الإسلام . . والأسرة “النظيفة”

02:10 صباحا
قراءة 3 دقائق
يستهدف الإسلام من خلال تشريعاته وآدابه وأخلاقياته سلامة المجتمع وقوة أفراده، لينهض كل فرد بمسؤوليته الملقاة على عاتقه من أجل النهوض بالحياة والأحياء .
وحفظ النسل بوصفه أحد المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية، يعني بصفة عامة المحافظة على النوع الإنساني، كما يعني بصفة خاصة المحافظة على الأسرة التي تعد الخلية الأولى في تكوين أي مجتمع إنساني سليم .
وقد اتخذ الإسلام كل الاحتياطات لحفظ الأنساب وحمايتها من الاختلاط، فحرم زواج المحارم، وأوصى بعدم زواج الأقارب لما يترتب عليه من ضعف النسل كما تؤكد ذلك البحوث العلمية أيضاً ولكن هناك هدفاً آخر وراء ذلك وهو أن تتسع دائرة "المودة والرحمة" لتشمل غير الأقارب بدلاً من تضييقها في نطاق الأقارب فقط . وهذا كله يدخل في إطار "جلب المصالح ودرء المفاسد" عن النوع الإنساني، فإذا كانت الأسرة هي الخلية الأولى والعنصر الأساسي في تكوين المجتمع فإن الزواج هو السبيل الوحيد لتكوين الأسرة في الإسلام .
وحتى تنشأ الأسرة في جو من الطمأنينة والاستقرار جعل الإسلام الزواج يقوم على علاقة "المودة والرحمة" حتى يتهيأ للأطفال مناخ صحي لتربيتهم تربية سليمة ليكونوا بعد ذلك عناصر قوية في المجتمع . . وكما حرّم الإسلام الاعتداء على الحياة الزوجية واهتم بحمايتها من كل ما يزعزع كيانها، حرم الاعتداء على الأعراض سواء بالقذف أو بالفاحشة، وقرر العقوبات المناسبة لهذه الجرائم حماية للنسل .
وحرصاً على نظافة الأسرة حرم الإسلام الممارسات الجنسية غير السوية خارج إطار العلاقات الزوجية لما يترتب عليها من أمراض فتاكة تهدد النوع الإنساني . ومرض "الإيدز" الذي حصد أرواح الملايين من البشر في العالم تؤكد الأبحاث الطبية الدقيقة أنه ينتج بالدرجة الأولى من الفوضى الجنسية خارج نطاق العلاقة الزوجية .
والإسلام يرفض ما يحدث هذه الأيام من فوضى أسرية عن طريق التخلي عن هذه الرابطة المقدسة في العلاقة الزوجية القائمة على "المودة والرحمة" والاستعاضة عن ذلك بعلاقات أو ارتباطات حرة بين الرجل والمرأة بعيداً عن رابطة الزوجية، لأن ذلك سيكون له تأثيره الكبير الضار في العلاقات الإنسانية، وفي الأطفال الناتجين عن هذه العلاقات غير الشرعية، الأمر الذي يسهم في تدمير الأسرة وبالتالي تدمير المجتمع الإنساني، وتدمير المشاعر والعواطف الإنسانية التي توفرها الأسرة للرجل والمرأة والأطفال والأقارب .
كما يرفض الإسلام تلك الظواهر التي أطلت برأسها في المجتمعات الغربية وبدأت تجد قبولاً لدى بعض هذه المجتمعات وتكتسب شرعية مثل زواج المثليين، فالرجل يتزوج رجلاً والمرأة تتزوج امرأة، فماذا يبقى بعد ذلك من حماية للأسرة وللنسل والنوع الإنساني؟
لابد أن نلتزم في مجتمعاتنا الإسلامية بما قررته شريعتنا الإسلامية بشأن حفظ النسل باعتباره أحد مقاصد الشريعة الإسلامية وهو في واقع الأمر يتجاوز الدائرة الإسلامية ليصب في مصلحة النوع الإنساني كله . فأي خلل يصيب أي جزء من أجزاء العالم تتأثر به بشكل أو بآخر أجزاء العالم الأخرى . فالناس جميعاً- كما يقرر القرآن- خلقوا من "نفس واحدة" وهذا يعني أن كل فرد في هذا الوجود يعد جزءاً منتسباً لهذه النفس الواحدة .
ولذلك فإن المسؤولية عن الأسرة هنا "مسؤولية جماعية" لحماية البشرية كلها من أي أخطار تهدد وجودها، والإسلام بذلك يقدم النموذج السليم للبشرية من أجل ضمان استمرارها وبقائها في أمن وسلام .
وقد عبر بعض العلماء عن حفظ النسل بحفظ العرض، وهو ما يمكن أن يطلق عليه أيضاً حفظ كرامة الإنسان . وهنا يصبح حفظ النسل والعرض صورتين من صور حفظ كرامة الإنسان التي أنعم الله بها عليه في قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) .
وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد جعلت من حفظ النسل أحد مقاصدها الضرورية التي يجب حمايتها والحفاظ عليها فكيف يتفق ذلك مع الدعوة إلى تنظيم النسل والحد من تكاثره؟ ألا تتعارض هذه الدعوة مع الحديث الشريف القائل: "تناكحوا تكاثروا فإنني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة"؟ .

د . محمود حمدي زقزوق
* عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"