بين صلاح الدين ونور الدين

صفحات أيوبية
06:36 صباحا
قراءة 3 دقائق

لم تلبث الوحشة أن دبّت بين صلاح الدين الأيوبي ونور الدين زنكي عقب سقوط الخلافة الفاطمية سنة ،1171 بسبب تحديد العلاقة بينهما، إذ كان صلاح الدين يباشر سلطانه الفعلي في مصر بوصفه وزيراً للخليفة العاضد الفاطمي، كما كان ينفذ التعليمات الصادرة إليه من سيده نور الدين بوصفه نائباً عنه وقائداً لقواته في مصر. ولكن بسقوط الخلافة الفاطمية ووفاة الخليفة العاضد صفا الوقت لصلاح الدين على قول أبي المحاسن، وصار يخطب باسمه على منابر مصر بعد الخليفة العباسي والملك العادل نور الدين محمود.

ولعله من الواضح أنه كان لزاماً على صلاح الدين في ذلك الدور أن يحدّد موقفه من نور الدين ويختار لنفسه أحد طريقين، فإما أن يظل على ولائه لنور الدين بوصفه نائباً عنه في مصر، وإما أن يستقل عن نور الدين ويخرج عن طاعته، ويجعل من نفسه ملكاً على مصر، ما يعرضه لنقمة نور الدين وهجمات جيوشه.

حادثة حصن الشوبك

ويصوّر ابن الأثير حالة الوحشة التي سادت العلاقات بين صلاح الدين الأيوبي ونور الدين زنكي بعد وفاة الخليفة العاضد الفاطمي، فيقول: إِن صلاح الدين خرج من مصر في أواخر سبتمبر سنة 1171 بناءً على أوامر صدرت إليه من نور الدين لمهاجمة حصن الشوبك في وادي عربة. ولم تستطع حامية الحصن الثبات في المقاومة، فطلبت إعطاءَها مهلة عشرة أيام للتسليم. ولكن صلاح الدين لم يلبث وهو أمام الشوبك أن علم بسير نور الدين إليه لمساعدته، وأدرك أنه من المخاطرة أن يبقى أمام الشوبك لحين حضور نور الدين إليه، إذ ربما استغل نور الدين الفرصة وقبض عليه وعزله من منصبه بعد أن تضخّم نفوذه في مصر. وقبل وصول نور الدين في أواخر أكتوبر سنة ،1171 أسرع صلاح الدين لمساعدة أخيه الذي يحارب بقايا أتباع الفاطميين بالصعيد، والعلويين في القاهرة مما برّر به سرعة عودته.

استاء نور الدين من مسلك نائبه في مصر وعظم عليه ذلك، ولم يقبل عذره. وكان أن أخذ نور الدين يستعد للزحف على مصر لتأديب صلاح الدين، الذي أسرع يعقد اجتماع مع أهل بيته وأمرائه لبحث الموقف على عجل، والاتفاق على خطة لمواجهة نور الدين. ولكن والد صلاح الدين الشيخ نجم الدين أيوب تدخل في الحال وقال: هذه البلاد له، وقد أقامك فيها نائباً عنه، فإذا أراد عزلك فأي حاجة إلى المجيء؟ يأمرك بكتاب مع نجاب حتى تقصد خدمته ويولّي البلاد من يريد. فنحن مماليك نور الدين وعبيده يفعل بنا ما يريد.

ثم طلب نجم الدين أيوب من ولده صلاح الدين الأيوبي أن يكتب إلى نور الدين زنكي مؤكداً له ولاءه، ففعل ذلك. كما خرج صلاح الدين بنفسه سنة ،1173 لغزو الكرك والشوبك وغيرهما من الحصون الصليبية القريبة لإثبات حسن نيته لسيده نور الدين. بل لقد بالغ صلاح الدين عملاً بنصيحة والده فأرسل هدية ثمينة من الحيوانات النادرة والأقمشة والمصنوعات والعطر إلى نور الدين.

نجحت خطة الشيخ نجم الدين أيوب، غير أن صلاح الدين أرسل أخاه شمس الدولة توران شاه ابن أيوب في أواخر سنة 1172 لفتح بلاد النوبة. ولكن تقرير توران شاه عن بلاد النوبة أظهر لصلاح الدين أنها بلاد فقيرة قليلة الجدوى، فأرسل صلاح الدين أخاه توران شاه إلى اليمن سنة 1174 حيث أخضعها وأدخلها تحت سيادة بني أيوب.

تجدد الخلاف

ويبالغ ابن الأثير، فيذكر أن صلاح الدين حرص في ذلك الوقت على عدم التوسع في حرب الصليبيين ليظلوا ستاراً يفصل بينه وبين نور الدين، فقال: إِن صلاح الدين كان يعتقد أن نور الدين متى زال الفرنج عن طريقه أخذ البلاد منه، فكان يحتمي بهم عليه ولا يؤثر استئصالهم. وإذا كان صلاح الدين قد قام بغزو أراضي الصليبيين في الكرك والشوبك سنة 1173 بناءً على نصيحة والده، فإن تلك الغزوة لم تطل، بل على العكس أدّت إلى تجدّد الخلاف بينه وبين نور الدين. وهكذا تحجّج صلاح الدين بمرض أبيه نجم الدين أيوب الذي كان صلاح الدين قد استخلفه في مصر وأنه يخاف أن يحدث عليه حادث الموت فتخرج البلاد عن أيديهم، فأسرع فوراً بالعودة إلى مصر من دون أن ينتظر وصول سيده نور الدين. وقد توفي نجم الدين فعلاً قبل عودة صلاح الدين إلى القاهرة، وكانت وفاته بسبب سقوطه من فوق فرسه. أما نور الدين محمود، فقد تيقن من اتجاهات صلاح الدين ونواياه، فقرر نهائياً غزو مصر والقضاء عليه وشرع يتجهز للدخول إلى مصر لأخذها من صلاح الدين. ولكن شاءت الأقدار أن تترك صلاح الدين حراً، حيث توفي نور الدين سنة 1174 قبل أن يحقق غرضه، فخلا الميدان تماماً لصلاح الدين.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"