غذاء المراهقين

بين مخاوف الوالدين والأفكار الشائعة
13:20 مساء
قراءة 8 دقائق

هل تخشى على أولادك ألا يحبوا ويستطيبوا من المأكولات سوى الهامبرجر، وأن تهدد السمنة حياتهم وتعصف بأجسامهم مشكلة فقدان الشهية وبالتالي يصابون بالهزل الشديد؟ أم أن كل هذه الأمور ليست بالنسبة لك سوى أفكار مسلّم بها؟

الواقع أنه إذا كان ثمة اجماع يتعلق بالمراهقين بالتحديد فإنما هو الآتي: المراهقون لا يأكلون طعاماً صحياً، هذا ما توصلت اليه مجموعة من الباحثين المهتمين بصحة الشباب لا سيما في سن المراهقة. ويقول هؤلاء إننا لو تركنا الحبل على الغارب لهذه الفئة من الشباب لتأكل البطاطس المقلية بشراهة وتلتهم قطع البيتزا والهامبرج وتحتسي لترات تلو لترات من المشروبات الغازية المتخمة بالسكر، فإننا بلا شك سنصل الى مجتمع مملوء بفئة من الأشخاص في ريعان الصبا، يعانون أمراض السمنة بكافة أشكالها فضلاً عن أشكال خارجية لا تمت للشباب والصحة بصلة على الاطلاق. وكانت مجموعة من الباحثين قد تابعت على مدى 3 سنوات مجموعة مكونة من 1500 شاب من الذكور والاناث في سن المراهقة تتراوح أعمارهم بين 12و19 سنة حيث تمت المتابعة في المدارس المقاصف المدرسية وفي الشارع وفي البيوت كما اجريت مقابلات مع ذويهم ومعلميهم، لتخرج الدراسة نهائياً بالنتيجة التالية: لا يأكل المراهقون كما نعتقد ولا كيفما نود لهم أن يأكلوا والدليل على ذلك أنهم يعشقون الأطباق البسيطة التي تحضرها جداتهم بشيء من الرغبة والحب، كالشوربات واطباق الخضار باللحمة.

وثمة أفكار خاطئة منتشرة تتعلق بطريقة غذاء المراهقين استطاعت فيرونيك باردو المتخصصة بعلم الإنسان الانثروبولوجيا والعضو المساعد في مؤسسة Alimados التابعة لمرصد سنيل للعادات الغذائية، أن تدرسها وتثبت أنها غير صحيحة، منها أن المراهقين لا يأكلون جيداً أو لا يغذون أنفسهم بشكل صحي. وفي هذا الصدد تقول باردو: ان اطلاق هذا الوصف على المراهقين يعني أننا نصمهم بمرض سوء التغذية وربما نصل الى القول إنهم يعرضون أنفسهم لمخاطر وبالتالي يعرضون المجتمع برمته لمشاكل صحية مثل: الوزن الزائد، وتوحيد العادات المتعلقة بالسلوك الغذائي السيئ ونهاية عصر العادات الغذائية السليمة، ولكن في عمق المشكلة ما الذي نريد أن نصل اليه بالتحديد. هل ان المراهقين لا يحترمون التوصيات والارشادات الغذائية والصحية، وأنهم لا يتناولون المفيد من الغذاء بل يتبعون نظاماً روتينياً بعيد كل البعد عن الصحة، أم أن الأمر غير ذلك بتاتاً؟

ترى الباحثة باردو ان المراهقين يعلمون تمام العلم كل الأمور المتعلقة بالقوانين والضوابط الغذائية الصحية، بل ويمكنهم أن يعطونا دروساً مبسطة في مسائل التنويع الغذائي وفوائده، فهم على سبيل المثال يأكلون في الشارع المأكولات السريعة كسندويشات الكباب والشاورما والبيض والخضار والهامبرجر، لكنهم يلتهمون كذلك لحوماً مثل الارانب بالموتارد واليخنات اللحم والدجاج بالخضار. وتضيف باردو أنه ربما تكون وجبات المراهقين الغذائية غير متوازنة بالضرورة ليوم أو يومين، ولكنها تقترب كثيراً من التوازن بقية أيام الأسبوع لأن المراهقين بكل بساطة يهتمون بغذائهم على غير ما يمكن أن نتصوره نحن الكبار.

ومن الأفكار الشائعة أن المراهقين لا يعرفون ما هو صحي بالنسبة لأجسامهم، لكن هذه الفكرة بعيدة كل البعد عن الصحة، إذ يمكن لهؤلاء أن يرددوا على مسامعك ارشادات الدليل الغذائي للبرنامج الوطني الغذائي الصحي في البلد الذي يعيشون فيه لأنهم يتعلمونه أحياناً في مدارسهم، بل إن معلوماتهم تكاد تكون مفصلة عن طرق الحصول على الغذاء الصحي سواء أكان في المدارس أو في البيت لكن ذلك لا يعني أنهم عازمون على تطبيق هذه النصائح والارشادات.

وتشير الباحثة باردو الى أنه كلما زادت الضغوط على المراهقين، كلما قل اهتمامهم بالأمر بشكل واضح، وهنا يكمن أساس المشكلة فيما يتعلق بالمعايير الغذائية التي عادة ما ينظرون اليها بشيء من الاشمئزاز لأنها بنظرهم قاسية وتشعرهم بأنهم جنود في الجيش، كما يحكمون عليها أحياناً بأنها غير مفهومة، وربما يمقتون اعلانات تقول عن أشياء يحبونها الشوكولا، من أجل صحتك اجعل غذاءك أقل دسامة وحلاوة، لأنها بنظرهم النفاق بعينه.

ومن المعلومات والأفكار المنتشرة عن المراهقين أنهم يكرهون الخضار وأنهم لا يعشقون سوى البطاطس المقلية، وهنا تشير الباحثة باردو الى أن هذه الفئة ربما تكره طريقة تحضير هذه الخضار أو طريقة طهوها، فهم لا يحبونها رخوة، لاصقة كأنها قطع جيلاتين، بل يفضلونها ممزوجة ببعض أنواع الحساء الغارق بالجبنة أو الكريمة القشدة، وربما يحبونها أحياناً أخرى مسلوقة على أن تبقى صلبة البنية وتحتفظ بألوانها الطبيعية. وتشير باردو كذلك الى أن المراهقين يعشقون الخضار النيئة المقطعة الى اجزاء صغيرة كالجزر والبروكلي والفجل مع سلطة الطماطم مثلاً الممزوجة ببعض الصلصات المحتوية على الخل والبهارات. وتعتقد باردو أن شكل الطبق يؤثر كثيراً في ذوق المراهق ويدفعه الى أكله أو رفضه بمعنى أن الطبق يجب أن يكون جميلاً والمواد الغذائية فيه واضحة تماماً، اللهم إلا مع السمك، فطبق يحوي سمكة كاملة مطبوخة يعني بالنسبة لبعض المراهقين الرعب والاشمئزاز بعينه.

ومن الأفكار الخاطئة المعروفة عن المراهقين أنهم لا يحبون الجلوس على الموائد العائلية، والواقع أن الفئة المحصورة أعمارها بين (13-15) سنة، تتلكأ في الجلوس على مائدة الأسرة أما الذين تزيد أعمارهم على 16 سنة، فيقولون إنهم يحبون الجلوس على مائدة الأسرة ويعشقون الوجبات العائلية مع الاشارة الى أنهم يفضلون بالطبع ان تحضر وجبات خاصة بهم ان أمكن. وتشير باردو الى أنه من الأفضل عدم تذكير المراهقين وهم على مائدة الأسرة بالمشاكل التي يواجهونها في المدرسة وترك هذا الأمر الى وقت آخر. ويبدي المراهقون استجابة كبيرة للجلوس على الموائد التي تجمعهم مع الجد والجدة، وفي كثير من الأوقات نسمع تعليقات لمراهقين يقولون إن جدتنا وجدنا يحباننا ويحضران لنا وجبات لذيذة مملوءة بالخضار والحساء اللذيذ.

ومن الأفكار الصحيحة المعروفة عن المراهقين أننا لا نستطيع اجبارهم على تناول هذا الطعام أو ذاك، لكننا نستطيع ترغيبهم في ذلك بمعنى أن نبين لهم أن التغذي لا يعني فقط أن نتناول الوجبات الغذائية بهدف الحصول على العناصر المفيدة، ولكن الاستمتاع بتذوق الطعام الجيد المفيد إضافة الى ضرورة تقديم الطعام لهم بطريقة محببة ومشحونة بالعاطفة، فالمراهق يعشق أن نخصص له طبخة معينة لأنه يجب أن يشعر بأن الآخرين يهتمون به من خلال الاهتمام بغذائه. ومن هنا نجد أن الكثير من المراهقين ينتقدون العاملين في مقصف المدرسة لأنهم يقدمون لهم الطعام بلا مشاعر بل بغرض الكسب المادي فقط. ويقول هؤلاء: إننا نشعر حقاً بأن العاملين في مقصف المدرسة إنما حضروا الطعام لأناس آخرين غيرنا ولذا فهم لا يكترثون بما سنأكله، أما في المطعم الجامعي فالأمر يختلف حيث وجد أن ثمة علاقة ودية بين الطلاب والعاملين في هذه المطاعم لأنهم يقدمون لهم الطعام بطريقة محببة الى النفس ولا تخلو من الاهتمام والعطف.

لكي تكون مراهقاً مقبولاً في هذه الأيام من قبل طائفة المراهقين، لا بد لك أن تكون صاحب أسلوب مرموق في تناول الطعام أو تكون حسب التعبير الحديث صاحب ستايل، فثمة أنواع من الأغذية التي لا يمكن للبعض أن يتناولها أمام زملائه كالحليب مثلاً، فهذا العنصر الغذائي المهم يعني أن المراهق مازال في مرحلة الطفولة بالنسبة لزملائه ولذا تجدهم يمزجون الحليب بالشوكولا باعتباره أنه أكثر دافعاً على التذوق أو نجدهم يتقاسمون السندويشات وعلبة البطاطس المقلية في ما بينهم، كل ذلك من دون أن يلطخوا ثيابهم ببقع الزيت أو الصلصات وذلك يتطلب شيئاً من الخفة والبراعة.

يقول الباحثون النفسيون المتخصصون في علم نفس المراهقين إن الانشغال بمسألة الرشاقة والنحافة تبدأ عند المراهقين من كلا الجنسين مع بداية الدخول في فترة المراهقة حيث نجد عند فئة الشباب ميلاً الى ارتداء سروال ضيق عند اسفل القدمين. ويعتقد هؤلاء أن الجسد الجميل هو الذي يكون نحيفاً ورشيقاً ولكن ليس بشكل مبالغ فيه لأنه ينقلب بشاعة. من ناحية أخرى نجد أن المشكلة التي تشغل الشباب لاسيما المنتمون منهم الى الطبقة الراقية في المجتمع أو الميسورة هي مشكلة الدهون التي تتراكم في بعض أنحاء الجسم وتظهره بمظهر غير رشيق وبعيد كل البعد عن الشباب، فالجسم بالنسبة لهؤلاء هو ذلك الجسم الصلب المتماسك قوي العضلات وليس المترهل. وفي ما يتعلق بصورة الجسم عند الفتيات فهي تختلف من الاناث للذكور ففي الوقت الذي ترى فيه الاناث أنهن يعانين وزناً زائداً يرى الذكور أنهن نحيفات. والواقع أن الفتيات يعلمن جيداً ان مثالية النحافة انما هي مفروضة عليهن من قبل وسائل الاعلام التي لا تفتأ تتحدث عن هذا الموضوع لكن ذلك لا يمنعهن من الاحساس بالذنب لأنهن لا يلتزمن بما يقال عن الرشاقة والنحافة، واليوم نجد ان العديد من الفتيات هنا وهناك في أنحاء العالم يتخذن بعض المغنيات أو الفرق الغنائية التي يتكون افرادها من الاناث، مثلاً يحتذى في اتباع طريقتهن في تكوين جسم رياضي عضلي نموذجي لفتاة العصر.

ويعتقد البعض أن الوالدين يخافان من شراهة الأولاد خشية أن يصابوا بالسمنة وآفاتها وهو أمر صحيح في غالب الأحيان علماً بأن هذه المخاوف ليست مبنية على قاعدة علمية سليمة، بمعنى أن الأهل يخلطون في كثير من الأحيان بين النمو الطبيعي لمورفولوجية المراهق أي التغير في شكله الخارجي وبين زيادة الوزن، فالفتاة المراهقة التي تظهر عليها علامات السمنة عند الخصرين ليست مصابة بالسمنة المفرطة، بل إن جسمها يتغير في هذه المرحلة. وكرد فعل على هذا الخوف غير المبرر أحياناً يلجأ الوالدان الى حرمان أولادهم من بعض المأكولات والحلويات بل يمنعونهم من مجرد تذوقها، وهم بذلك يعملون على تحميل الأولاد أعباء نفسية هم في غنى عنها حيث يضطر الأولاد الى اخفاء بعض المأكولات لأنهم يعودون من الدوام المدرسي وهم يتضورون جوعاً في بعض الأحيان.

نماذج لطعام بعض المراهقين

إفطار بالوما (15 سنة)

تقول بالوما: في الصباح لا أكترث كثيراً بالطعام فأنا أفكر في الساعات التسع التي سأقضيها في المدرسة وهذا يسبب لي توتراً نفسياً لا يطاق، ولذا فأنا اتناول ما حضر أمامي من طعام كقطعة خبز بالزبدة أو علبة حبوب مع الحليب أو علبة من الفاكهة المطبوخة بالسكر مع كوب شاي.

وتضيف بالوما: الواقع أنني لا احب أن يكون بطني متخماً بالطعام، أما في عطلة نهاية الأسبوع فالأمر يتغير، فأنا أنام في وقت متأخر واستيقظ عندما اشعر بالراحة واتناول ما يطيب لي من الطعام مع صديقاتي، فعندما نجتمع نأكل من دون أن نكترث لمشكلة السمنة لأننا نريد تعويض قلة الطعام خلال الأسبوع.

غداء تيوفيل (17 سنة)

يقول تيوفيل: منذ أن انتقلت الى المدرسة الثانوية اتناول غدائي خارج المنزل 3 مرات في الأسبوع وذلك وفقاً لحدود ميزانيتي، أما عندما اخرج مع أصدقائي فلا آكل إلا سندويتشاً فقط. أما عندما نلتقي في وسط الأسبوع فإننا نتناول طعاماً صينياً أو نذهب الى ماكدولاند. ويضيف تيوفيل: انتبه كثيراً لما آكل ولا اتناول إلا المفيد ولا أملأ بطني بأي شيء علماً بأنني لست مقتنعاً كثيراً بالطعام الذي اتناوله مع الأصدقاء ولا اشعر أنني آكل طعاماً متوازناً إلا عندما أكون مع والداي من وقت لآخر.

عشاء ايز (14 سنة)

أطباقي المفضلة هي السوشي وكذلك المعكرونة على طريقة جدتي كما أحب ان اتناول الكثير من الخضار النيئة أو المسلوقة والسلطات. أما بالنسبة للحلويات فأحب تناول قطع الكيك الصغيرة والشوكولا. والواقع أنني لا انتبه كثيراً لما آكل.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"