تميزت الصحابية الجليلة تماضر بنت عمرو الملقبة بالخنساء والتي عاشت في الجاهلية والإسلام برجاحة العقل وحرية الرأي وقوة الشخصية ورسوخ الإيمان .
نشأت الخنساء في بيت عز وجاه، وأثبتت قوة شخصيتها حين رفضت الزواج من دريد بن الصمة أشهر فرسان بني جشم، وآثرت أن تتزوج واحداً من قومها، وتزوجت ابن عمها رواحة بن عبدالعزيز السلمي، وأنجبت منه ولداً، إلا أنها لم تدم طويلاً معه لأنه كان يقامر ولا يكترث بماله، وتزوجت بعده ابن عمها مرداس بن أبي عامر السلمي، وأنجبت منه أربعة أولاد هم: يزيد ومعاوية وعمرو وعمرة .
نبوغ شعري
نبغت الخنساء في الشعر، وحين قتل اخواها صخر ومعاوية في الجاهلية رثتهما بقصائد اعتبرها مؤرخو الشعر العربي أحسن ما قيل في الرثاء، وعد محمد بن سلام شعرها في رثاء أخويها وشعر متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك في الطبقة الأولى .
وقيل لجرير الشاعر: من أشعر الناس؟ قال: أنا لولا الخنساء، قيل: بم فضلتك؟ قال: لقولها:
إن الزمان وما يعني له عجب
أبقى لنا ذنباً واستؤكل الراس
إن الجديدين في طول اختلافهما
لا يفسدان ولكن يفسد الناس
بعد أن بدأ الاسلام ينشر نوره في شبه الجزيرة العربية قدمت الخنساء على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومها من بني سليم وأعلنت إسلامها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستنشدها ويعجبه شعرها، وفي أحد الأيام قال عدي بن حاتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
يا رسول الله، إن فينا أشعر الناس، وأسخى الناس، وأفرس الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: سمهم (أي اذكر اسماءهم) قال عدي: أما أشعر الناس فامرؤ القيس بن حجر، وأما أسخى الناس فحاتم بن سعد (يعني أباه) وأما أفرس الناس فعمرو بن معد يكرب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس كما قلت يا عدي، أما أشعر الناس فالخنساء بنت عمرو، وأما أسخى الناس فمحمد (يعني نفسه صلى الله عليه وسلم) وأما أفرس الناس فعلي بن أبي طالب .
وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، للخنساء وقد رأى تقرح مآقي عينيها من طول البكاء على أخويها: ما أقرح مآقي عينيك؟ قالت: بكائي على السادات من مضر، قال: يا خنساء إنهم في النار، قالت: ذلك أدعى لطول بكائي عليهم .
في القادسية
عاشت الخنساء بما يتلاءم مع عقيدتها الإسلامية القوية، وقبيل نشوب معركة القادسية بين المسلمين والفرس، جمعت الخنساء أولادها الأربعة وقالت لهم: يا بني أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو إنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعده الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون . فإذا أصبحتم غداً إن شاء الله سالمين فاغدوا الى قتال عدوكم متبصرين بالله على أعدائه منتصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، وجعلت ناراً على أوراقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها، تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة، فلما أشرق الصبح واصطفت الكتائب وتلاقى الفريقان باشر أولادها الأربعة القتال حتى استشهدوا جميعاً .
وفي نهاية المعركة تقدم نفر من رجال الجيش، ينعون الى الخنساء أولادها الأربعة، بعد بلائهم في الحرب بلاء حسناً، فتلقت الخبر بكل هدوء واتزان وحزم وقالت كلمة لا تزال تتردد على مر الأيام والدهور: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته، فأطلق عليها لقب أم الشهداء .
وبعدها رجعت الى المدينة، وعلم بها عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فعزّاها في أبنائها وكان يعطيها أرزاق أولادها الأربعة حتى قُبض، ثم انصرفت الى مضارب قومها بني سليم بالبادية، وفارقت الحياة مع مطلع خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه .