سعاد محمد ملهمة “إرادة الحياة”

02:03 صباحا
قراءة 5 دقائق

يحفظ تاريخ الغناء العربي بأحرف من نور المطربة سعاد محمد، التي وصفت بأقوى الأصوات النسائية العربية على الإطلاق، صاغت بصوتها العذب أجمل الألحان وأرق الكلمات . هي أبرع من غنى الموشحات القديمة، ثم عرفت بأغنيات أنا هويت، ووحشتني، وأوعدك، ومين السبب في الحب، والنوم طار مني . تساءل عن صوتها الملايين في فيلم الشيماء، الذي غنت فيه رويدكم رويدكم، وإنك لا تهدي الأحبة، وطلع البدر علينا . غنت من كلمات أكبر شعراء الأغنية، ولحن لها أعظم ملحني العرب، وأبدعت عندما وقفت أمام كاميرات السينما في فيلميها الوحيدين .

توقف صوت سعاد محمد الأسبوع الماضي عن الغناء، لكن أغانيها وأعمالها ستبقى يرددها البسطاء، ويعيد غناءها كبار المطربين . ولعل أكبر تكريم لها أنه قبل توقف خافقها بثت الحياة في قلوب ملايين الشباب العربي، الذين رددوا نشيدها الشهير إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر .

ولدت سعاد محمد في لبنان، لأب مصري هاجر من محافظة أسيوط، في 14 فبراير/ شباط ،1926 وبدأت مشوارها الفني بأداء الموشحات في إذاعة دمشق، وكان لتميزها وحصولها على جائزة أفضل صوت نسائي سمع في حلب، أثر كبير في تبنيها من قبل الملحن محمد محسن .

وفي حياة سعاد محمد خطوات مهمة ومتميزة، تمثل نقاط القوة في مشوارها مع الأغنية العربية، إذ قدمت أغنيات ما زالت تمثل بصمة حقيقية في الغناء العربي، كما أنها صنفت واحدة ممن أثروا المكتبة الغنائية العربية والمصرية في القرن الماضي، إذ قدمت خلال رحلتها ما يزيد على ثلاثة آلاف أغنية من مختلف الأشكال الغنائية، بين الرومانسي والوطني والديني والخفيف والقصيدة الطويلة، منها كم ناشد المختار ربه، ويا رب، ويا رسول الله، ورويدكم رويدكم، وإنك لا تهدي الأحبة، وطلع البدر علينا، ووحشتني، وأوعدك، وأنا هويت، وشيء غريب، وفتح الهوا الشباك، ويا حبيبتي يا غالية، ومن غير حب، وهو صحيح، ومظلومة، ويا بخت المرتاحين، وبقى أنت كده، والقلب ولا العين، ووالله وعرفت تحب، وهاتوا الورق والقلم، ومين فكرك، ومين السبب في الحب، والنوم طار مني .

تزوجت سعاد محمد في بداياتها مكتشفها الأديب الصحافي محمد علي فتوح ودام الزواج 15 سنة، وأنجبت منه ستة أبناء ثم انفصلا . ثم تزوجت بعد ذلك المهندس المصري محمد بيبرس ورزقت منه بأربعة أبناء ثم انفصلا . بعدها تزوجت رجلاً لبنانياً ولم يدم الزواج طويلاً ولم تنجب منه، لتتفرغ لرعاية أولادها وبناتها مكتفية بما قدمته من أغنيات، غير أن النقاد والمحللين أكدوا أن محاولة احتكار زوجها صوتها قللت من فرصها في أن تتربع على عرش الأغنية الشرقية بعد أم كلثوم .

دخلت سعاد محمد السينما عبر بطولة فيلمين فقط، هما فتاة من فلسطين في ،1948 وهو أول فيلم عن مأساة فلسطين قام ببطولته وأخرجه المصري محمود ذو الفقار .

وفي 1953 شاركت سعاد محمد في فيلمها الثاني والأخير أنا وحدي من إخراج هنري بركات، شاركها البطولة كل من ماجدة الصباحي وميمي شكيب، وعمر الحريري، ونور الدمرداش، وعبد الرحيم الزرقاني .

وقدمت في هذا الفيلم أربع أغان، حققت اثنتان منها نجاحاً واسعاً في العالم العربي . وهما فتح الهوا الشباك، وهاتو الورق والقلم . شارك في تأليف الفيلم هنري بركات، وأبو السعود الأبياري، وأنتجته العملاقة آسيا داغر .

لم تعد سعاد محمد بعد ذلك إلى التمثيل، واكتفت بالأداء الصوتي لفيلمي بمبة كشر من بطولة نادية الجندي، والشيماء أخت الرسول في ،1972 الذي أدت بطولته سميرة أحمد، وغنت أغاني الفيلمين بطريقة الدوبلاج لبطلتيه، إذ كانت تقترب من السينما في حذر شديد، وركزت كل نشاطها الفني على الأغنية علماً أن انطلاقتها الحقيقية كانت من مدينة الغناء آنذاك، حلب السورية .

ذاع صيت سعاد محمد في الخمسينات وبداية الستينات، من القرن الماضي فتبنى صوتها الملحن محمد محسن وذهب بها إلى القاهرة لتنطلق بقوة من الإذاعة المصرية، وتتعاون مع كبار صناع الطرب في الوطن العربي، وعلى رأسهم موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي .

وكان لمكتشفها الأول الكاتب الصحافي محمد علي فتوح دور كبير في نجاحها وانتشارها، إذ ساعدها كثيراً في بداية مشوارها الغنائي في القاهرة ولم يقف عقبة في طريقها . لكن رحلتها الفنية تأثرت بكثرة الغياب عن الساحة، بسبب عمليات الحمل والإنجاب على مدى 15 عاماً .

ومن أشهر أغاني سعاد محمد أوعدك ووحشتني، وهما أكثر الأغاني التي يرددها مطربو هذه الأيام، بل سجلهما البعض في ألبومات غنائية مثل المطرب خالد عجاج والمطربة شاهيناز، اللذين سجلا أغنية وحشتني، كما سجل محمد منير إحدى أغنياتها أيضاً .

قدمت الراحلة ذات الصوت الجميل الأغنية الدينية في أحد أهم الأفلام الدينية العربية وهو فيلم الشيماء أخت الرسول، كما أمتعت الجمهور العربي بإعادة غناء بعض أغاني أم كلثوم مثل الأطلال، وهو صحيح الهوى غلاب، وغني لي شوي شوي، كما غنت بقى عايز تنساني التي غناها فريد الأطرش .

وفي أحد اللقاءات التليفزيونية النادرة لموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، سئل عن صوت سعاد محمد فأجاب بأنه جميل ولا يوجد لحن يستعصي عليه . وعن سبب عدم التعاون معها في إحدى الأغنيات أو القصائد، قال: تمنيت كثيراً أن أضع لها ألحاناً، ولكن في كل مرة أجهز لها اللحن وأتصل بها، تصادف إما أنها حامل على وشك الوضع، أو أنها وضعت بالفعل ولديها بيبي .

كان صوت سعاد محمد حاضراً بين شباب الثورتين التونسية والمصرية، الذين رددوا نشيدها الوطني الشهير إرادة الحياة الذي أدته باقتدار، وهو قصيدة من كلمات أبو القاسم الشابي، ولحنها الموسيقار رياض السنباطي .

ووصف الملحن حلمي بكر رحيل الفنانة سعاد محمد بأنه غياب لعملاقة النغم العربي التي أثرت في وجدان العرب كثيراً، وقال: إن رحيل سعاد محمد هو فقدان لأحد أعمدة الغناء العربي على مدى سنوات، وإننا للأسف لا نشعر بقيمة الأشياء الكبيرة في حياتنا إلا بعد فقدانها .

وأضاف بكر أنها كانت تحب الفن بدرجة تفوق الوصف، وأنه لحن لها 33 قصيدة في مسلسل بلبل الإسلام في السبعينات وطرحت تلك الأغاني في الأسواق، ولقيت إقبالاً كبيراً . وفي رأيه أن الدليل على حبها للفن والجمهور الذي عشقها، أنها أحيت حفلة في مهرجان الموسيقا العربية منذ عام، ورغم معاناتها الشديدة مع المرض وكبر السن، لكن الجمهور لم يترك فاصلاً إلا وحياها بحماس وكانت القاعة لا تهدأ من التصفيق الحاد من فرط الإعجاب والتقدير لفنانة أحبت جمهورها فأحبها .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"