخترعين الذين واجهوا كل التحديات وموّلوا اختراعاتهم بأنفسهم لترى النور، في حين وجد آخرون من يحتضنهم .
وبين كل تلك المشكلات، تظل مسألة تسريب وسرقة الاختراعات محيرة، فلا يستطيع المخترع حماية فكرته رغم سعيه إلى تسجيل براءة اختراع، فهو لا يعلم من وراء التسريب، كما أن تجاهل الشركات العالمية والمحلية لصوت المخترعين، قضية تستحق الوقوف عندها، فالبعض منهم لا يملك الجدية والمصداقية كي يقوم بتبني الأفكار التي تعد حلولاً جذرية لمشكلات قائمة .
تطالعنا الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية وشاشات التلفزيون بشكل أسبوعي بالحديث عن مخترع أو مبتكر، لنجد أنه في المحصلة لدينا العديد من المبتكرين والمخترعين، الذين انتشرت أخبارهم، ونجحت اختراعاتهم إعلامياً، ولكن ماذا بعد الخبر؟ يموت الاختراع وينطفئ بريقه، ويطل برأسه بين الحين والآخر بمشاركة في مسابقة محلية أو دولية، ليبهر العالم ويلفت الأنظار، فيسمع المخترع المديح وكلمات الثناء، وربما وعوداً كاذبة، إلا أنه ليس هناك فعلياً من يسعى إلى تحويل الاختراع إلى منتج ليباع في الأسواق . فماذا ينقصنا في الإمارات لتحويل الاختراع إلى منتج؟ ولماذا لا تكون لدينا شركة تابعة لوزارة الاقتصاد لتبني كافة الاختراعات التي تقدم حلولاً جذرية، وتدر أرباحاً على الطرفين؟ واختتم المشاركون في التحقيق حديثهم بتساؤلات عدة حيرتهم لسنوات طوال .
خلفان الحمادي "إداري في جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية"، أكد أن دور وزارة الاقتصاد يقتصر على توزيع أرقام المخترعين على وسائل الإعلام، من دون أن يبذلوا أي جهد فعلي في إرشاد المخترع، وتوجيهه ودعمه . ويقول: "سجلت الاختراع في وزارة الاقتصاد، وواجهت الكثير من المشكلات، ولم أجد جهة مموّلة، والفكرة سجلتها قبل 4 سنوات، وأتمنى ولا أزال أن تنفذ الفكرة في "إكسبو،2020" ويشير إلى أنه يتلقى الكثير من الاتصالات من وسائل الإعلام لتسليط الضوء على اختراعه، لكنه لم يجد دعماً أو إرشاداً أو توجيهاً، ليؤكد أن الاختراعات تنجح إعلامياً، وتفشل تسويقياً، ويوضح أن قسم حماية الملكية الفكرية لا يبذل جهداً لإرشاد المخترعين، ليتمكن المخترع من تحويل اختراعه إلى منتج يباع في الأسواق، خاصة أنه يلبي حاجة ويقدم خدمة . ويتساءل: هل سيجد مَن يطبق اختراعه قبل "إكسبو2020"، لنبهر العالم فعلياً باختراع جديد من نوعه؟
تسليط الضوء على الابتكار إعلامياً، يسهم في نشره، ويشجع المخترع على العطاء والابتكار، هذا ما أشار إليه حميد بن دلموك "مهندس إلكترونيات في شرطة دبي"، ويقول: حرصت في بداية الاختراع على إبرازه في محيط عملي لتستفيد المؤسسة من الاختراع، وبالتالي تنشره في مواقع المؤسسة الإلكترونية، ويصبح الإعلام الأمني حلقة وصل بين المخترع ووسائل الإعلام، التي تعد سبباً أساسياً في دعم المخترع معنوياً، ليستمر في الابتكار، ولتنجح الابتكارات إعلامياً، وتقف جامدة في نهاية الخبر، فليس هناك جهات تدعمها . ويشير إلى أن جميع المؤسسات والشركات تستورد الأجهزة من الخارج بثقة تامة في جودة المنتج، في حين أن التخوف يتملكهم بمجرد أن يفكروا في تبني مشروع محلي وتسويقه، فالمنتج المحلي لا يضاهي بجودته المنتج البريطاني أو الألماني حسب رأيهم .
ويضيف: "المخترع إذا أراد تنفيذ اختراعه فإنه لا يستطيع ذلك، لأنه ليست هناك جهات داعمة، ولكن هناك فئة بسيطة من الشباب الذين اعتمدوا على أنفسهم لتحويل الاختراع إلى منتج يباع في الأسواق"، ويؤكد أنه على الرغم من حصول المخترع على براءة الاختراع، إلا أن اختراعه غير محمي عالمياً، وقد تعرض لموقف خلال مشاركته في معرض دولي، حيث حاول الصينيون سرقة ابتكاره بالتدقيق على التفاصيل، لكنه كان مدركاً لذلك مسبقاً فحرص على أن تكون الدائرة الكهربائية غير واضحة، ويتساءل: لماذا لا تتبنى وزارة الاقتصاد اختراعات الشباب؟ ولماذا لا تحميها؟
قدم عبد الأمير أحمد "مدير إدارة في شركة خاصة" مجموعة من الاختراعات تمثلت في الطرق، وأخرى تعلقت بأمن المنبع الكهربائي في البيوت، واختراع يحد من الضباب في الطرقات، واختراع للتقاطع الذكي، علماً أنه بدأ رحلته مع الابتكارات من المرحلة الإعدادية، وحاول مراراً التسجيل للحصول على براءة اختراع، إلا أنه وجد أن الأوراق المطلوبة تعجيزية، رغم أنه حصل على مراكز أولى في المسابقات التي شارك فيها، ويقول: "الإعلام ركز بشكل كبير على اختراعاتي، وهذا أسهم في نجاحها إعلامياً، خاصة بعد حصولي على ميداليات محلية ودولية، ورغم هذا الاهتمام من الإعلام، إلا أنني لم أجد من يموّلني لترى تلك الابتكارات، النور وتعالج ضرراً، رغم أني وجدت الكثير من الإشادات من زوار معارض الابتكارات ومن شركات" . ويتساءل: إلى متى تظل الأفكار حبيسة الأدراج ومجرد أخبار في الجرائد؟
مبارك الحميري "موظف في مصنع أسمنت الإمارات" أكد أنه بمجرد معرفة وسائل الإعلام أن مواطناً اخترع، يحرصون على التواصل وتسليط الضوء على الاختراع، وبدورهم يدعمون المخترع الإماراتي، ولكن ماذا بعد الخبر؟
ويقول: "اختراعي يحل مشكلة، ويتمثل في إعطاء إشارة بحاجة المنزل إلى تبديل أنبوب غاز، وقد حرصت على تسجيل الاختراع في وزارة الاقتصاد، ولم أحصل على براءة اختراع إلى الآن، وليست هناك جهة فعلية تهتم بالمخترعين وتتابعهم، رغم وجود عدد كبير من الشركات التي يمكنها الاستفادة من الاختراع، إلا أنه لا أحد يلتفت، فالاختراع ينجح إعلامياً، ولكن ليس هناك من يحوّله إلى منتج ويسوّقه، فالشركات دائماً تريد التعاقد مع الأيادي الخارجية والأجنبية ممن لهم خبرة طويلة في هذا المجال، وثقتهم بالأجنبي أكبر من المواطن، وبالتالي ليس لديهم استعداد لدعم المواطن وتبني اختراعه، فما يهمهم هو المنتج الجاهز بغض النظر عن التكلفة، خاصة أنهم لو تعاقدوا مع الإماراتي فسوف تكون التكلفة أقل"، ويشير إلى أن الجهات التي تصرح إعلامياً أنها تدعم الاختراعات، جميعها تدعي ذلك، فربما يقتصر دعمها على حصول المخترع على براءة اختراع، ولكن ماذا بعد ذلك؟ لا شيء بالتأكيد، خاصة أن معظم الاختراعات تعالج مشكلة، وسوف تدر أرباحاً على الطرفين . ويتساءل: إلى متى تظل الاختراعات مجرد حبر على ورق؟
وجد حمدان العرياني "موظف في هيئة البيئة في أبوظبي" مَن يتبنى فكرته من الوفود الخارجية التي اطلعت على ابتكاره، لكنه رفض، ساعياً إلى الحصول على تبنٍ من المؤسسات الوطنية، ليبقى الاختراع في انتظار من يتبناه، يقول: "الابتكارات فعلياً تنجح إعلامياً، فالإعلام لا يتراجع عن دوره في دعم الأفكار الإماراتية المبدعة، لكن الجهات الممولة لا تسعى فعلياً إلى تبني الابتكارات، واختراعي تمثل في توفير المياه والطاقة في الزراعة المكشوفة، وقد حرصت على التسجيل في وزارة الاقتصاد للحصول على براءة الاختراع، وأنتجت القطعة الأولى ووضعتها في مزرعتي الخاصة، وقد اهتم الإعلام كثيراً بتسليط الضوء على الابتكار" . وتساءل: ماذا بعد الإعلام؟
معظم المخترعين ينتمي إلى المرحلة الجامعية
الحاجة أم ابتكارات الشباب
الأدراج والمخازن هي مصير الاختراعات، ولكن رغم ذلك يصر الشباب على الاستمرار، ساعين لتحقيق أحلامهم في حل مشكلة وتغيير حياة إنسان، فالدوافع خلف اهتمام الشباب بعالم الابتكارات والاختراعات متنوعة، والمناهج الدراسية الجامعية جعلت الشباب أكثر ارتباطاً بالابتكار، لنجد تهافت الشباب على طرح إبداعاتهم رغم علمهم بمصيرها المجهول .
الحاجة إلى حل مشكلة كبيرة تواجه ذوي الاحتياجات الخاصة، وتحديداً المقعدين لاستخدام الصراف الآلي، دفع فاطمة أحمد "موظفة في شرطة دبي" لابتكار صراف آلي بمواصفات معينة لذوي الاحتياجات الخاصة، تقول: "دائماً كنت أعتمد على أهلي لتلبية احتياجاتي، ولكن بعد العمل وجدت أني مازلت لا أستطيع الاعتماد على نفسي بشكل كلي، فأحتاج إلى من يرافقني لأتمكن من استخدام الصراف الآلي، كوني مقعدة على كرسي متحرك، ووجدت أن لدينا الكثير من الأفكار المطورة في الإمارات، وتحديداً لذوي الاحتياجات الخاصة، ما دفعني لاختراع الجهاز المطور، والبداية كانت بمشاركة أختي بالاختراع في برنامج "التاجر الصغير"، والجميع أعجب بالفكرة، فحرصت على تسجيله في وزارة الاقتصاد، وشاركت في مسابقات والجميع أثنوا عليه، ولكن لم أجد شركات تموّل الاختراع رغم تعرضي لمحاولات كثيرة لسرقة الفكرة" .
التخصص الجامعي دفع فاطمة محمد المظلوم "هندسة الطاقة المتجددة" للإقبال على الابتكار، وطرح أفكار جديدة، تقول: "فكرة المشروع تتمثل في نظام تبريد من دون استخدام الكهرباء، وقدمنا العديد من الاختبارات والنظريات، خاصة أن تخصصي الجامعي يتطلب منا البحث عن موارد بديلة للطاقة، والمشروع ولد من رحم مساق دراسي، ومن حبي الكبير لعالم الابتكار والفضول المستمر للبحث والوصول إلى نتائج إيجابية، وأنوي فعلياً الاستمرار في مجال الابتكار، وحالياً بدأت بالتفكير في مشروع ابتكاري جديد يلبي حاجة" . وتشير إلى أنها ترغب في الاستمرار بمجال المشاريع، لأن حلمها أن تقوم بمشروع يغيّر العالم ويسد نقصاً، لافتة إلى الدولة في الفترة الأخيرة أولت البحث اهتماماً كبيراً، ولكن مازلنا بحاجة إلى تكثيف الجهود وإرشاد الطلبة، خاصة أنهم لا يدركون الطريقة الصحيحة للوصول إلى من يمول الابتكارات .
التحدي مع الذات كان بداية مشروع الطالبة عفراء العويس "جامعة الشارقة"، لتجد نفسها في طريق الابتكارات تسعى وتجتهد لفكرة طرحها الأستاذ الجامعي، فوجدتها مستحيلة، إلا أنها استطاعت تطبيقها ووصلت إلى الهدف، تقول: "حذاء يمشي على الماء، فكرة شعرت أنها مستحيلة في البداية، ولكني فكرت وبحثت وصممت حتى وصلت للنتيجة المرجوة، ونفذت قطعة واحدة، ووجدت تهافت الشركات لدعمي وتحويل الاختراع إلى منتج، ولكن بسبب ارتباطي بالجامعة وبمشروع التخرج أجلت الفكرة" . وتشير إلى أن إقبالها على عالم الابتكار لم يكن وليد مصادفة، حيث رسمت لنفسها هدفاً تريد تحقيقه، وبمجرد تنفيذ الابتكار الأول شعرت بأن ليس هناك مستحيل، فكل فكرة جديدة قابلة للتطبيق" .
مؤكدة أن ارتباطها بالابتكار مستمر، وسوف تسعى لتصنيع قطع لأفكار جديدة لتحل مشكلة وتستمتع بوقتها، فالاختراع بحد ذاته إنجاز لنفسها قبل عرضه على الآخرين .
ارتبط بطي محمد الشامسي "موظف في جهاز أبوظبي للاستثمار" بالابتكار لينتهي من متطلبات الجامعة، فعكف على ابتكار فكرة جديدة في مجال الطاقة، والأمر الآخر الذي دفعه للمشاركة في الابتكارات الأخرى هو رغبته الذاتية كونه يعشق البرمجيات، يقول: "دائماً أشعر بالرغبة في الابتكار، وأجد الأفكار الكثيرة في ذهني، ولكن للأسف بعد التخرج لم أسع فعلياً للابتكار، وظلت الأفكار حبيسة في ذهني من دون أي تطبيق، وعادة الحاجة لحل مشكلة ما تدفعني للابتكار، واستمتع كثيراً بمجرد طرح ابتكار جديد"، ويؤكد أن البيئة غير حاضنة للاختراعات، فليس هناك جهة فعلية تسعى إلى تمويل الابتكارات والاختراعات التي تعالج مشكلة .
عمران الشامسي "موظف في مجموعة الإمارات المتقدمة للاستثمارات" أكد أن ارتباطه بالابتكار كان في الفترة الجامعية بسبب البرامج الدراسية، يقول: "الإبداع ليس له حدود، وهذا يدفعنا للابتكار، ويشجعنا للبحث عن أفكار جديدة تثري جانباً مهماً في مجتمعنا، وقدمت ابتكارين في الجامعة، الأول حول مشروع البكم، وآخر له علاقة بالمواصلات، وشاركت في العديد من المسابقات وحصدت الجوائز، وحالياً أعمل في مجال أمن المعلومات، وهناك الكثير من الأفكار في ذهني، ولكن لم أدرسها" .
التحدي واكتشاف الجديد والفضول دفع سيف محمد "خريج جامعة خليفة" على الإقبال على الابتكار، يقول: "اخترعت عصا للمكفوفين، وكان ضمن مشروع للجامعة، وشاركت في مسابقات عدة، وبعد التخرج انشغلت بدراسة ماجستير أمن المعلومات في بريطانيا، ما أبعدني عن الابتكار، رغم وجود بعض الأفكار في ذهني أود تطبيقها"، ويشير إلى أنه مازال ينقصنا المراكز الفعالة التي تدعم الابتكار والاختراع، والشركات أيضاً ليست جادة في تمويل الأفكار التي تقدم حلولاً فعلية .
اهتم محمد الأمين عمر "هندسة كهرباء" منذ طفولته بالفك والتركيب، ليكبر ويزداد معه شغف ابتكار فكرة جديدة وتطبيقها، واستطاع في مرحلته الجامعية ابتكار أفكار جديدة تلبي حاجة مهمة، يقول: "كانت لي محاولات كثيرة لمعرفة تفاصيل وآلية عمل الأجهزة، وهدفي الوصول إلى اختراع يغيّر مسار المجتمع ويخدم فئة كبيرة، وفي غرفتي هناك الكثير من الأدوات والقطع التي أعمل عليها بشكل يومي لأصل إلى هدفي" .
مصعب محمد عثمان "هندسة طاقة متجددة" أشار إلى أن وجوده في الجامعة يحتم عليه الاهتمام بالابتكار وإيجاد حلول بديلة تقلل من التلوث وتعالج مشكلات بطريقة مفيدة وعملية وبسيطة، يقول:" المتطلبات الجامعية والدافع الداخلي هما ما يدفعاني إلى الاهتمام بالابتكار، واستطعت مع مجموعة من الطلبة ابتكار جهاز يقوم بتزويد كفاءة عمل الخلية الشمسية وتجميع طاقة أكبر وبسعر أقل ومواد بسيطة، وقدمنا الأفكار الجديدة التي دفعتنا للمشاركة في مسابقات، ولكن لم نحفظ حقنا بالحصول على براءة اختراع لأن الأمر مكلف ومعقد"، ويتمنى الاستمرار في الابتكار بعد التخرج لإيجاد حلول بديلة لمساعدة المجتمع .
سرقة الفكرة وتطبيقها
التحديات كثيرة أمام المخترعين ليتواصلوا مع العالم من خلال ابتكاراتهم، والتحدي الأكبر الاستيلاء على الفكرة من الشركات الكبرى والمؤسسات القادرة على التطبيق، ولكنها تنسب كل هذا المجهود الفكري إليها، ليبقى المخترع حائراً، وغير قادر على استرجاع حقه وابتكاره .
تعرضت حليمة أحمد "مديرة شركة خاصة ومدربة في الاختراع والإبداع" إلى العديد من الحكايات حول سرقة الاختراع وتسريبه، سواء فيما يخصها أو أحد أقاربها، لتجد أن رحلة الاختراع معقدة، ويجب أن يكون سالكها حذراً لأبعد حد . وتقول: "اخترعت فكرة تخص النقل وسجلتها في وزارة الإعلام سابقاً لأحفظها، ووجهوني إلى وزارة الاقتصاد لحفظ الاختراع، وسجلته مرتين، وبعدها توجهت إلى إحدى المؤسسات لعرض الفكرة لتبنيها، ولكن تم تطبيقها حرفياً كفكرة خاصة بها، ولم أستطع أن أحصل على حقي قانونياً، ولجأت لوزارة الاقتصاد التي وجهتني للجهات القانونية، وقدمت القضية للجهات القانونية، ولكن وجدت الطريق مسدوداً ولم أحصل على حقي، ولديّ تجربة أخرى تعرضت لها إحدى قريباتي، إذ قدمت مشروعاً فيما يخص تحويل الأموال، وبعد تسجيله في وزارة الاقتصاد سربت الفكرة رغم أنها لم تعرض على أي جهة .
مصداقية الشركات
هل الشركات الكبرى جادة فعلياً في علاج المشكلات؟ وهل تبحث عن حلول لمشكلات قائمة؟ إذا كانت الإجابة بنعم كما تدعي، فلماذا لا تلتفت إلى المخترعين الذين يطرقون أبوابها؟
أكد المخترع والباحث خالد فوزي أن العالم اليوم في تغير دائم، خصوصاً في المجال البيئي، فهناك العديد من حماة البيئة، سواء كانوا دولاً أو مؤسسات صديقة للبيئة أو شركات بيئية تأمل وتدعو لأن تكون هناك منتجات استهلاكية صديقة للبيئة تسهم في جعل البيئة والمجتمع أكثر أماناً وصحة وسلامة للجميع .
ويقول: "حاولت مراراً الوصول إلى الجهات المعنية بالأمر سواء كانت جهات حكومية أو مصنعة للمنتجات الإلكترونية الاستهلاكية، خصوصاً شركات مصنعة للهواتف الذكية والتي تعد اليوم أكثر الأجهزة استخداماً واستهلاكاً في العالم، وحاولت جاهداً التواصل مع بعض الشركات المصنعة للهواتف الذكية آملاً الحصول على دعم وتمويل وتعاون مشترك في مشروع اختراع توصلت إليه مؤخراً وهو طاقة بديلة جديدة صديقة للبيئة، يمكن الحصول عليها من مصادر عدة تقدم حلولاً جذرية للمشكلات التقنية كافة، ومشكلات الطاقة التي تعانيها تحديداً أجهزة الهواتف الذكية" .
تبدأ معاناة المخترعين من عدم الاهتمام وتجاهل الرسائل من قبل بعض الشركات العالمية، مع العلم بأن هذه الشركات وعلى لسان مسؤوليها يعملون ويبحثون عن أفضل الحلول لتطوير منتجاتهم، وعن أفكار وابتكارات جديدة، وبمجرد سماعنا تلك التصريحات سرعان ما نبادر بالاتصال بهذه الشركات من أجل أن نعرض عليهم حلولاً جذرية تسهم في حل المشكلات التقنية كافة، ومشكلات الطاقة التي تعانيها هذه المنتجات الاستهلاكية اليومية ومن خلال ما توصلنا إليه من اختراع في هذا المجال، ولكن يتبين لنا لاحقاً أنها مجرد فقاعات وتصريحات للاستهلاك الإعلامي فقط .
التمويل أهم عقبات التنفيذ
أن يرى الاختراع النور فهذا يعد من المعجزات في عالمنا العربي، فالعقول تفكر والأيادي تجتهد ولكن الجيوب فارغة، فلا يستطيع المخترع تمويل أفكاره بنفسه لتباع في الأسواق، ولكن هناك مجموعة من المخترعين وقفوا وقفة جادة أمام كل التحديات وأصروا على المواصلة ليرى اختراعهم النور ويدخل حيز التنفيذ والتطبيق .
نفذ صالح العتيبي "رجل أعمال" اختراعه بنفسه، ليجد طريقه إلى النور، وينتج ويباع في شركته الخاصة، يقول: "بدايتي مع تملكي شركة "انترلوك"، وحاولت التجديد في الألوان والتصميم، واخترعت ذلك بطريقة صناعية، وصالحة للاستخدام، وأنجزت العديد من المشاريع، وحصلت على براءة اختراع، ووجدت الطلب لإنتاج كميات في دول الخليج، ولكن رفضت لأن خط لإنتاج بحاجة إلى 90% من التعديل على الأساسي، ويؤكد أن البيئة العامة في المدارس والجامعات لا تشجع ولا تتبني الابتكار، وبالتالي لا يملك الطالب أساسيات الابتكار لينطلق" .
حصل أحمد الحنطوبي "ملازم في شرطة الفجيرة" على دعم مباشر من وزير الداخلية، ليرى اختراعه النور، وينتج فعلياً ويوضع في سيتي سنتر الفجيرة، وجاري العمل على تعميم الجهاز على مستوى الدولة، يقول: "شاركني في الاختراع الملازم خالد راشد الشامسي والملازم أحمد عبدالله اليماحي، وهو جهاز من الجيل الثالث داخل صندوق مربع الشكل يحتوي على تقنيات حديثة من حيث الصوت والكاميرات، ويتخذ تصميم لوحة مرورية بتقنية ذكية إلكترونية تحذيرية ذاتية تعمل بواسطة حساس يستشعر قدوم المركبات، ويقوم الجهاز بإصدار تنبيه صوتي ومرئي لمدة زمنية بعد أن يتبين أن المركبة غير مصرح لها بالتوقف في موقف ذوي الاحتياجات الخاصة وأن قائدها لم يخرج سيارته خلال فترة التنبيه يقوم الجهاز بحفظ ملف المركبة وإصدار مخالفة مرتبطة بالنظام المروري، والجهاز أثبت فاعليته، وسجلناه في وزارة الاقتصاد للحصول على براءة اختراع، وبالتالي وجد الرعاية والاهتمام والاحتضان من القيادة الرشيدة في الدولة، وحالياً في صدد أن يحول إلى منتج ويباع في الأسواق المحلية والعالمية، وهناك العديد من الشركات الخارجية عرضت علينا تبني المشروع، ولكن ارتأينا تبني وزارة الداخلية لاختراعنا، وهذا شهادة لنجاح الاختراع، ونجح جهاز "مكاني" برصد وتسجيل 90 مخالفة خلال شهر واحد" .
أن تجد الدعم من المؤسسة التي تعمل فيها فهذا بحد ذاته بداية للانطلاقة في عالم الابتكارات، وهذا ما وجده محمد سليمان البلوشي، فني في شرطة دبي، ليجد فعلياً من يفعل ابتكاره ويعممه في إطار المؤسسة، يقول: الاختراع عبارة عن جهاز كاسر الزجاج، وبدايتي كانت بتقديم الاقتراحات، لأفكر جدياً في تنفيذها وتسجيلها للحصول على براءة اختراع، ولديّ حالياً اختراعان، واعتمدت على التنفيذ في الورش الخارجية، ونفذتها في المؤسسة، والجهاز مزود بمدفع مائي مثبت على عربة يتم التحكم فيها عن بعد، ويستخدم للحيلولة دون دخول خبير المفرقعات أو الفني إلى منطقة المتفجرات المحظورة، فيما يوفر الوقت والجهد والطاقة، وأثبت فاعليته، وشاركت في معارض دولية وحصلت على الجائزة الذهبية، إضافة إلى ذلك شاركت في معارض محلية، ولكن كون الاختراع ضمن نطاق عسكري فأسعى حالياً إلى عرضه في المعارض العسكرية لأجد اهتماماً أكبر من الشركات المعنية .
فيصل عبدالله الحمودي "مدير تكامل - وحدة تطوير الأعمال والابتكار" يقول: "يدعم برنامج "تكامل" المخترعين خلال مراحل الابتكار، بدءاً من عملية توليد الأفكار وانتهاءً بالتطبيق العملي لها لتصبح منتجات وخدمات مبتكرة ذات قيم تجارية، كما يدعم الابتكار في الصناعات المرتكزة على المعرفة مثل المواد المتقدمة، والتكنولوجيا النظيفة، والإلكترونيات، والصحة والطب، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والتطبيقات الصناعية، والنفط والغاز، وغيرها، ويوفر "تكامل" الدعم لمختلف الفئات، سواء كانوا أفراداً أم مؤسسات أكاديمية، أو شركات في مختلف أرجاء الدولة" .
ويضيف: عادة ما يفتقر المخترعون للدعم المعنوي والمادي، والذي يعد من أهم عناصر نجاح الاختراع، ومن المهم وجود هيئة رسمية ترشد المخترع خلال جميع المراحل بدءاً بتسجيل براءة الاختراع لحفظ حقوقه، وانتهاءً بدعمه مادياً لإنتاج نموذج الاختراع وتسويقه، وهنا يأتي دور برنامج "تكامل" الذي يجمع بين الدعم المعنوي والمادي والقانوني لتسجيل براءات الاختراع عالمياً، ويساند المبدعين في تحويل الأفكار المبتكرة إلى واقع" .
وعن سبب وجود الابتكار في الأدراج والأذهان لسنوات طويلة خاصة أن الدولة تسعى للوصول إلى اقتصاد معرفي، يقول: "يرجع ذلك لسببين رئيسيين، أولهما عدم إيمان المخترع بنفسه وباختراعه، فيبقى الاختراع مجرد فكرة لا ترى النور، أما السبب الثاني فيعود لعدم وجود داعم يتبنى الفكرة، ولذلك يسعى برنامج "تكامل" إلى دعم المخترعين وفكرة الابتكار . ويعمل على إلهام وتحفيز المبتكرين لاتخاذ الخطوة الأولى نحو بلورة أفكارهم وتحويلها إلى واقع ملموس" .
ويوفر برنامج "تكامل" الدعم القانوني والمادي المباشر للمخترعين في الدولة لتسجيل براءات اختراعاتهم دولياً وتسويق ابتكاراتهم ضمن مرحلتين المرحلة الأولى تتمثل في حماية الملكية الفكرية من خلال توفير الدعم القانوني والمادي لتسجيل براءات الاختراع دولياً، والمرحلة الثانية تتمثل في تحقيق القيمة التجارية .
د .علي الحوسني: مركز وطني لفحص البراءات قريباً
أكد د . علي الحوسني الوكيل المساعد للملكية الفكرية في وزارة الاقتصاد، أن الوزارة وفي إطار مساعيها لدعم وتشجيع المخترعين وأصحاب الابتكارات تعمل على إنشاء المركز الوطني لفحص وإصدار براءات الاختراع بالاستعانة بخبراء وفنيين من كوريا الجنوبية وهم يعملون الآن بمقر الوزارة في أبوظبي على هذا المشروع الحيوي بالتعاون مع كوادر الوزارة المختصين، إضافة إلى إلقاء المحاضرات المتخصصة والمشاركة بالملتقيات التي تقام داخل الدولة بمختلف المدارس والجامعات، بهدف التحفيز ونشر الوعي لدى الشباب والفتيات من مواطني الدولة عن حماية اختراعاتهم وابتكاراتهم والدخول بفاعلية في عالم الاقتصاد المعرفي .
وأشار إلى أن دور الوزارة لا يقتصر على حماية الملكة الفكرية بل يتجاوز ذلك لدعم المخترعين في مختلف المجالات، يضاف إلى ذلك فإن الوزارة تسعى بشكل متواصل إلى تطوير آلية اعتماد وتسجيل براءات الاختراع بما يواكب أعلى المعايير العالمية، وفي إطار ذلك المسعى وقعت الوزارة مذكرات تفاهم عدة مع كل من مكتب البراءات النمساوي منذ عام ،2000 وتم تعديلها عام ،2013 على أن يراعي فيها المصلحة الاقتصادية للدولة للانتهاء من متراكمات الطلبات، وتم الاتفاق على إرسال الحد الأدنى من الطلبات والذي يصل إلى 700 طلب سنوياً، ومذكرة التفاهم المبرمة منذ عام ،2010 وتوقيع مذكرة التفاهم عام ،2014 بهدف الفحص الموضوعي لطلبات البراءات داخل الدولة، وتسريع البت فيها من خلال الفاحصين الكوريين لدى الوزارة والتي تقدر 450 طلباً سنوياً، إضافة إلى فحص الطلبات داخل المكتب الكوري وإرسال الحد الأدنى من الطلبات الذي يقدر ب 1000 طلب سنوياً، ما يغطي احتياج الدولة للمرحلة الراهنة، حيث بلغ عدد طلبات تسجيل براءات الاختراع 1426 في العام ،2013 علماً بأن هذه الأرقام مرشحة للصعود في السنوات القليلة المقبلة .
وعن دور الوزارة في تحويل الاختراعات ذات الجدوى إلى منتجات تباع وتدر أرباحاً على الطرفين، يقول الحوسني: "وزارة الاقتصاد تساهم فعلياً في ترويج الاختراعات والمبتكرات الوطنية من خلال حرصها الدائم على تواجد المخترعين المواطنين تحت سقف منصتها في مختلف المعارض والمحافل المحلية والدولية المتخصصة، ما يسهم في بروز تلك المخترعات والتعريف بميزاتها تمهيداً لتبنيها من قبل جهات حكومية وخاصة، كان آخرها منصة الوزارة في المعرض الخليجي المشترك الخامس عشر، حيث ضمت منصة الوزارة 15 مخترعاً ومبدعاً إماراتياً" .
وأضاف: "أود توضيح أن وزارة الاقتصاد تقدم النصح والإرشاد للراغبين في ذلك من مخترعينا الشباب، ونساعد من يتواصل معنا على وضع أطر تنفيذية تسهم في ترويج المخترعات والابتكارات في الأسواق المحلية والعالمية، كما أن الوزارة كجهة إشرافية على قطاع الملكية الفكرية والمسؤولة عن حمايتها، لا تسعى إلى التربح من وراء المخترعات والمخترعين بل تسعى لوضعهم على الطريق الصحيح للاستمرار بالعمل المبدع وابتكار المزيد من المخترعات القابلة للاستخدام والتسويق، ونرى أن تشجيع المخترعين والمبتكرين مسؤولية جماعية وأولوية وطنية في ظل رؤى التحول نحو اقتصاد المعرفة" .
وحول قلق المخترعين من أن الابتكار يظل حبيساً في الأدراج والأذهان لسنوات طويلة، يرد الوكيل قائلاً: "لا نعترف بوزارة الاقتصاد بعبارة حبيس الأدراج، فهي قاعدة مرفوضة في عموم العمل الحكومي في الإمارات، ولم تكن بلادنا لتحصد المركز الأول عالمياً في مؤشر كفاءة الأداء الحكومي لو أن هذا المصطلح قائم فعلياً في الوزارة أو أي جهة اتحادية أخرى، يضاف إلى ذلك أن الإمارات حلت في المركز الخامس عشر على مؤشر مركز حماية حقوق الملكية الفكرية العالمي التابع لغرفة التجارة الأمريكية والصادر في يناير/كانون الثاني 2014 متفوقة على دول كبرى كالصين والبرازيل، وكانت الدولة الشرق أوسطية الوحيدة في قائمة الدول التي يتضمنها المؤشر، إلى جانب وصول الإمارات إلى المرتبة 38 عالمياً والأولى إقليمياً على مؤشر الابتكار العالمي 2013 الصادر عن "إنسياد" ومنظمة الملكية الفكرية العالمية وجامعة جونسون كورنيل، فهل تلك نتائج لدولة تظل الأفكار فيها حبيسة للأدراج؟ ولكن هناك طلبات ترفض، فليس كل ما يقدم للوزارة من طلبات يصنف ذا جدوى ويستحق الموافقة عليه ومنحة البراءة، وأن هناك معايير قانونية وفنية وفقاً للمعايير الدولية تحكم هذا الموضوع، وعموماً لا يتجاوز نسبة الطلبات التي تم الموافقة عليها 10-20%، وتتمتع الطلبات بالحماية من تاريخ تقديمها للوزارة وفقاً للقانون الاتحادي رقم 31 لسنة 2006 المعدل بشأن حماية الملكية الصناعية" .
وعن مدى صحة قضية تسريب الاختراع، وتنفيذ بعض الشركات الكبرى اختراعهم، يقول: "هذا الكلام عار عن الصحة، فلا يمكن أن تسرب معلومات حول اختراع ما من وزارة الاقتصاد وهي التي كلفت بالأساس بحماية الملكية الفكرية فكيف لها أن تكون أول من يقوضها، ونطالب أصحاب تلك الادعاءات بالتقدم بما يثبت ذلك، وفقاً للأصول القانونية وأن يقدموا شكوى رسمية في هذا الإطار لتقوم الوزارة بعرضها على المختصين والنظر فيها والعمل على حلها وفقا للقانون، وهناك أجهزة قضائية مختصة ومفوضة بموجب القانون من واجبها إعادة الحق لأصحابه" . ويؤكد أنه يجب على المخترع مراعاة جملة من العوامل والمعايير الاقتصادية التي تحكم مستقبل ومصير أي اختراع، إذا كان ذا جدوى اقتصادياً ويحقق أرباحاً فسيظهر إلى النور وسيبقى أما إن لم يكن له جدوى اقتصادية فسيكون مصيره الفشل بكل تأكيد" .