لا نجاح للتنمية ما لم تقترن بالقيم الإسلامية

في مؤتمر دولي استضافته جامعة الأزهر:
18:53 مساء
قراءة 14 دقيقة

أكد عدد من العلماء وخبراء الاقتصاد الإسلامي أن مقومات التنمية متوافرة بشكل عام في العالم الإسلامي ولكنها تعاني من عقبات عديدة داخلية وخارجية مطالبين الدول والمنظمات والشعوب الإسلامية بأن تشحذ الهمم لاستثمار هذه المقومات بشكل جماعي مع توزيع مناسب للجهود والأعباء والاستفادة من المزايا النسبية المتوفرة بكل قطر لتفعيل التنمية بين المجتمع الإسلامي ككل. وأشاروا إلى ضرورة الاهتمام بالتنمية البشرية في الدول الإسلامية، حيث تحتاج إلى تعديلات أساسية في مناهج وبرامج التعليم بما يجعلها تؤهل الأشخاص للتقدم والتنمية ومواكبة تحديات العصر بإتقان الأدوات اللازمة لذلك ومن أهمها التكنولوجيا والمعلوماتية. وأكدوا أهمية ودور القيم الإسلامية في تحقيق التنمية المستدامة، وضرورة تفعيلها في حياة الشعوب الإسلامية، وضرورة توزيع الثروة بطرق عادلة، وتحقيق الحرية للشعوب الإسلامية، والتمسك بأصول العقيدة والسنة وأحكام الشريعة في حياة المسلمين.

وطالبوا بضرورة تثبيت المفاهيم الإسلامية في التنمية خاصة الإنتاج والعمل وعدم الجري وراء المشروع الغربي لتنمية العالم الإسلامي باعتباره برنامجا طموحا للحاق بدول الغرب بما لا يلائم ظروف وحاجات الدول الإسلامية.

وجاء ذلك في المؤتمر الدولي حول التنمية المستدامة في العالم الإسلامي في مواجهة تحديات العولمة والذي نظّمته رابطة الجامعات الإسلامية بالتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية بمركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر واستمرت المناقشات ثلاثة أيام خلص خلالها المشاركون إلى ضرورة استعادة الدور التقليدي للدول الإسلامية في التقدم الزراعي وإنتاج الغذاء اللازم لها بإنشاء مشروعات مشتركة تقوم على الأراضي الواسعة الصالحة للزراعة، وتوافر القوة البشرية المناسبة، والفوائض المالية التي توافرت لدول منها من ثروة النفط وغيرها.

وأصدر المشاركون في المؤتمر توصياتهم بضرورة بذل أقصى الجهد للتعاون في الإنتاج بكل أنواعه بإقامة التكتلات الإنتاجية والمنظمات الإقليمية التي تسعى إلى تنمية هذه الدول، كما أهاب المؤتمر بالدول والمنظمات الإسلامية وخاصة البنك الإسلامي للتنمية بذل الجهد لزيادة التبادل التجاري والتجارة الغذائية بين الدول الإسلامية في الوقت الحاضر وتفعيل التجارة البينية بينها.

وحذروا من خطورة استمرار تخلف القدرة على إنتاج الغذاء في الظروف الدولية السائدة. مطالبين الدول والمجتمعات الإسلامية بضرورة مواجهة مراحل قادمة ينضب فيها النفط ما يعني ضرورة التركيز على استثمارات تتصل بالطاقة المتجددة من الشمس والطاقة النووية وغيرها. وهذا يحتاج إلى التركيز على الدراسات العلمية من الآن لتحقيق هذا الغرض. وضرورة مواجهة نقص المياه، حيث بدأت تعاني منه العديد من الدول الإسلامية، ويحتاج ذلك إلى البحث عن مواطن المياه فيها وحسن استغلال وإدارة ما بيدها مع ترشيد استهلاكها في شتى المجالات لاسيما المجال الزراعي.

كما وجّهت التوصيات إلى أهمية التنمية من خلال التجارة حيث تحتاج إلى العديد من التدابير والتي منها: إحياء الجهود التي بذلت في السبعينات من القرن الماضي لتسعير المواد الأولية تسعيرا عادلا. والاستغناء عن استيراد المواد الغذائية التي لا توجد فوائد محققة منها. واستشعار قيم القناعة والزهد في الاستهلاك والاكتفاء الذاتي بما ينتج في الدول الإسلامية بشكل عام. وضرورة تسهيل إجراءات المدفوعات الجارية وانتقالات رؤوس الأموال لزيادة معدل التجارة البينية بين الدول الإسلامية إلى 20% بدلا من النسبة الحالية التي لا تجاوز 10%. والتعاون بين الدول الإسلامية لتحقيق الاكتفاء الذاتي بينها من المواد الغذائية، والحد من استيرادها من الدول الغربية إلا في أضيق الحدود وفي حالة عدم تواجدها في الدول الإسلامية. والحد من القروض الأجنبية وعدم اللجوء إليها إلا في حالات الضرورة القصوى مع تبني التدابير التي تجري بين علماء القانون في الخارج لإبطال العقود والاتفاقات التي تم الاقتراض بها في حالة لجوء المقرض إلى إفساد ذمة ممثل الدولة، أو تغير الظروف أو توافر أية أسباب قانونية أخرى للتخلص من هذه الاتفاقات.

كما طالبت بضرورة تشجيع المبادرات العامة والخاصة في التنمية التي جرت في كثير من الدول الإسلامية والتي تدفع إليها العقيدة الإسلامية، وضرورة الاستفادة الكاملة منها، والعمل على تعميمها في مختلف الدول الإسلامية. والاهتمام بالأنظمة الإسلامية الدافعة للاستثمار خاصة أنظمة الزكاة والوقف والبنوك الإسلامية وغيرها. وفيما يلي جانب من وقائع المؤتمر:

تحديّات خطيرة

أكد الدكتور جعفر عبد السلام الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية أن أمة الإسلام تواجه العديد من التحديات الخطيرة من أهمها التحدي المتعلق بالبيئة التي تحيط بنا والتي تتدهور بشكل لم تعرفه البشرية من قبل بفعل التصحّر والتلوث ونقص الماء والغذاء وتأكل التربة وكذلك تحدي الرعب النووي وأسلحة الدمار الشامل الذي اتسع، وأن من أهم مشكلاتنا اليوم مشكلة التنمية والكفاح ضد التخلف الذي يتجلى منذ زمن بعيد في أن 80% من سكان العالم يعيشون على 20% من جملة موارده بينما يعيش 20% على 80% من دخل العالم وأصبحت الأغلبية تعاني بشدة من نقص الغذاء بشكل ازداد حدة في السنوات الأخيرة بالإضافة إلى مأساة الهيمنة والتسلط عليه وإنهاك موارده الطبيعية التي ازدادت بشكل بشع لشراء موارده واستغلال ثرواته.

وحذّر من أن المشروع الغربي للتنمية يهدف إلى جعلنا نلهث وراءه ودائما يشعروننا بالدونية والنقص ويفرضون علينا تحديات باسم اللحاق بركب التنمية رغم أن البرنامج الغربي للتنمية ليس هو البرنامج الأمثل وان مشروع التنمية لعالمنا الإسلامي يجب أن يختلف عما يقرره الغرب لنا ويجب أن ينبعث من فكرنا ومواردنا.

نتائج مخيبة للآمال

وأوضح الدكتور محمد عبد الحليم عمر مدير مركز الاقتصاد الإسلامي أن صادرات العالم الإسلامي بلغت 952 مليار دولار وهي تعادل 7% من صادرات العالم وان هذا الأداء الاقتصادي أدى إلى نتائج مخيّبة للآمال فزادت نسبة الفقر في العالم الإسلامي إلى 35% ولدينا 25 دولة إسلامية ذات دخل منخفض و16 دولة ذات دخل متوسط و7 دول فقط ذات دخل مرتفع وتبلغ الأمية في العالم الإسلامي 29% بين الذكور و28% بين الإناث بسبب ضعف الإنفاق على التعليم.

وقال: لو عدنا إلى ديننا الإسلامي لوجدنا القيم التي تأمرنا بالإنتاج وإعمار الأرض ولكن نحن لا نقوم بهذا.

وكشف الدكتور محمد بن علي العقلا مدير الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة النقاب عن أننا نعاني في الوقت الحالي من واقع مؤلم ومرير والدول الغربية المتقدمة استفادت من العولمة ونحن اكتفينا بالحديث عن الآثار السلبية للعولمة دون النظر إلى إيجابياتها الكثيرة والهامة.

واصفا شعوبنا بأنها من الشعوب المستهلكة لمنتجات العالم رغم أن لدينا كماً هائلاً من الموارد دون أن نستثمره أو نستغله ومن هنا فإن سد الفجوة الحادة بيننا وبين العالم المتقدم أصبح ضرورة ملحة.

البنك الإسلامي للتنمية

وأوضح الدكتور محمد عيّاش ممثل المعهد الإسلامي للبحوث والتنمية التابع للبنك الإسلامي للتنمية أن أنشطة البنك غطّت مجالات عديدة كتمويل المشروعات والمساهمة في رؤوس الأموال والمساعدة الفنية وقد استهدفت هذه النشاطات قطاعات محددة كالصحة والتعليم والصناعة والتنمية في الموارد البشرية وصناعة الخدمات المالية الإسلامية بالإضافة إلى تركيزه على تنمية الموارد البشرية وتعزيز وتطوير التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء. وفي إطار الجهود الرامية إلى تشجيع وتنشيط التجارة بين الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي قام البنك الإسلامي للتنمية مؤخرا بإنشاء مؤسسة جديدة مستقلة لتمويل التجارة برأسمال مصرح به يبلغ 3 مليارات دولار وتُعرف باسم المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة وتهدف إلى تعزيز وتنمية التجارة البينية بين الدول الإسلامية واستحداث آليات جديدة لتمويل التجارة وتنشيط المزيد من عمليات التمويل الموجّه إلى القطاع الخاص وقد بلغ رأسمال المؤسسة المكتتب فيه 750 مليون دولار وانضمت لعضويتها 37 دولة و18 مؤسسة مالية دولية وقد وصل عدد الدول التي صادقت على اتفاقية التأسيس حتى الآن 29 دولة، إضافة إلى ذلك أنشأ البنك صندوقا وقفيا يديره وفقا للضوابط الشرعية بمبلغ مليون دولار مع ما سيضاف إلى هذا الصندوق من التبرعات والهبات ويخصص ريعه لمنح جائزة سنوية لأفضل أداء في مجال تعزيز التجارة بين الدول الأعضاء.

وأضاف: في إطار اهتمام البنك الإسلامي للتنمية بتحقيق أهدافه اتخذت إدارته مبادرات استراتيجية لتعزيز المركز المالي للبنك بما يلبي الاحتياجات التنموية المتنامية لدى الدول الأعضاء وذلك عبر مضاعفة رأس المال المصرح به ليصل إلى 30 مليار دينار إسلامي، وعلى صعيد آخر وتماشيا مع طبيعة الدور التنموي الذي يقوم به البنك وبناء على التحديات الحقيقية التي تجابه العالم الإسلامي وتأسيسا لمفهوم التنمية في الإسلام قامت إدارة البنك بتبني رؤية شاملة حتى عام 2020 انتهت مؤخرا من إعدادها وصياغة مضمونها واصطلحت على تسميتها رؤية من أجل كرامة الإنسان وعليه ستكون رؤية البنك بحلول عام 2020 بأن يصبح بنكا تنمويا من الطبقة الأولى بالمعايير الدولية مستلهما المبادئ الإسلامية ويساعد مساعدة ملموسة في التنمية البشرية في العالم الإسلامي واستعادة كرامته.

وأكد الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق أن الأمة تعيش أسوأ حالاتها فنحن نحتاج إلى العمل حتى تنهض أمتنا من كبوتها وأعداء الإسلام استقووا علينا وأرادوا لنا أن نتخلف ونعيش أذلاء ونمد أيدينا إليهم.

تباين كبير

وأوضح الدكتور سلطان أبو علي وزير الاقتصاد المصري الأسبق أن الدول الإسلامية تتباين فيما بينها تباينا كبيرا بالنسبة لمستوى التنمية الاقتصادية من حيث مؤشر التنمية البشرية ومتوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي ومستوى الإنتاجية ومن العناصر التي تُفسّر التأخر الاقتصادي والترتيب المتدني على سُلم التنمية السلوكيات غير المواتية وخاصة عدم الكد في العمل وعدم إتقانه والإغراق في الترف وعدم توافر القيادة الملائمة وتأخر نظام التعليم وانتشار الأمية وتفشي الفساد.

وقال الدكتور محمد سعدو الجرف الأستاذ بقسم الاقتصاد الإسلامي بجامعة أم القرى إن الفساد الاقتصادي المصحوب بضيق نطاق الحرية الاقتصادية نسبيا أسهم في سوء استغلال الموارد المتاحة بعامة والموارد البشرية بخاصة الأمر الذي أدى في النهاية إلى تخلف العالم العربي في مجال التنمية البشرية مقارنة بالعديد من الدول والذي أدى بدوره إلى تخلف العالم العربي اقتصاديا وعلميا على الرغم من امتلاك العالم العربي لبعض المميزات في جانب الموارد البشرية.

وأشار الدكتور رفعت العوضي أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر إلى أن هناك مقولة خاطئة وهي أن الاقتصاد لا علاقة له بالأخلاق، وتم ترويجها حتى أصبحت منهجا في جامعاتنا وهي مقولة باطلة لأنه حتى الاقتصاد المستورد من الخارج يتحدث عن الأخلاق ويشير إليها، وأكد أن القيم الحاكمة للاقتصاد الإسلامي هي قيم تعمل في صالح المجتمع وأنه لا اقتصاد من دون إيمان ولا أمان للتنمية من دون عدالة وإذا لم ننطلق من قيمنا الحاكمة والأصيلة فلن نحقق النجاح الاقتصادي المنشود، وانتقد بشدة خلو الأمة الإسلامية من مؤسسة تتبنى الإبداع.

وأضاف أن الأمة إذا لم ترب على ثقافة المقاومة فلن تبقي على أي نجاح تحققه وستستسلم بسهولة لأي عقبة أو تحد، موضحا أن النظام العالمي المعاصر يسوق في بلادنا أن الموارد غير كافية وهو ما ينبغي التصدي له بالتفاؤل.

تطور دائم

الدكتور جمال حشّاش كلية الشريعة في جامعة النجاح نابلس أكد أن الإنسان منذ خلقه الله عزّ وجلّ على وجه هذه البسيطة، وهو يحاول أن يطوّر حياته، ويتقدّم بها من نمط إلى نمط آخر أفضل، ولعل هذه السجيّة في الإنسان من نعم الله تعالى عليه، حتى لا تبقى الحياة الإنسانية تعيش حالة من الركود والجمود، والبشر على اختلاف أديانهم وأيديولوجياتهم ما برحوا يبحثون ويدرسون أفضل السبل المتاحة ضمن التخطيط العقلي، واستغلال الطاقات والإمكانات لضمان أرقى صور العيش الكريم.

ولعل السبب المباشر لاختلاف الأمم في الوصول إلى النتائج العظيمة من المنجزات الحضارية عائد إلى طبيعة المنطلقات والتصورات والعقائد التي تتبناها تلك الأمم. من هنا رأينا أن العرب في حياتهم قبل الإسلام كانوا يعيشون حياة الجهل والتشتّت والتخلّف، ثم بُعث فيهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الروح الإسلامية التي كانت بمثابة البلسم السحري الذي نقلهم هذه النقلة التنموية الحضارية في زمن قياسي تخطّى مراحل التخطيط العقلي، والفلسفات الأيديولوجية.

قيم إسلامية

أما الدكتور يوسف إبراهيم يوسف المستشار العلمي لمركز الاقتصاد الإسلامي في جامعة الأزهر فأوضح أن القيم الإسلامية ذات الصلة بالميدان الاقتصادي تتعدد وتُغطّي مختلف مراحل البناء فيه، فمنها ما يُمهّد الطريق أمام هذا البناء ويجعل القيام به ميسورا، ومنها ما يُمثّل الاتصاف به تحقيقا فعليا للتقدم وخروجا من إطار التخلف ومنها ما يُمثل السياج الذي يقي الجهود من الانتكاس ويحفظها من الانتقاص ويُبقيها في عطاء مستمر ونمو دائم. وذلك من خلال عدد من البنود مثل القيم المُمهّدة للتقدم وتتضمن قيمة الخلافة عن الله تعالى. وقيمة لزوم الجماعة. وقيمة المحافظة على الوقت. وقيمة العدل الاجتماعي. وقيمة الشورى في الأمر.

ثم هناك القيم المحققة للتقدم وهي التي يُمثّل توفّرها قياما فعليا بجهود إنمائية، وولوجا حقيقيا لميدان التقدم الاقتصادي والتي هي جزء من نسيج البناء الإسلامي ولها أثرها في تحقيق العمارة وهي: قيمة العمل. وقيمة المحافظة على المال. وقيمة زيادة الإنتاج، وضبط الاستهلاك.

كما أن هناك القيم الدافعة لاستمرارية التقدّم وأهم هذه القيم يدور حول قضيتين.. الأولى: العلم وطلبه والغاية منه. والثانية: علاقة الإنسان بالكون والحياة.

تلك قيم إسلامية ودورها في المحافظة على سلامة البيئة كبير، وفي ظلها تستمر التنمية ويعلو بناؤها، فهي لا تتلاءم مع التنمية المستدامة فقط وإنما من دونها لا يوجد ضمان لاستمرار التقدم.

الأسواق المالية

وأشار الدكتور جمعة محمود مصطفى عبّاد جامعة آل البيت إلى أن الوظيفة الأساسية لأسواق المال تتمثل في نقل الأموال من الأطراف التي يتوفر لديها فائض من الأموال مدّخرات إلى الأطراف التي تعاني من عجز في الأموال، وقد وُجدت أسواق الأوراق المالية في الأساس لتشبع رغبات وحاجات المتعاملين ومن ثم أضحت ضرورة حتمية استلزمتها المعاملات الاقتصادية بين البشر والمؤسسات والشركات.

وتعمل الأسواق على تحقيق موازنة فعالة بين قوى الطلب وقوى العرض وتتيح الحرية الكاملة لإجراء جميع المعاملات والمبادلات وتزداد أهمية أسواق الأوراق المالية وتتبلور ضرورتها في المجتمعات التي تتسم بحرية الاقتصاد. فالسوق المالية تؤدي دورا بالغ الأهمية في جمع المدخرات وتحريك رؤوس الأموال من القطاعات ذات الطاقة التمويلية الفائضة إلى القطاعات ذات العجز المالي سواء مباشرة أو بطريق غير مباشر من خلال الوسطاء وهي بذلك تؤثر تأثيرا محسوسا في مصادر الادخار في مرحلة التجميع وفي توزيعه في مرحلة التوظيف.

وبالتالي فإن الأسواق المالية هي آلية نقل الأرصدة الفائضة من المدخرين وإيصالها إلى المستثمرين بأساليب وأدوات ومؤسسات متخصصة. وتعرف أيضا بآلية إيصال الأرصدة الفائضة من وحدات الفائض إلى وحدات العجز على مستوى الاقتصاد الكلي وتعرف وحدات الفائض بأنها الأفراد والشركات والمؤسسات وتعرف وحدات العجز بأنها الحكومة والشركات والمؤسسات والأفراد.

التنمية الشاملة

وأكدت الدكتورة نعمت عبد اللطيف مشهور أستاذة الاقتصاد الإسلامي في جامعة الأزهر وعميدة كلية إدارة الأعمال والتجارة الدولية في جامعة مصر الدولية أن تفعيل المنهج الاقتصادي الإسلامي لا يمكن أن يتم إلا بالاضطلاع بواجب التنمية الشاملة المستدامة التي هي إحدى القواعد الأساسية لإقامة المجتمع الإسلامي مجتمع القوة والقدرة وتعتبر مؤسستا الزكاة والوقف من الآليات الأصلية في المنهج الاقتصادي الإلزامي الإسلامي التي تضمن قيامه بواجباته وتحقيقه لأهدافه وأولوياته فهما الجناحان، الإلزامي والتطوعي للمؤسسات الإسلامية التنموية الفاعلة.

وأكدت أن إحياء وتفعيل كل من مؤسستي الزكاة والوقف قد أصبح من المهام الأساسية ذات الأولوية للمجتمع الإسلامي لتحقيق واجب التنمية في الأجل المتوسط والأجل الطويل خاصة بعد ما تبينت أهمية كل من المؤسستين في هذا المجال سواء في التجارب الإسلامية أو الغربية الناجحة قديماً وحديثاً. وأضافت: أشير هنا إلى رسالة أحد المتخصصين عن كيفية محاربة الكساد الذي يعاني منه الاقتصاد الأمريكي يطالب فيها بضخ من 2 3% سنويا من الإنتاج لصالح الاقتصاد بعيدا عن أي نواح إيمانية. وهذه هي ما تُعرف لدينا بنسبة الزكاة المفروضة على الأغنياء، فمؤسسة الزكاة تقوم بدعم العمارة والاقتصاد بصورة مباشرة أو غير مباشرة سواء للمستحقين أو المؤدّين، وتوفّر قدرا كبيرا من التمويل المُحدّد تحديدا قاطعا مانعا وهي إحدى وسائل تحقيق التنمية الاجتماعية الشاملة وبالتالي فهناك مسؤولية علينا نحو إيقاظ الضمائر لإخراج الزكاة في مواعيدها ولن نحتاج لعوامل خارجية لأخذ الزكاة بالقوة الجبرية لأن كل إنسان سيحرص على أدائها لاستكمال دينه وهي بنسبة معلومة وليس فيها أي لبس في تفسيرها كقوانين الضرائب مثلا، كما أنها ليست بحاجة إلى جهاز لمكافحة التهرّب.

مشاريع الوقف

وأشار الدكتور محمد علي مصطفى الصُليبي الاستاذ بكلية الشريعة في جامعة النجاح الوطنية في نابلس إلى أن أحكام الإسلام تتسم بأنها مترابطة يسد بعضها بعضا لا انفصال بينها وهي شاملة لكل شؤون الحياة، ومن أهمها القضايا والأحكام المتعلقة بالاقتصاد والمال وهما عصب الحياة الذي لا ينظر إليه الإسلام بالمنظار المادي المجرد بل ينظر إلى هذا العصب من حيث وظيفته الحقيقية كعبادة مالية لها أهدافها وغاياتها داخل المجتمع الإسلامي وينظر للاقتصاد كذلك بمدى ارتباطه بعبادات مالية أخرى مثل أحكام الوقف الإسلامي الذي يستمد مشروعيته من مصادر الإسلام الرئيسية حيث إن القرآن الكريم بيّن العلاقة بين الاقتصاد والوقف من خلال دورة الإنفاق المالي في السر والعلن وفي السراء والضراء.

والوقف في الإسلام له نتائجه وآثاره الاقتصادية كالحد من التوسع في الثروات الخاصة وتوجيهه إلى مصارف الخير، وإدارة الوقف إدارة اقتصادية، وعقود الوقف عقود اقتصادية، وناتج الوقف تبرع مالي يحقق أغراضا خيرية، والوقف محرك للاقتصاد وهو سبب لنشوء عقود اقتصادية لم تكن معروفة من قبل، وهي عقود الخلو أو ما يُطلق عليه الشهرة للعقارات والمحلات التجارية، كما أن الاستثمار الوقفي يظهر من حيث الوظيفة والأداء والأرباح المنظورة وغير المنظورة لهذا الاستثمار والمشاريع الوقفية تراعي المصلحة العامة والمساواة وتؤدي إلى التحسن، والوقف لبنة من لبنات التطور الاقتصادي للدولة، حيث يظهر دوره في تحقيق التنمية الاجتماعية (التوازن، الإنسانية، الاستدامة).

وألقى د.الصُليبي على عاتق العلماء المتخصصين في الاقتصاد والشريعة مسؤولية إحياء مشاريع الوقف الإسلامي.

حارس المال

وقال الدكتور محمد الدسوقي الأستاذ بجامعة القاهرة: إن الإسلام بمبادئه وتعاليمه حارس للمال فهو عصب الحياة وعماد القوة المادية وهذه لابد منها ليتحقق للمسلمين القوة الكامنة التي دعا القرآن الكريم إلى إعدادها ليدفع عنه الذين يضعونه في غير موضعه، موضحا أن الإسلام منع ظاهرتين خطيرتين هما الترف وتداول المال بين طبقة خاصة حتى لا يصبح المال في دائرة محددة والقيم الإسلامية تتجلى في إيمان المسلم بأنه مسؤول عن نعمة المال مما اكتسبه وفيما أنفقه مع مراعاة التوازن المادي المعقول بين كل أفراد المجتمع الإسلامي.

التجربة الماليزية

عرض الدكتور حسن صبري أستاذ الدراسات الماليزية بجامعة القاهرة في الكلمة التي ألقاها نيابة عن سفير ماليزيا بالقاهرة للتجربة الماليزية في تحقيق التقدم مشيرا إلى أنها ترتكز على ثلاث قواعد هي: محاربة الجهل، والفقر، والمرض.. وقد اقترح هذه القواعد شيخ أزهري ونفذها رئيس الوزراء وبدأت بالتربية والتعليم حيث كانت هناك نسبة أمية كبيرة نظرا لوجود الاستعمار الذي حرم أبناء المجتمع من التعليم، وصار التعليم اليوم في المركز الأول حتى إن ميزانيته تعد الأولى والأعلى ولا تستطيع أي وزارة أخرى أن تنال ميزانية أكبر منها فهي تمثل ربع ميزانية الدولة كاملة. فضلا عن مجانية التعليم وإلزاميته بالقانون حتى مرحلة الثانوية، وفي المرحلة الجامعية ليس التعليم مجانا ومع ذلك تعطي الحكومة منحا مجانية للطلبة المتفوقين سواء كانت داخل البلاد أو خارجها.

وأضاف: لدينا 6 آلاف طالب طب في الداخل و10 آلاف في الخارج، وأكثر من 6 آلاف يدرسون المواد الدينية في مصر فقط، وهناك صندوق لمن لم يحصل على المنحة الدراسية حيث يحصل على قرض حكومي ويرتبط بدخل الأسرة بطريقة عكسية بحيث إذا كان الدخل كبيرا يأخذ قرضا صغيرا وإذا كان الدخل صغيرا يأخذ قرضا كبيرا على أن يرد هذا مستقبلا، وكثير منهم لا يسددونه ومع ذلك فإن الحكومة لا تتراجع عن سياستها من أجل إعطاء الفرصة للتعليم.

ولدينا سياسة عملية وإن لم تكن مكتوبة وهي أن رئيس الوزراء لابد أن يكون قد شغل منصب وزير التعليم من قبل حتى يعرف سياسة الدولة في التربية والتعليم، وروح التعليم هي المستمدة من روح الإسلام، ولأننا نعاني حالة من تدهور استيعاب الطلبة للعلوم الإسلامية حسب دراسة صدرت عام 2003 فإن الحكومة تضاعف من جهودها للارتقاء بمستوى الطلاب في هذا الجانب، وقد أنشأ رئيس الوزراء عبدالله بدوي مشروعاً لتوظيف أكثر من 3 آلاف معلم جديد سنويا بحيث يصل العدد في عام 2010 لأكثر من 36 ألف معلم حفاظا على الارتقاء بالتربية الإسلامية عند الطلبة. وهناك خطة خمسية لتعليم السكان البدائيين الذين يعيشون في الغابة ولا يريدون الخروج منها ورفضوا التكيف مع حياة الريف أو المدينة ورصدت لهذه الخطة مبالغ طائلة بحيث تعطى رواتب مضاعفة للمعلمين وهم الآن يتسابقون للعمل في الغابة.

محاربة الفقر والمرض

أما فيما يتعلق بمحاربة الفقر فهناك خطة لإعادة تنظيم المجتمع اقتصاديا وقد خصصت الحكومة نسبة 30% كمساعدة لأبناء الوطن المالاويين الذين كانوا مظلومين أيام الاستعمار وبهذه السياسة استقرت ماليزيا منذ عهد ثاني رئيس وزراء وهو عبدالرزاق حسين، وهذا الاستقرار الاقتصادي يحقق الاستقرار السياسي.

أما محاربة المرض فقد جعل العلاج مجانا تقريباً وهذه سياسة إسلامية، فالتعليم والصحة حق للشعب على الحكومة، فالمريض يدفع فقط ما قيمته أقل من ربع دولار للكشف والعلاج الشامل، وكانت هناك سياسة الإكثار من عدد المستشفيات بتصور أن هذه السياسة تقلل الرسوم ثم اكتشف خطأ هذه السياسة لأن الأطباء تسابقوا على العمل في المستشفيات الخاصة وتركوا العامة، ولذلك تم تغيير هذه السياسة وأصبحت المستشفيات الآن كلها عامة وهذه هي التي تقدم العلاج للمرضى مجاناً، وقد حدث هذا في عهد مهاتير محمد.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"