حل وترحال ... الأدب العربي في الجامعات الغربي

02:23 صباحا
قراءة 3 دقائق
ما الذي تعنيه دراسة الأدب العربي في الجامعات الغربية، أي في الجامعات الأوروبية والأمريكية؟ وما المشاكل التي يشكو منها تدريسُهُ في هذه الجامعات؟ بماذا تختلف عن المشاكل التي يواجهها هذا التدريس في الجامعات العربية؟وللإجابة عن هذه الأسئلة، نبدأ بأسئلة جديدة هي الآتية: ألا ينبغي لدراسة الأدب العربي أن تنطلق من معرفة كافية باللغة؟ وفي مجال هذه المعرفة، ما الذي توفّره الجامعات الغربية والعربية على السواء؟ وهل يبدأ البحث في قضية تدريس الأدب من البحث في قضية تدريس اللغة؟ واللغات الأجنبية، أليست ضروريةً - في واحدة منها على الأقل - لدراسة الأدب العربي؟ نظراً إلى أنّ الثقافات العالمية باتت منفتحةً بعضها على البعض الآخر، والآداب المختلفة في مختلف اللغات باتت في تفاعلٍ وتقاربٍ لم يُعرَفا من قبْل.نعم، يمكن القول إنّ قضية الأدب لا تنفصل عن قضية اللغة. ولكي تكون دراسةُ الأدب مُجديةً، ينبغي أنْ يتوفّر لها دارسون يُلِمّون باللغة إلماماً عميقاً، لا يقل عن إلمام الأدباء أنفسهم باللغة نفسها. حتى التذوّق، تذوّق الأدب، ينبغي أن يتوفّر له متذوقون يُلِمّون باللغة إلماماً كافياً. وليس بعيداً عن الصواب أن نقول إنّ تراجع اللغة العربية اليوم في الاستعمال، أي الضعف اللغوي لدى الغالبية العظمى من الناطقين بالعربية اليوم، هو السبب الرئيسي في تزايد عزلة الأدب، وبخاصةٍ الشعر، أي في تناقص المُقبِلين عليه، من القرّاء وغيرهم. ولمّا كانت الجامعاتُ الغربيةُ تمنح الشهادات في الأدب العربي لمتخرّجيها، بناءً على أبحاث يقدّمونها حول هذا الأدب بلغاتٍ أجنبية، أليس من المنطقي طرحُ السؤال حول قيمة هذه الأبحاث؟ وتالياً حول الفوائد التي يجنيها أولئك المتخرجون من دراستهم في تلك الجامعات؟في ما يتعلّق بالفوائد، يمكن حصرُها في نقطتيْن: أولاً، فيما يتعلّق بمنهجية البحث، يكتسب الطالب خبرةً في التفتيش والتنظيم وتنسيق المعلومات، ويجد كل ما يريده من المراجع متوفّراً، وبسهولةٍ متناهية. ولكنّ هذا كلّه يمكن أنْ يتمّ توفيرُهُ في الجامعات العربية بمجرّد الرغبة في ذلك. ثانياً، في ما يتعلّق بإتقان لغةٍ ثانيةٍ أو ثالثة، إضافةً إلى اللغة العربية، يكتسب الطالب في الجامعات الغربية، بل يضطر إلى اكتساب لغةٍ أجنبية لا بدّ له منها لإغناء دراساته الأدبية وتعميقها. ولكنّ هذا أيضاً يمكن أنْ يتمّ توفيرُهُ في الجامعات العربية بمجرّد الرغبة في ذلك.وأما في ما يتعلّق بالسؤال المطروح حول قيمة الأبحاث في الأدب العربي التي تُقدمُ بلغاتٍ أجنبيةٍ في الجامعات الغربية، فبماذا يمكننا الإجابة؟ أليس من البديهي القول إنّ نقصاً كبيراً، بل فادحاً، تشكو منه تلك الأبحاث؟هل يمكن - على سبيل المثال - لشخصٍ ليس له علاقة قوية وعميقة باللغة الإنجليزية أنْ يدرس الأدب الإنجليزي؟ هل نطلبُ إذن من الجامعات الغربية أنْ تشترط على طلاب الأدب العربي فيها معرفةً معيّنةً باللغة العربية؟أو هل نطلبُ منها إخضاعهم لبرامج تعليم أو تأهيل في اللغة العربية إعداداً لهم للدراسات العليا والأبحاث في الأدب العربي؟ ولكنْ، لماذا نطلبُ من الجامعات الغربية ما لم نطلبْه أولاً من الجامعات العربية؟ وهو الذي ينبغي لهذه الأخيرة أنْ تلحظه في رأس اهتماماتها وبرامجها.إنّ الأدب العربي لا يعاني اليوم من مشاكل في دراسته فحسب، وإنما يعاني من مشاكل أخرى متنوعة. ولكنّ الطريف والمؤسف، في الوقت نفسه، أنّ دراسته والتخصّص فيه لا يعملان على تشخيص مشاكله تشخيصاً قيّماً، لكي يصبح من الممكن التقدّم ولو قليلاً في التصدي لتلك المشاكل وفي تصوّر المعالجات لها، وإنما يراكمان على المشاكل القائمة مشاكل إضافية.من السهل أنْ ننتقدَ الجامعات الغربية في استسهالها تخريج المتخصصين في الأدب العربي، وفي عدم اشتراطها لذلك معرفةً كافيةً باللغة العربية. ولكنّ الانتقاد الأكبر، أو اللوم الأكبر، ينبغي أنْ يقع على جامعاتنا العربية، وعلى مؤسساتنا الثقافية بعامة، التي تهمل واجباتها إزاء لغتنا وأدبنا.جودت فخرالدين

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"